Subtotal: $
Checkout
الفقر والمعاناة في العالم
هل نحن مُقصِّرون أيضًا فيها؟
بقلم ايبرهارد آرنولد Eberhard Arnold
7 يونيو. 2023
اللغات المتوفرة: español
أنا مذنب
عندما نتحدث عن ثورة اجتماعية راديكالية ترمي إلى إحداث تغييرات جذرية، وعن قلب كل شيء رأسًا على عقب، وعن تجسيد نظام العدالة الإلَهيَّة على أرض الواقع، فإننا لا يمكننا القيام بذلك إلاَّ إذا كانت لدينا قناعة وجدانية بأن انقلابًا كهذا سيؤثر فينا جميعنا أيضًا بصفة شخصية، أنا وأنت، وكل فرد مِنَّا، باعتبارنا جزءًا من البشرية. فنحن أنفسنا نحتاج إلى تغيير كامل وذلك بِنَبذِ كل ما هو بشري فينا — كالأنانية والتَّعصُّب لآرائنا ورغبتنا في السيطرة ...إلخ، — ومن ثم إعادة تأسيس حياتنا بالكامل على يسوع المسيح. فنحن جميعنا مسؤولون عن الظلم الاجتماعي، وعن الحَطِّ من كرامة الإنسان، وعن الإساءات التي يرتكبها الناس بعضهم بِحقِّ بعض، في العلاقات العامة والخاصة. فكل واحد مِنَّا يشعر بالذنب تجاه البشرية جمعاء، لأننا نَصُمُّ آذاننا ونغمض عيوننا عن الذلِّ والاحتقار اللذين يلقاهما الناس.
----------
هناك شبكة كاملة من الذنوب منسوجة حول الأرض، ذنوب ثقيلة على ضمائرنا. . . .
ومن إحدى الطلبات التي نلتمسها في الصلاة الربانية هي: «وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا.» (متى 6: 12) ولقد أدركنا جميعًا بأننا مشتركون في ذنوب العالم. فنحن مشتركون في الذنب إذا هلكت قرية بأكملها من الجوع في روسيا؛ وإذا اندلعت حرب في أمريكا الجنوبية بسبب خلاف على نهر. إذ نحسُّ بالذنب في كل هذه الأمور. وأكثر ما يؤنِّب ضميرنا مسألة البطالة. وأنا أحسُّ بالذنب لأن الكثير من الأطفال لا يجدون ما يأكلونه. وأشارك الحكومة البريطانية ذنبها لقبولها بالأوضاع المزرية في الهند (إبَّان الاحتلال). وأحسُّ بالذنب لأن البغاء موجود كعبودية حقيقية، لأن المال يسيطر على الناس. ونحن مذنبون إلى كل طفل يموت هذه الليلة! فذنبنا مضاعف ملايين المرات بسبب أحوال الدنيا على ما هي عليه الآن، وكذلك بسبب الكثرة المروِّعة للخطيئة والفواحش التي تملأ الدنيا. فإذا أدركنا هذا، فسنفهم لماذا أوصانا يسوع بأن نُصلِّي: «وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا» — ليست ذنوبي وحدها، بل ذنوبنا أجمعين!
----------
نحن لسنا بكائنات منعزلة. فنحن جزء لا يتجزأ من الكل، ألا وهو الجنس البشري. والبشرية كلها ترزح تحت وطأة المعاناة التي يعيشها الجميع. فتخرج منها صَيحة واحدة اشتياقًا إلى الخلاص. ثم إنَّ البشرية تنتظر ذلك اليوم الذي سيكون فيه الجميع مُتَّحِدون. ففي ذلك اليوم، ستدفن الفاجعة العظيمة كل ما يُفرِّق الناس، وسيشرق يوم الخلق الجديد، حاملاً معه بهجة الفردوس، التي ستحلُّ محلَّ جميع معاناة العالم.
