My Account Sign Out
My Account
orange and red paint

التوبة

أنحتاج إليها؟

بقلم ايبرهارد آرنولد Eberhard Arnold

27 أغسطس. 2024
0 تعليقات
0 تعليقات
0 تعليقات
    أرسِل

ما الخطيئة؟

إنَّ الاغتراب الهائل للبشرية عن الله هو السبب الجذري لزيادة عمق غرقها في شتى أنواع الفساد والرذيلة، ولاسِيَّما في الخطايا الجنسية.

لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالْإِثْمِ. إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، لأَنَّ أُمُورُهُ غَيْرُ الْمَنْظُورَةِ تُرَى مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةُ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ. لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلَهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ. وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ، وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى، وَالطُّيُورِ، وَالدَّوَابِّ، وَالزَّحَّافَاتِ. لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضًا فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ، لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِمِ. الَّذِينَ اسْتَبْدَلُوا حَقَّ اللهِ بِالْكَذِبِ، وَاتَّقَوْا وَعَبَدُوا الْمَخْلُوقَ دُونَ الْخَالِقِ، الَّذِي هُوَ مُبَارَكٌ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ. لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى أَهْوَاءِ الْهَوَانِ، لأَنَّ إِنَاثَهُمُ اسْتَبْدَلْنَ الاِسْتِعْمَالَ الطَّبِيعِيَّ بِالَّذِي عَلَى خِلاَفِ الطَّبِيعَةِ، وَكَذَلِكَ الذُّكُورُ أَيْضًا تَارِكِينَ اسْتِعْمَالَ الْأُنْثَى الطَّبِيعِيَّ، اشْتَعَلُوا بِشَهْوَتِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَاعِلِينَ الْفَحْشَاءَ ذُكُورًا بِذُكُورٍ، وَنَائِلِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ جَزَاءَ ضَلاَلِهِمِ الْمُحِقَّ. وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا اللهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ، أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَفْعَلُوا مَا لاَ يَلِيقُ. مَمْلُوئِينَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ وَزِنًا وَشَرٍّ وَطَمَعٍ وَخُبْثٍ، مَشْحُونِينَ حَسَدًا وَقَتْلاً وَخِصَامًا وَمَكْرًا وَسُوءًا، نَمَّامِينَ مُفْتَرِينَ، مُبْغِضِينَ لِلَّهِ، ثَالِبِينَ مُتَعَظِّمِينَ مُدَّعِينَ، مُبْتَدِعِينَ شُرُورًا، غَيْرَ طَائِعِينَ لِلْوَالِدَيْنِ، بِلاَ فَهْمٍ وَلاَ عَهْدٍ وَلاَ حُنُوٍّ وَلاَ رِضىً وَلاَ رَحْمَةٍ. الَّذِينَ إِذْ عَرَفُوا حُكْمَ اللهِ أَنَّ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ هَذِهِ يَسْتَوْجِبُونَ الْمَوْتَ، لاَ يَفْعَلُونَهَا فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا يُسَرُّونَ بِالَّذِينَ يَعْمَلُونَ! (رومة 1: 18–32)

وإنَّ معنى أن يحيا الإنسان بِحقٍّ هو أن يتخلَّص من كل ما يؤدي إلى الموت. فنحن مرضى بخطايانا بصورة ميؤوسة منها، وسنموت فعلاً ما لم يحررنا الله من الخطيئة والشَّرِّ.

لأَنَّكُمْ لَمَّا كُنْتُمْ عَبِيدَ الْخَطِيَّةِ، كُنْتُمْ أَحْرَارًا مِنَ الْبِرِّ. فَأَيُّ ثَمَرٍ كَانَ لَكُمْ حِينَئِذٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَسْتَحُونَ بِهَا الآنَ؟ لأَنَّ نِهَايَةَ تِلْكَ الأُمُورِ هِيَ الْمَوْتُ. وَأَمَّا الآنَ إِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيَّةِ، وَصِرْتُمْ عَبِيدًا لِلَّهِ، فَلَكُمْ ثَمَرُكُمْ لِلْقَدَاسَةِ، وَالنِّهَايَةُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ. لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. (رومة 6: 20–23)

أمَّا الكراهية والقتل والكذب والجُبْن والخِداع والزِّنَى والانحطاط في ممارسة الملذات فإنها كلها أعمال مُدمِّرة للحياة. فهي تعمل شيئًا فشيئًا وبشكل أكيد على إطفاء آخر بصيص للحياة الحقيقية فينا، في الوقت الذي تُبهِرُنا فيه كل هذه الرذائل بِوَهَمٍ يعطينا انطباعًا خدَّاعًا بأننا ممتلئون بفضلها بحيوية كبيرة.

