My Account Sign Out
My Account
Tiny green seedlings growing in black dirt

الحياة الطبيعية البسيطة

هل أجواء المدن ملائمة لتربية الأولاد؟

بقلم ايبرهارد آرنولد Eberhard Arnold

6 أغسطس. 2024
0 تعليقات
0 تعليقات
0 تعليقات
    أرسِل

في سنة 1899م وما بعدها، نشأت بسرعة حركة الشبيبة الألمانية في مناطق مختلفة من ألمانيا. ولم نكد نحن الشباب قد خرجنا بعد من مرحلة الطفولة آنذاك. وكنا نشتاق إلى تحرير أنفسنا من الأوضاع الزائفة للكنائس والمدارس. أمَّا النضال من أجل الحياة الطاهرة ومن أجل الحرية فأتخذ أشكالاً مختلفة في أماكن مختلفة، إلاَّ أنه كان نضالاً مماثلاً. ولقد كان دافعنا هو الرغبة في العيش كبشر طبيعيين وبسيطين، وفي علاقة مع عالم الطبيعة.

وكان يبدو لنا النظام المتشدد للتقاليد الاجتماعية والفوارق الطبقية استعبادًا للإنسانية الحقيقية. وأردنا الابتعاد عن محيطنا الاجتماعي والتوجُّه إلى الطرق الخارجية والحقول والغابات والجبال. فبذلنا كل ما في وسعنا لكي نهجر المدن. فما الذي كُنَّا نبحث عنه في الطبيعة؟ إنها الحاجة المُلِحَّة إلى الحرية، وعلاقات الصداقة والمودة، والمجتمع الأخوي. فخرجنا كلنا لنكون معًا، ولم نكُن منعزلين كالنُسَّاك. فسعينا معًا إلى حياة صادقة بين أحضان الطبيعة.

----------

لقد كان الشباب في ألمانيا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية يكرهون المدن الكبيرة باعتبارها أماكن نجسة لكل من الجسد والروح. فكانوا يرون المدن الكبيرة بأنها بُؤرات لحُبِّ المال وعبادته؛ فقد شعروا بأجوائها ذات المشاعر الفاترة والشريرة. ووجدوا أن الناس هناك لا يعيشون بحسب ما يريده الله. أمَّا الأُسَر فلم تنجب سوى طفل أو طفلين، أو في كثير من الحالات لا تنجب أيَّ طفل. وقد بدا لهم أن جوَّ المدن الكبيرة بأكمله مُشبَّع بجرائم القتل ورذائل الانحلال والتفسُّخ. فقد كانت المدن الكبيرة تبتعد وتنحرف كثيرًا عما أراده الله للبشر. وهكذا هجر الشباب المدن الكبيرة.

ولم تكُن حركة الشبيبة الألمانية هذه كفلسفة جان جاك روسو بالرجوع إلى عالم الطبيعة، لكنها كانت مشابهة لها إلى حدٍّ ما.[1] فقد أرادوا العودة إلى الأماكن التي يمكنهم فيها أن يكونوا قريبين من خليقة الله، حيث يتسنى لهم أن يشعروا من جديد بأن الله قد نفخ نفخته الحيَّة في البشر والنباتات والحيوانات. فقد أرادوا الابتعاد عن النَّتانة والقذارة والدخان، والابتعاد أيضًا عن حماقة الأعمال البشرية.

لقد أعادتهم أرواحهم إلى عالم الطبيعة، لكي تتحالف نفوسهم مع الروح العامل هناك. فكانوا يرون أن الروح العامل في عالم الطبيعة وروح الله القدوس هما روح واحد وذات الروح. فقد خلق الله أولاً الأرض والنباتات والحيوانات، ثم خلق بعدئذ الإنسان. وكانوا جميعًا‏ في وئام وانسجام. فأخذت كل هذه الأمور تجتمع وتجري معًا من جديد في حركة الشبيبة هذه.

‏----------‏

أن نكون بسيطين، وصادقين، وليس لدينا أيُّ شيء بالإكراه، وليس عندنا شيء غير طبيعي، أو مُتصنِّع أو مُزيَّف — هي أمور في غاية الأهمية عندنا منذ بداية حياتنا المسيحية المشتركة. وأردنا أن نعيش بالقرب من الخليقة والطبيعة. ولقد كُنَّا نتوق إلى أن نكون صادقين وبسطاء جدًا في إيماننا بالله وفي فهمنا لخليقته بحيث لا يستطيع أيُّ تأثير ديني من أيِّ نوع أن يصرفنا عن طريقة الحياة البسيطة والبريئة.

ولقد أدركنا أن الحياة المشتركة للكنيسة لا يمكن تحقيقها ما لم تكُن حقيقية تمامًا. وكُنَّا نعلم أن الحياة المسيحية المشتركة يمكن لها أن تضيع إذا تم تحويلها إلى تقوى زائفة، وإذا تَبنَّينا لهجة مليئة بالكلمات الدينية التي لا تنبع من جذور إيمانية عميقة، ولا تخرج بصدق من قلوبنا.