----------
اُبذُلْ حياتك
إننا في حياتنا المسيحية المشتركة نعيش بِفُقرٍ ومن دون أيِّ ممتلكات شخصية؛ ونفعل هذا حُبًّا للمسيح، ولأجل أولئك الذين هم أفقر مِنَّا، الأكثر فقرًا. فهناك قدرٌ لا يُحصى من البؤس لدرجة أن عيشة الغِنى ورفاهية الحياة لا تُطاق عند كل مَنْ يحيا بمحبة المسيح. والأمر الذي لا سبيل لإنكاره هو أن كُلاًّ مِن الخطيئة والظلم يحكمان في العالم اليوم، وما دام هذا الوضع قائمًا، فسيوجد دائمًا ناس فقراء. ومن العبث أن نسأل: ماذا كُنَّا سنفعل لو لم يعُد هناك فقراء؟ لأنه حتى النظام الاجتماعي المُطبَّق بصرامة في بعض المجتمعات، أيْ أنه على الجميع الامتثال لقواعده، لم يفلح في القضاء على الفقر. لذلك يقول يسوع: «لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ.» ومكتوب في العهد القديم من الكتاب المُقدَّس: «لأَنَّهُ لا تُفْقَدُ الفُقَرَاءُ مِنَ الأَرْضِ.» (أيْ لا تخلو الأرض أبدًا من الفقراء.) (التثنية 15: 11) ومع ذلك، لا يمكن أن تكون محبة الفقراء هي الغاية النهائية. فيجب أن تفوقها محبتنا لله. فيقول المسيح:
لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ. (متى 26: 11)
ومن جهة أخرى، يجب علينا أن لا ندع محبتنا لله تجعلنا نهمل محبتنا للفقراء. فينبغي أن تكون محبتنا لقريبنا (أيْ بمعنى محبتنا لأخينا الإنسان) نابعة من محبتنا لله. فإذا رأيتَ أخاك أو أختك في حاجة وقلتَ: «سيساعدك الله،» ولم تُعطِ شيئًا مع أنك تملك خيرات هذه الدنيا، فأين محبتك لله؟
إِنْ كَانَ أَخٌ وَأُخْتٌ عُرْيَانَيْنِ وَمُعْتَازَيْنِ لِلْقُوتِ الْيَوْمِيِّ، فَقَالَ لَهُمَا أَحَدُكُمُ: «امْضِيَا بِسَلاَمٍ، اسْتَدْفِئَا وَاشْبَعَا،» وَلَكِنْ لَمْ تُعْطُوهُمَا حَاجَاتِ الْجَسَدِ، فَمَا الْمَنْفَعَةُ؟ (يعقوب 2: 15–16)
----------
إذا أراد شخص أن يسلبك جاكيتك، فناوله معطفك أيضًا. ولا تجمع كنوزًا أو ممتلكات مُبهِرة. ولا تتزيَّن في ملبسك، ولا تحاول أن تكون أنيقًا أو مواكبًا للموضة. فماذا تعتقد؟ هل تصبح شخصًا عادي المظهر وبسيط الطبيعة إذا تظاهرت بأنك من طبقة أعلى؟ فإذا أصبحتَ مسيحيًّا حقيقيًّا، فلن تملك أيَّ ثروة أبدًا. فكل ما تفعله تؤديه بدافع المحبة. فقد أوصانا يسوع بأن نبيع كل ما نملكه أولاً، ومن بعد ذلك نذهب ونتبعه:
بِعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي. (متى 19: 21ب)
وافعلْ مثلما فعلت الأرملة:
فَجَاءَتْ أَرْمَلَةٌ فَقِيرَةٌ وَأَلْقَتْ فَلْسَيْنِ، قِيمَتُهُمَا رُبْعٌ. فَدَعَا تَلاَمِيذَهُ وَقَالَ لَهُمُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هَذِهِ الأَرْمَلَةَ الْفَقِيرَةَ قَدْ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ أَلْقَوْا فِي الْخِزَانَةِ، لأَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ فَضْلَتِهِمْ أَلْقَوْا، وَأَمَّا هَذِهِ فَمِنْ إِعْوَازِهَا أَلْقَتْ كُلَّ مَا عِنْدَهَا، كُلَّ مَعِيشَتِهَا.» (مرقس 12: 42–44)
وكُنْ إنسانًا حقيقيًّا، ولكونك حقيقيًّا، كُنْ بسيطًا. فالحقيقة المطلقة هي البساطة المطلقة. ولا يمكن أن توجد وحدة في الكنيسة ما لم يكُن الجميع أشخاصًا حقيقيين وفي بساطة مطلقة. . . .