----------

هل تُعتبر جميع الخطايا شكلاً من أشكال المرض الذي يصيبنا؟ فلو قلنا نعم، فسنُعرِّض أنفسنا إلى خطر التخفيف من حقيقة أننا مسؤولون عن اقترافها. وهذا أمرٌ في غاية الخطورة. فالبشرية اليوم خاضعة للموت، وهذا مرض؛ ولكن الكتاب المُقدَّس يُبيِّن لنا أن العنصر السام والقاتل في الموت هو الخطيئة، ويُبيِّن لنا ‏أيضًا أننا إذا لم نكُن مستعبدين للخطيئة فإننا لن نموت:

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهَكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ. (رومة 5: 12)

أمَّا الخطيئة فهي ما تقترفه أيدينا. وعندما نقترف إثمًا، فإننا نقوم بإنهاء شركتنا مع الله، والانضمام إلى شركة شريرة ذات قِوى معادية لله.

فالخطيئة تخلق رابطة مع السُّمِّ. وهي تدمِّر الحياة، وتمزق الشركة مع الله — أيْ تلك العلاقة الحيَّة مع الله، الذي هو الروح القدس الواهب للحياة الصالحة المُقدَّسة. وحتى لو كُنَّا نعلم أن الخطيئة مرتبطة بالمرض الذي هو الموت، إلاَّ إننا برغم ذلك مسؤولون عن خطايانا؛ فالخطيئة هي عملنا الإرادي.

----------

من الخطأ أن نقول نعم لكل شيء في الحياة، ونقبل به كما هو عليه. فيجب علينا اتخاذ موقف حازم وخالٍ من المساومات من كل ما ينتظرنا في الحياة من ملذات ومصاعب على حدٍّ سواء. وربما يكون حتى لأشرِّ أنواع الشرور معنى أو فائدة في خلال مجرى التاريخ، إلاَّ أنه يجب على كل مَنْ شُدَّ كيانه لله، أن يتخذ موقفًا مضادًا من ذلك الشَّرِّ. ويجب على هذا الإنسان أن يقتلع ذاك الشَّرَّ نفسه من حياته (أو حياتها) وأن يسعى للتغلب عليه لصالح البشرية جمعاء. ورغم أن هذا الموقف هو موقف المجاهدة، إلاَّ أنه تأكيد صادق على ترجيح الحياة الصالحة. فلا يمكن للحياة الحقيقية أن تشمل أيَّ شيء يؤدي إلى الزيف أو الخيانة أو الكذب أو سوء النية أو السماح للأموال وغيرها من الأشياء الخارجية بالهيمنة علينا. وإلاَّ ستكون بالتأكيد عبودية، أيْ بمعنى إنكار مطلق للحياة. أمَّا عندما يمسك الروح القدس حياتنا، فإنه في هذه الحالة فقط يكون في وسعنا اتخاذ موقف إيجابي حقيقي يتضمن التأكيد على الأمور العظيمة وعلى المحبة من ناحية، ورفض كل شيء شرير آخر، من ناحية أخرى.

----------

التوبة

تعني التوبة شعور الرجل أو المرأة بالنفور والاشمئزاز من كل حياته أو حياتها الأثيمة ومن كل خطيئة من خطاياه أو خطاياها، دون استثناء. فتصبح الخطايا بغيضة للغاية عند التائب. فالتوبة هي التوجُّع الناجم عن نفور كامل للمرء من خطاياه؛ إنها مشاعر الندم التي تنتاب الإنسان بحيث أنه لو عاد إلى الماضي يكون مستعدًا لتفضيل‎ ‎التضحية بحياته على اقتراف خطاياه؛ إنها مشاعر الرعب الهائلة التي تكتنف كيان الإنسان، وهي مشاعر تفضيل الموت على مسايرة أيٍّ من هذه الأدناس حتى لو كانت بدرجاتها الطفيفة. فالتوبة ندامة، وقطيعة نفسية تامة بين المرء والحياة الخاطئة التي كانت تحاول أن تضع الفرد بميوله الشيطانية في مكان الله.

‏----------‏

لكي نتوب، علينا أولاً أن ندرك ونُقرَّ تمامًا بخطورة وفظاعة ما اقترفناه، وبما يحمله من لعنة. ويجب أن نرى بوضوح أن ما اقترفناه كان مُدمِّرًا وقاتلاً. عندئذ ستأتي البقية خطوة بخطوة.

ومن المُهِمِّ أن لا نتحدث عن تَحرُّرنا في مجال واحد ما لم نكُن قد تَحرَّرنا في الوقت نفسه في جميع المجالات الأخرى. وينبغي أن لا نتوهم بأننا نتخذ موقفًا حازمًا في الوضع السياسي أو ندَّعي بأننا قد تخلَّصنا جذريًّا من الظلم الاجتماعي ما لم نكُن في الوقت نفسه مُتحرِّرين من الكذب والفساد الأخلاقي. فمن المستحيل إدانة خطيئة معينة والمجاهدة ضدها بينما نكون في الوقت نفسه متهاونين وجبناء في مجابهة غيرها.