وكما هو الحال مع اللهجة، هكذا الحال مع كل شيء آخر. وأهم تركة ورثناها من حركة الشبيبة الألمانية هي موقفنا من عالم الطبيعة. فلم تكُن الرومانسية هي وحدها التي جعلتنا نبتهج بالمروج والزهور والغابات والجبال. فقد ساعدتنا معايشتنا للطبيعة على الاقتراب من البدايات، أيْ من الخليقة ذاتها. وكُنَّا نرفض أن تربطنا أيُّ صلة بأيِّ شيء لا ينبع مباشرة من قلب الإنسان ولا يتسم بالشفافية.

لذلك، فإنَّ اشتياقي الخالص هو أن حياتنا المسيحية المشتركة تكون نابعة من إيمان القلب مباشرة بشكل طبيعي، مثلما توهب لكل واحد مِنَّا تمامًا؛ بحيث تُطرح عَنَّا كل تقوى زائفة وكل رياء، وأن يُسمح لِمَا هو طبيعي بأن ينمو. ونسأل الله أن يهبنا حياة مليئة بهذه الحيوية الروحية، وأن يجعلنا أحياء كالنباتات، والنجوم، والحيوانات؛ حياة مليئة بالحيوية كحيوية ولادة طفل ونموه. ولَعَلَّ هذه العطية توهب لحياة كل واحد مِنَّا. حينئذ، سنعرف معنى الوفاء الحقيقي.

وينبغي أن نُقدِّر العمل في الزراعة، وخاصة الفلاحة وتربية الحيوانات الإنتاجية، وذلك لقرب هذا العمل من عالم الطبيعة، ولأنه أكثر ما في الحياة من واقعية وأصالة. فهو يمدُّنا بالخُبز اليومي من يد الله، ذلك الخُبز الذي يقوينا على التعامل مع كل ما دُعيت قلوبنا وأفكارنا إلى القيام به.

‏----------‏

عندما تركنا الكنائس الرسمية للدولة، فلا يعني ذلك أننا تخلينا عن إيماننا المسيحي، بل يعني أننا تخلينا عن أسلوب الحياة الذي لا يتوافق مع إيماننا المسيحي.

أمَّا تحفُّظنا في استعمال أقدس كلمة في الوجود، أيْ اسم ذاك الكائن الأعظم والكُلِّيِّ القدرة، فهو أمر حسن. فلا نحب استعمال هذا الاسم القدوس بلا موجِب؛ فإننا نادرًا ما نستعمله على قدر الإمكان. ورغم أننا مدعوون لنشهد لهذا الاسم القدوس، غير أننا ينبغي أن لا نفعل ذلك بأسلوب يشبه رمي اللُّؤلؤ إلى الخنازير. فقد قال يسوع المسيح:

لاَ تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلاَبِ، وَلاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ، لِئَلا تَدُوسَهَا بِأَرْجُلِهَا وَتَلْتَفِتَ فَتُمَزِّقَكُمْ. (متى 7: 6)

‏----------‏

لن تتخلَّى البشرية أبدًا عن اشتياقها إلى أن يعيش الناس بمحبة صادقة بعضهم مع بعض في فردوس جديد وأكثر سُموًّا. فالاستمتاع بالطبيعة الرائعة، والعمل الذي يحافظ على سلامة المنظومة البيئية كالزراعة، وحماية الحياة الروحية للمرء وتعميقها، واختبار قُرب الله، والإبداع في أعمال المحبة والخدمة — كلها أمور يشتاق إليها كل إنسان اشتياقًا فائقًا.

‏----------‏

لقد قال لنا الناس: «أنتم من محبي الطبيعة، وتريدون العودة إلى الطبيعة!» لا أبدًا، فلم يكُن هذا ما نرمي إليه. بل بالعكس، فإنَّ إدراكنا أخذ يتزايد تدريجيًّا بشأن جسامة فساد الطبيعة في الخليقة القديمة. فيقول الإنجيل:

لأَنَّ انْتِظَارَ الْخَلِيقَةِ يَتَوَقَّعُ اسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اللهِ. إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ [للباطل] — لَيْسَ طَوْعًا، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَخْضَعَهَا — عَلَى الرَّجَاءِ. لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ. فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ. (رومة 8: 19–22)

فلم نكن نريد العودة إلى الطبيعة القديمة ولكننا شعرنا على وجه أكيد بأن الله يعمل في عالم الطبيعة بطريقة خفيَّة. فيخبرنا الكتاب المُقدَّس:

لأَنَّ أُمُورُهُ غَيْرُ الْمَنْظُورَةِ تُرَى مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةُ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ. (رومة 1: 20)

اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ. يَوْمٌ إِلَى يَوْمٍ يُذِيعُ كَلاَمًا، وَلَيْلٌ إِلَى لَيْلٍ يُبْدِي عِلْمًا. لاَ قَوْلَ وَلاَ كَلاَمَ. لاَ يُسْمَعُ صَوْتُهُمْ. فِي كُلِّ الأَرْضِ خَرَجَ مَنْطِقُهُمْ، وَإِلَى أَقْصَى الْمَسْكُونَةِ كَلِمَاتُهُمْ. جَعَلَ لِلشَّمْسِ مَسْكَنًا فِيهَا. (مزمور 19: 1–4)

لقد رأينا بوضوح فيما وراء الطبيعة والخليقة كلها أن هناك صلة روحية ومشيئة جوهرية للوحدة التي يريدها الله، رغم معارضة القِوى الشيطانية والشريرة ورغم التأثيرات السلبية والتخريبية على الخليقة. إذ إنَّ محبة الله مُتجسِّدة في هذه الوحدة. فنرى الحياة الخَلاَّقة التي مصدرها الله ظاهرة فيها، من خلال عملية التكاثر في الطبيعة. أمَّا الذي نعبده فهو ليس الأشياء، وليست الطبيعة، بل سِرُّ الله الخالق.

‏----------‏

لقد كان هناك خطر أيضًا في حركة الشبيبة الألمانية. فقد أخذ بعض الناس يقدِّسون الخليقة بحدِّ ذاتها بدلاً من الخالق. وقد أضفوا طابعًا رومانسيًّا على جمال الطبيعة وجمال الجسم البشري بحيث أصبحوا ينظرون إليهما بأكثر إيجابية مما هما عليه في الواقع. فأدى ذلك في بعض الحالات إلى تأليه الطبيعة. وكانت الخطوة التي تلتها إنكار الخالق واستبدال المخلوق به، كما تفعل الاشتراكية القومية (النازيَّة) اليوم.

‏----------‏

وفي عالم الطبيعة أيضًا، فإنَّ الخير والشَّرَّ موجودان جنبًا إلى جنب، النور والظلام. فلا تعطينا الطبيعة نورًا خالصًا وإنما مناوبة بين النور والظلمة. وللحياة الإنسانية ساعات منيرة وساعات مظلمة. لذلك، ينبغي أن يأتينا وحي عن الحقيقة من خارج نطاق كتاب الطبيعة والخليقة. وإنَّ كتاب الطبيعة مُهِمٌّ، ولكنه ليس كافيًا. وأفضل نصيحة للشخص الذي لا يزال غير مؤمن بيسوع المسيح إنما هي البحث في تاريخ الجنس البشري عن ذاك الشخص الذي ظهرت فيه حقيقة الله ونوره بأكثر وضوح. ونحن نسلِّم بأن ذاك الشخص هو يسوع المسيح. فيقول الإنجيل:

اَلَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ. فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. اَلَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ، وَهُوَ رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ. لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ، وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلاً الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَا عَلَى الأَرْضِ، أَمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ. (كولوسي 1: 15–20)

ونحن نعلم أنه لا يوجد في الرب يسوع المسيح سوى النور، وأن محبته وكلمته تعطياننا نورًا كاملاً، وأن هذا النور هو محبة حقًّا. لذلك عرفنا الله بأنه محبة. فالله محبة؛ وإنَّ الذي يمكث في المحبة، يمكث في الله، والله فيه.

مَنِ اعْتَرَفَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ، فَاللهُ يَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِي اللهِ. وَنَحْنُ قَدْ عَرَفْنَا وَصَدَّقْنَا الْمَحَبَّةَ الَّتِي لِلَّهِ فِينَا. اللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ. (1 يوحنا 4: 15–16)

‏----------‏

هذه المقالة مقتطفة من كتاب «ثورة الله»



[1] كانت حركة الشبيبة الألمانية The Youth Movement أو بالألمانية Jugendbewegung ظاهرة واسعة الانتشار تألَّفت من جماعات الشباب المنظمة بشكل عشوائي، التي كانت ناشطة بصورة رئيسية من عام 1913 ولغاية 1933م. ورفضت هذه الحركة الأعراف التقليدية للمجتمع، وناصرت البساطة والحرية والشفافية وحب الطبيعة. أمَّا ايبرهارد آرنولد فكان كاتبًا ومُتحدِّثًا وزعيمًا معروفًا في هذه الحركة، على الصعيد الوطني في ألمانيا، قبل تأسيسه لجماعة برودرهوف المسيحية في عام 1920م.


Corn Sprout
مساهمة من EberhardArnold2 ايبرهارد آرنولد

كان ايبرهارد آرنولد لاهوتيًّا، وتربويًّا، ومُحرِّرًا صحفيًّا، وتأسست على يده كنيسة الحياة المشتركة المعروفة باسم ‏برودرهوف ‏Bruderhof‏ التي تعيش جميع مجتمعاتها في بعض الدول حياة مسيحية مشتركة

اِقرأ المزيد
0 تعليقات