وبعدما قال يسوع لتلاميذه: «لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا،» قال أيضًا وخاصة للفقراء والمُعدَمين (بما معناه): «لا تقلقوا على معيشتكم. فيجب أن تتكلوا اتكالاً تامًا على الله، فهو يهب الأزهار جمالها والطيور مأكلها. ولا تسعوا إلاَّ إلى ملكوت الله وعدله.» فلا تطمحوا لوظيفة براتب عالٍ. وستجدون الحل الأمثل لعملكم. ولا تسعوا إلاَّ إلى ملكوت الله وعدله، وليشمِلْ كل منكم زوجته وأولاده بسعيه. حينئذ، سيحلُّ كل شيء آخر في محله الصحيح: معيشة كل ساعة وكل يوم. وسيجعلكم هذا تلاميذ حقيقيين للمسيح. فيجب أن لا تكنزوا لكم كنوزًا، وأن لا تقلقوا على معيشتكم. (متى 6: 25–34)
----------
ما مِن حُبٍّ أعظم من أن يبذل الإنسان حياته في سبيل الإخوة والأخوات. (يوحنا 15: 13) وإنَّ بذل الحياة لا يعني الاستشهاد في مِيتةٍ بطوليةٍ فحسب؛ بل يعني أيضًا أن يحيا المرء حياة يعيش كل لحظة فيها من أجل الآخرين. ففي مثل هذه الحياة يمكننا تكريس كل قوتنا وكل ثروتنا وكل ممتلكاتنا وكل مواهبنا الفكرية في خدمة الآخرين.
وتلك كانت الحياة التي عاشها يسوع المسيح. فلم يتساءل يسوع: أليست بلاد اليهودية صغيرة جدًا؟ ولم تتشوَّق نفسه إلى حياة داخل قصر في روما. ولم يكسب ألقابًا أو تكريمات، ولم يحصل على أيِّ منصب ذي نفوذ. فقد مضى في أبسط الطرق وأكثرها تواضعًا. وعندما كان طفلاً وليدًا، نام في مِذود (أيْ معلف الدابَّة). وكان طريقه كله طريقًا في غاية الفقر. إذ كان أبسط طريقًا للغاية، وانتهى كما بدأ — في فقرٍ مُدقِع، في فقر الصليب.
----------
المعاناة يمكنها أن تعمِّق الإيمان
عندما نسعى لفهم جوهر المعاناة في عمقها، سنرى أن المعاناة ضرورية في بحثنا عن شركة مع الله. وهذا بسبب الحياة المكبوتة التي نعيشها التي لم تختبر بعد خلاص الرب يسوع المسيح. فنحن بحاجة إلى معاناة. فكلما زادت معاناتنا وأصبحنا على وعي ببؤسنا، زاد إدراكنا أن يسوع هو أساسنا الوحيد. فلم يتعب مُطلقًا لسان عالم الفيزياء والرياضيات واللاهوت باسكال Pascal من ترديد عِبرة مفادها أن إدراك حقيقة بؤسنا لا يأخذنا إلاَّ إلى اليأس ما لم نؤمن بالمسيح.
فالمسيح مُخَلِّصُنا؛ وهو يعلم مدى عمق شقائنا. وإنه سبيلنا الوحيد إلى التحرر من الخطيئة والعذاب. وهو يعلم بالظلمة التي تخيِّم علينا، وباليأس الذي يستبد بنا. ويُعِدُّ لنا القوة والابتهاج في الحياة اللذين بمقدورهما تحريرنا من بلايانا البائسة. ثم إنَّ يسوع يعلم بأن وجودنا في الحياة لابد أنه يبدو لنا شاقًّا ومُثقَّلاً بالأعباء، غير أن يسوع يحيا في شركة مع روح الله القدوس، القادر على تحريرنا، وقد قال لنا المسيح:
لأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ. (متى 6: 8)
لقد ذاق يسوع المسيح طعم الآلام والمعاناة. وعرف معنى الجوع والعطش. ولم يكُن له ما يضع عليه رأسه.
فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ.» (متى 8: 20)
ولم يكُن له لا دار ولا بيت. إلاَّ أنه كان يعرف أباه السماوي، وفيه كان له فرح روحي لا ينقطع. فقد أثبت لنا يسوع أن السعادة في الحياة تعتمد على أمر واحد فقط، وهو مدى معرفتنا الجيدة بأبينا السماوي.
----------
عندما نلاحظ أن يوم الدينونة يقترب كالعاصفة، يجب علينا آنذاك أن نكون مستعدين للمضي في طريق الصليب باستسلام تام. فإنه كما كُشِفت لنا المحبة الكاملة مرة في يسوع المسيح عندما واجه الإدانة والموت، هكذا يجب على كنيسة المسيح أن تُكَمِّل تحمُّل ما نقص من آلام المسيح. فقال القديس بولس الرسول في الإنجيل:
الَّذِي الآنَ افْرَحُ فِي آلاَمِي لأَجْلِكُمْ، وَأُكَمِّلُ نَقَائِصَ شَدَائِدِ الْمَسِيحِ فِي جِسْمِي لأَجْلِ جَسَدِهِ، الَّذِي هُوَ الْكَنِيسَةُ. (كولوسي 1: 24)
وعلينا أن نتعمَّق أكثر في قبولنا لحمل الصليب والاستشهاد طوعًا. فما لم نكُن مستعدين لذلك، لا يمكننا أن نسأل الله أن يتدخَّل ويصنع تاريخه.
----------
تكمن سُلطة مجتمع الكنيسة المتشارك في المسؤولية المسندة إليه لتمثيل ملكوت الله في العالم. وستكون إحدى النتائج المترتبة عن ذلك هي الاضطهاد.
إِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُبْغِضُكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ أَبْغَضَنِي قَبْلَكُمْ. لَوْ كُنْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ لَكَانَ الْعَالَمُ يُحِبُّ خَاصَّتَهُ. وَلَكِنْ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ، بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ مِنَ الْعَالَمِ، لِذَلِكَ يُبْغِضُكُمُ الْعَالَمُ. اُذْكُرُوا الْكَلاَمَ الَّذِي قُلْتُهُ لَكُمْ: لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ. إِنْ كَانُوا قَدِ اضْطَهَدُونِي فَسَيَضْطَهِدُونَكُمْ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ حَفِظُوا كَلاَمِي فَسَيَحْفَظُونَ كَلاَمَكُمْ. (يوحنا 15: 18–20)
ينبغي أن ندرك يقينًا أننا سنُضطهد. وكان الإخوة الهوتريون Hutterian brothers يقولون مرارًا: «يجب أن نكون مستعدين للاستشهاد.» فيجب علينا أن نكون مستعدين لتُسْلَب مِنَّا بيوتنا وأرضنا وممتلكاتنا المشتركة؛ فقد أعطانا الله هذه الأشياء لمجرد استعمالها في خدمة إخواننا البشر. فيجب على كل واحد مِنَّا أن يكون على استعداد للتخلي عن حياته نفسها. ولن نكون أبدًا مستعدين للاستشهاد ما لم نكُن أولاً مستعدين يوميًّا للقيام بأصعب الأعمال المتواضعة وتأديتها بكل سرور.
----------
إنَّ الألم هو كالمحراث الذي يحرث بشفرته الحَادَّة قلوبنا، ليجعلنا منفتحين على الحقيقة. فلَولا المعاناة لَمَا أدركنا مُطلقًا ذنوبنا، وعصياننا، والظلم الصارخ لأحوال البشرية.