‏----------‏

إنَّ الولادة الروحية الثانية التي تكلم عنها يسوع المسيح مع الرجل الذي جاء إليه ليلاً تعني التوبة. (يوحنا 3: 1 – وما يليه) وتعني التوبة انقلابًا شاملاً وجذريًّا في حياة الإنسان. وإننا في هذه الولادة الجديدة نُبرَأُ من جميع خطايانا، وننال الخلاص لأن خطايانا قد غُفِرت لنا وأُزيل سلطانها عنَّا بفضل يسوع المسيح، ذاك المصلوب والقائم من بين الأموات. ويبدأ الانقلاب المصاحب للتوبة بإصلاح حياتنا الأخلاقية إصلاحًا جذريًّا. وما لم نقلع عن كل الشرور، فلا يكون هناك أيُّ تغيير أو إصلاح حقيقي، ولا توبة حقيقية. وما دمنا نقترف الخطيئة، فنحن عبيدٌ لها. ولكن إذا كُنَّا مولودين من الله، فلن نُخطِئ.

‏----------‏

المغفرة تتبع التوبة

نحن نعترف بأننا لسنا بلا خطيئة، ولا يمكن أن نكون معصومين من الخطيئة. فنبقى دائمًا بحاجة إلى المغفرة، فلذلك يجب أن نسأل الرب المغفرة والصفح باستمرار. ومثلما نحن أنفسنا بحاجة إلى المغفرة، فيجب علينا أن نغفر للآخرين. أمَّا المسيح، الذي جاء من السماء ليعيننا على الأرض، فإنه يريد أن يقوِّينا لنتمكَّن من القيام بذلك.

لذلك، فإنَّ الرسالة التي يتعين علينا إعلانها هي كالآتي: من الممكن التحرُّر من سيطرة جسدنا وشهواته علينا، وكذلك التحرُّر من عنادنا، وسيُمكِّننا هذا التحرُّر عندئذ من أن نحب الآخرين بمحبةٍ تُمكِّننا من أن نغفر لهم من كل قلوبنا جميع إساءاتهم إلينا. عندئذ ستتجدد قلوبنا، وسنتخذ موقفًا واضحًا ومستقيمًا من العدل، عدل ملكوت الله.

‏----------‏

لقد وَهَبَ يسوع المسيح روحه القدوس للرُّسُل، أيْ لوحدة الكنيسة، لكون الروح القدس له سلطان كامل لتمثيل ملكوت المسيح. إذ إنَّ سلطان الحلِّ والربط للكنيسة — أيْ غُفران خطايا المرء أو مسكها عنه — مَكَّنت الناس من التحرُّر كُليًّا ليتمكنوا من دخول ملكوت الله. فلا يمكن لأيِّ ضمير أن يحيا دون مغفرة الخطايا. ولا أحد يمكنه أن يرى ملكوت الله دون مغفرة خطاياه. وقد عُهِد إلى كنيسة الله، المُتَّحدة في الإيمان والحياة، بسلطان مغفرة الخطايا، الذي يسري مفعوله على ضمائر جميع الناس؛ فقد وُهِبت الكنيسة حياةً مماثلةً لحياة يسوع وحياة ملكوته المستقبلي، لتكون مسؤوليةً وامتيازًا لها في هذا اليوم وهذا العصر.

فلنشكر الله على مغفرة الخطايا. فبدونها لا يمكننا المثول أمام الله يومًا واحدًا؛ وبدونها لا يمكننا العيش في الحياة المسيحية المشتركة يومًا واحدًا. وبدون مغفرة الخطايا لا يوجد فرح ولا محبة، لأن الذي قد غُفِر له كثيرًا هو الوحيد الذي يحب كثيرًا. (لوقا 7: 47) فلنشكر الله على أن سِرَّ الغُفران حيٌّ بيننا. ونُصلِّي باستمرار لأجل أن تساعدنا قوة الروح القدس على أن نغفر، في كل ساعة وكل لحظة، أيَّ إساءة من الآخرين مهما كانت، وأيَّ نقيصة باقية بيننا مهما كانت. ولا يمكننا أن نسأل الله أن يغفر خطايانا ما لم نغفر لجميع الذين أخطئوا بِحقِّنا، كما علَّمنا الرب يسوع المسيح في الصلاة الربانية:

وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا. (متى 6: 12)

‏----------‏

هذه المقالة مقتطفة من كتاب «ثورة الله»

illustration of sun and rays over a dark city
مساهمة من EberhardArnold2 ايبرهارد آرنولد

كان ايبرهارد آرنولد لاهوتيًّا، وتربويًّا، ومُحرِّرًا صحفيًّا، وتأسست على يده كنيسة الحياة المشتركة المعروفة باسم ‏برودرهوف ‏Bruderhof‏ التي تعيش جميع مجتمعاتها في بعض الدول حياة مسيحية مشتركة

اِقرأ المزيد
0 تعليقات