قَبْلَ أَنْ أُذَلَّلَ أَنَا ضَلَلْتُ، أَمَّا الآنَ فَحَفِظْتُ قَوْلَكَ. . . . خَيْرٌ لِي أَنِّي تَذَلَّلْتُ لِكَيْ أَتَعَلَّمَ فَرَائِضَكَ. (مزمور 119: 67، 71)
----------
ليس من الصواب القيام بمحاولة إزالة كافة أشكال المعاناة، وليس من الصواب أيضًا تحمُّلها بِكبح المشاعر والتحرُّر من الانفعال على غرار الفلسفة الرِّواقيَّة.[1] فالمعاناة يمكن تسخيرها وتحويلها إلى أمر صالح لأجل مجد الله. إذ إنَّ ما يجعل الحياة سعيدة أو تعيسة ليس الظروف الخارجية بل موقفنا الروحي منها فقط.
أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تَسْتَغْرِبُوا الْبَلْوَى الْمُحْرِقَةَ الَّتِي بَيْنَكُمْ حَادِثَةٌ، لأَجْلِ امْتِحَانِكُمْ، كَأَنَّهُ أَصَابَكُمْ أَمْرٌ غَرِيبٌ، بَلْ كَمَا اشْتَرَكْتُمْ فِي آلاَمِ الْمَسِيحِ، افْرَحُوا لِكَيْ تَفْرَحُوا فِي اسْتِعْلاَنِ مَجْدِهِ أَيْضًا مُبْتَهِجِينَ. (1 بطرس 4: 12–13)
فيجب أن يُقَطَّع الحجر الكريم ويُصْقَل إذا أُريد له أن يكون جوهرة متكاملة. ويجب على كل جندي صالح ليسوع المسيح أن يتألم، وأن يكون مستعدًا للألم.
فَاشْتَرِكْ أَنْتَ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّاتِ كَجُنْدِيٍّ صَالِحٍ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. (2 تيموثاوس 2: 3)
ويُبيِّن الصمود عند مواجهة المعاناة أننا قد سَلَّمْنا أمرنا لمشيئة الله كُليًّا، ومع ذلك وفي الوقت نفسه، فإننا نمتلك الشجاعة للعمل الدؤوب. فإنَّ كِلا الأمرين مطلوبان، إذا أردنا أن يستعمل الله حياتنا لمشيئته.
----------
إنَّ أشدَّ المعاناة الروحية هي عزلة النفس عن الله وعن الآخرين، والقطيعة بين شخص وآخر، واليأس الناتج عن الخطيئة. فالنفس المنقسمة التي تشتاق إلى خدمة هدفين متعارضين، يتعذب الضمير فيها عذابًا مريرًا لأنها منفصلة عن الله.[2]
----------
ومع ذلك، فإنَّ المعاناة العميقة يمكن لها أن تُقرِّبنا من الله أكثر مما يقدر عليه أيُّ شيء آخر. ففي ذروة شعور أيوب الصِدِّيق بالعجز من جراء معاناته الشديدة، دفعه اليأس إلى أن يصرخ ويقول:
مَا هِيَ قُوَّتِي حَتَّى أَنْتَظِرَ؟ وَمَا هِيَ نِهَايَتِي حَتَّى أُصَبِّرَ نَفْسِي؟ هَلْ قُوَّتِي قُوَّةُ الْحِجَارَةِ؟ هَلْ لَحْمِي نُحَاسٌ؟ أَلاَ إِنَّهُ لَيْسَتْ فِيَّ مَعُونَتِي، وَالْمُسَاعَدَةُ مَطْرُودَةٌ عَنِّي! (أيوب 6: 11–13)
إلاَّ أن ذلك العذاب قاد أيوب بعدئذ إلى الإيمان بالقوة الإلَهيَّة، التي هي أعظم من أيِّ قوة أخرى. وأدت تلك التجربة إلى تنقية أيوب روحيًّا. ومنذ ذلك الحين، لم يلتفت أيوب إلاَّ إلى الله، ولم تتشَوَّق نفسه إلاَّ إلى الله، وصار بمقدوره أن يصيح وينادي:
أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ، وَالآخِرَ عَلَى الأَرْضِ يَقُومُ، وَبَعْدَ أَنْ يُفْنَى جِلْدِي هَذَا، وَبِدُونِ جَسَدِي أَرَى اللهَ. الَّذِي أَرَاهُ أَنَا لِنَفْسِي، وَعَيْنَايَ تَنْظُرَانِ وَلَيْسَ آخَرُ. إِلَى ذَلِكَ تَتُوقُ كُلْيَتَايَ فِي جَوْفِي. (أيوب 19: 25–27)
----------
الله يدعو الفقراء والمتواضعين
قال يسوع المسيح:
أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هَذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ. (متى 11: 25)
إنَّ أولئك المتواضعين والمحتقرين في نظر العالم هم على وجه التحديد المدعوون من قِبَل الله للقيام بأهم مُهِمَّة على الأرض، ألا وهي تجميع كنيسته وإعلان إنجيله.
فَانْظُرُوا دَعْوَتَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنْ لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَمَاءَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ، بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ، لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ. (1 كورنثوس 1: 26–29)
نرى دائمًا أن القضية يمكن تلخيصها بأنها تضارب بين هدفين متعارضين: فالهدف الأول هو التطلُّع إلى الشخص المرموق أو العظيم أو الروحاني أو الذكي أو الفاضل أو إلى شخص يُمثِّل القمة بسبب مواهبه الفطرية، وكأنه واقف على القمم الجبلية البشرية، إذا جاز التعبير. أمَّا الهدف الثاني فهو السعي إلى الناس المُهمَّشين أو الأقليات العرقية أو المُعاقين أو المتخلفين عقليًّا أو السجناء. وشَتَّان ما بين الهدفين: وُدْيان الوضعاء بين جبال العظماء، إذا جاز التعبير. فالناس الوضعاء هم المُحتقَرون في نظر المجتمع والمستعبَدون والمُستغَلون والأذِلاَّء المساكين والذين في فقرٍ مُدقِعٍ. فيهدف الهدف الأول إلى رفع الفرد، بفضل مواهبه الفطرية، إلى حالة تقترب من الأُلوهية. وفي نهاية الأمر، يُجْعَلُ من الشخص إلَهًا. أمَّا الهدف الثاني فيسعى إلى أعجوبة وسِرِّ تجسُّد الله، وسعي الله ليأخذ أدنى منزلة بين البشر وأكثرها تواضعًا.
إنهما اتجاهان متعارضان تمامًا. فأحدهما نزعة الارتقاء لتمجيد الذات. والآخر نزعة النزول نحو الإنسانية. فأحدهما طريق حُبِّ الذات وتعظيم الذات. أمَّا الآخر فهو طريق محبة الله ومحبة القريب. . . .
ونُصلِّي إلى الرب الإلَه من أجل أن يتحرر البشر كله من حماقة ووهم تعظيم الناس «الرائعين.» ونُصلِّي من أجلهم لَعَلَّهم يدركون أن معنى التاريخ ومعنى حياة كل إنسان يكمن في يسوع المسيح، الذي هو الإنسان الجديد. فهو الإنسان الجديد الذي يجب علينا — نحن الأفراد — أن نسعى إليه بوحدة أخوية متلاحمة كوحدة أعضاء الجسم؛ حينئذ ننتسب إليه. وستتجدد البشرية بفضل يسوع المسيح وعلاقتها معه. وسيبدأ هذا التجديد في جسد المسيح، الذي هو الكنيسة.
----------
هذه المقالة مقتطفة من كتاب «ثورة الله»
[1] الفلسفة الرِّواقيَّة مذهب فلسفي وضع قواعده الفيلسوف اليوناني زينون الرِّواقي Zeno of Citium في القرن الثالث قبل الميلاد، ويرى أن السعادة تكمن في الفضيلة وفي تحمُّل الآلام والمشقات دون عرض للمشاعر ودون شكوى.
[2] قال يسوع المسيح: «لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللَّهَ وَالْمَالَ.» (متى 6: 24)