Subtotal: $
Checkout
جماعة المؤمنين
الكنيسة بناءٌ حيٌّ مكوَّن من حجارة حيَّة
بقلم ايبرهارد آرنولد Eberhard Arnold
18 سبتمبر. 2020
إنَّ الحياة المسيحية الخاضعة لإرشاد الروح القدس تعني التجمُّع. (يوحنا 12: 32) إذ ترمي الحياة الروحية التي يريد الرب الإلَه أن يهبها لنا إلى أن تُجَمِّعنا في وحدة عضوية ككائنٍ حيٍّ واحدٍ؛ فالرب يُوَحِّدُنا في جسم حيٍّ واحدٍ يُحْيِيه الروح القدس.
لأَنَّنَا جَمِيعَنَا بِرُوحٍ وَاحِدٍ أَيْضًا اعْتَمَدْنَا إِلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ، يَهُودًا كُنَّا أَمْ يُونَانِيِّينَ، عَبِيدًا أَمْ أَحْرَارًا. وَجَمِيعُنَا سُقِينَا رُوحًا وَاحِدًا. فَإِنَّ الْجَسَدَ أَيْضًا لَيْسَ عُضْوًا وَاحِدًا بَلْ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ. (1 كورنثوس 12: 13–14)
لذلك تُعتبر وحدتنا في الروح القدس، ورباط السلام الذي بيننا، هما القوة الدافعة في حياتنا العملية اليومية، حيث تصبح وحدتنا واقعًا ملموسًا.
----------
نؤمن بأن الروح القدس يُظهِر وجوده في الحياة المشتركة الحيَّة للكنيسة الواحدة الجامعة. ويختلف هنا إيماننا المسيحي عن ذلك الإيمان الشخصي الذي يتمحور حول الفرد فقط. ومما لا شك فيه أن قلب الفرد يحتاج أولاً إلى أن يزوره الروح القدس زيارة شخصية، إلاَّ أن عمل الروح القدس الفعلي يبدأ في الكنيسة المتشاركة. فعندما يكون للجماعة المؤمنة بأكملها الاختبار الروحي نفسه الذي يختبره قلب الفرد الواحد منهم، عندئذ، وفي هذه الحالة فقط، يكون ملكوت الله منظورًا.
----------
إذا سأَلَنا أحدٌ فيما إذا كانت جماعتنا، التي تتألف من عدد قليل من الأشخاص الضعفاء والمحتاجين الذين يعيشون حياة مسيحية مشتركة، هي وحدها الكنيسة الحقيقة، فعلينا أن نقول كَلاَّ، نحن لسنا كذلك. فنحن مثل كل البشر نتلقى محبة الله. ونحن مثل بقية الناس — إن لم نكُن أسوأ — لا نستحق القيام بعمل الروح القدس، وغير مؤهلين له، أو لبناء الكنيسة، أو لتبشير العالم كله.
ولكن إذا طرح أحدٌ السؤال علينا بهذه الطريقة: «هل تأتي الكنيسة إليكم؟ وهل تنزل كنيسة الله من الأعالي إلى حيث أنتم متواجدون، أيْ إلى الناس على الأرض؟ وهل كنيسة الله موجودة في الروح القدس، ذلك الوحيد الذي له القدرة على أن ينزل بها إلى الأرض؟» وَجَبَ علينا عندئذ أن نجيب ونقول: نعم، هذا صحيح. إذ تنزل كنيسة الله من الأعالي إلى أيِّ مكان يتجمَّع فيه المؤمنون بالمسيح، الذين لا يريدون أيَّ شيء ولا يهدفون إلى أيِّ شيء، إلاَّ إلى مجيء ملكوت الله، وإلى ظهور كنيسة يسوع المسيح بوحدة روحه القدوس على هذه الأرض. فتكون الكنيسة حيثما يكون الروح القدس. (1 يوحنا 3: 24)
----------
الكنيسة بناءٌ حيٌّ، مكوَّن من حجارة حيَّة. والحجارة بعيدة كل البعد عن الكمال؛ فهي بحاجة إلى تقطيع ونحت وتغيير شكلها إذا أُريد لها أن تتلاءم مع البناية. أمَّا البناية بحدِّ ذاتها فتتصف بالكمال التام. والسِّرُ في الموضوع كالآتي: إنَّ حياة هذه البناية لا تكمن في أجزاءها المكوِّنة لها، بل بالأحرى في الروح القدس الحيِّ الذي يُجَمِّعها. ولا تنتج وحدتها عن تجميع الأجزاء التي بُنيت بها البناية أو اتفاق الآراء. لأن حجارة البناء تُعتبر مَيِّتة روحيًّا بطبيعتها. إلاَّ أن الروح القدس هو الذي يجعلها تصحو ويبعث فيها الحياة، وذلك بضمِّ بعضها إلى بعض في وحدة جديدة.
كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيِّينَ كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ، بَيْتًا رُوحِيًّا، كَهَنُوتًا مُقَدَّسًا، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ اللهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. (1 بطرس 2: 5)
----------
كم أتمنى لو تسنت لنا الفرصة أن نحثَّ رؤساء الحكومات في يومنا الحالي، مثلما فعل جورج فوكس George Fox (مؤسس طائفة كويكرز المسيحية)، عندما حثَّ أوليفر كرومويل Oliver Cromwell (زعيم إنجليزي) على رفض تاج العرش الرئاسي للدولة، وطَرْحِه أرضًا أمام عرش يسوع المسيح! ولكن يجب علينا أولاً أن نطرح أرضًا جميع تيجاننا وأكاليلنا الصغيرة عند عرش المسيح، ومن ضمنها تاج تَعَنُّتنا المُتلألِئ، وجميع رغباتنا الشخصية، وغطرستنا. غير أن مجتمع الحياة المشتركة للكنيسة، أيْ بمعنى المكان الذي يتسم بالوحدة، هو المكان الذي سَهَّل علينا التَّغلُّب على جميع هذه الرذائل. فمن المستحيل على طبيعتنا الأنانية أن تنتصر عندما تُجَابَهُ مع الكنيسة. فلا يمكن أبدًا للرغبة الأنانية أن تفرض نفسها حيثما يوجد اتفاق بالإجماع، وذلك لأننا نتحرر بفضل وحدة الكنيسة من جميع الأوهام والضلال التي نحن عُرضة لها. ويخرس في كنيسة يسوع المسيح صوت كل فخفخة، كما يُستأصَلُ كل غرور شخصي بالنفس.
فَأَقُولُ هَذَا وَأَشْهَدُ فِي الرَّبِّ: أَنْ لاَ تَسْلُكُوا فِي مَا بَعْدُ كَمَا يَسْلُكُ سَائِرُ الأُمَمِ أَيْضًا بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ، إِذْ هُمْ مُظْلِمُو الْفِكْرِ، وَمُتَجَنِّبُونَ عَنْ حَيَاةِ اللهِ لِسَبَبِ الْجَهْلِ الَّذِي فِيهِمْ بِسَبَبِ غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ. اَلَّذِينَ — إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا الْحِسَّ — أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ لِلدَّعَارَةِ لِيَعْمَلُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي الطَّمَعِ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَمْ تَتَعَلَّمُوا الْمَسِيحَ هَكَذَا، إِنْ كُنْتُمْ قَدْ سَمِعْتُمُوهُ وَعُلِّمْتُمْ فِيهِ كَمَا هُوَ حَقٌّ فِي يَسُوعَ، أَنْ تَخْلَعُوا مِنْ جِهَةِ التَّصَرُّفِ السَّابِقِ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ الْفَاسِدَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ الْغُرُورِ، وَتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ، وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ. (أفسس 4: 17–24)
----------
تُعتبَر التَّغيُّرات التي تحدث في خُلُق الإنسان خلال مراحل حياته مسألة بشرية وطبيعية بالتأكيد؛ ولكنها أكثر من ذلك: فهي تتماشى مع مشيئة الله. ولَمَّا كُنَّا لا نرقى أبدًا إلى كمال الله على جميع الأصعدة، وجب علينا أن نتغيَّر باستمرار. أمَّا نوعية الاتجاه الذي سنتغيَّر نحوه فستلعب دورًا حاسمًا. وتخبرنا الأسفار المُقدَّسة عن أيِّ اتجاه ينبغي أن نسلك: إنه التقرُّب إلى صورة الله، وتعميق فهمنا وتوقيرنا لها في المسيح، ليتيسَّر للرب الإلَه أن يعمل فينا ويغيِّرنا.
وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا فِي مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ. (2 كورنثوس 3: 18)
غير أن صورة الله لا يمكن أن يُمثِّلها فرد واحد لوحده؛ وإنما تُمثِّلها وحدة عضوية تشبه الجسم، وتتكون من العديد من الأفراد الذين يتعهدون بِدعمِ وتكريسِ حياتهم بعضهم لبعض. حيث إنَّ تلك الوحدة العضوية هي الكنيسة التي يُسيِّرها الروح القدس. إذ يُمثِّل جسد المسيح السِّرِّي صورة الله في وقتنا الحاضر.
----------
لقد سمح الله لنا بأن ننعم بالحياة المسيحية في الكنيسة المُقدَّسة على هذه الأرض رغم الضعف الشخصي لكل فرد مِنَّا؛ حيث يسعنا فيها تمثيل طبيعة الله الآب بالكلام، وبالحياة، وبالعمل. إذ إنَّ جسد المسيح السِّرِّي الجديد هو ليس الفرد المؤمن، بل الكنيسة التي قد وهبها الله نظامًا مُرتَّبًا من خلال أدواته (أيِ الأنبياء والرُّسُل). فالكنيسة هي التجسيد والشكل الجديدان للكلمة الذي صار بشرًا. لذلك، فإنَّ الصلاة هنا إلى الله — الملك والآمر والمعين والمُحِب عندما نقول «يا رب!» — ستعمل على إخضاع عصيان «أنا» البشرية المُتمرِّد لكي يصبح ضمن «نحن» الخاص بالكنيسة، والانصياع لله القدير، والمُوَحِّد للجميع، بكامل الثقة والإيمان. أمَّا الله فسيبقى دائمًا مختلفًا تمامًا عن جميع الكائنات الأخرى، سواء كانت حقيقية أو وهمية، وسيبقى وحده الصالح والعظيم. ويخاطب الربُّ كنيسته ويناشدها على الدوام من خلال روحه القدوس. ويهبها نعمته، وحمايته، ويمُدَّها بما تحتاجه، ويفوِّضها بمسؤوليات متنوعة.
----------
أراد يسوع من أصدقائه المقربين الذين ندعوهم بالتلاميذ أن يكونوا دائمًا على مقربة منه.
ثُمَّ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ وَدَعَا الَّذِينَ أَرَادَهُمْ فَذَهَبُوا إِلَيْهِ. وَأَقَامَ اثْنَيْ عَشَرَ لِيَكُونُوا مَعَهُ، وَلْيُرْسِلَهُمْ لِيَكْرِزُوا. (مرقس 3: 13–14)
ودفع روحه القدوس، فيما بعد، المسيحيين الأوائل إلى البقاء بعضهم قريب من بعض، لكي يتمكنوا من أن يحيوا الحياة نفسها التي عاشها يسوع، والقيام بما هو قام به.
وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ. وَصَارَ خَوْفٌ فِي كُلِّ نَفْسٍ. وَكَانَتْ عَجَائِبُ وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ تُجْرَى عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ. وَجَمِيعُ الَّذِينَ آمَنُوا كَانُوا مَعًا، وَكَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا. وَالأَمْلاَكُ وَالْمُقْتَنَيَاتُ كَانُوا يَبِيعُونَهَا وَيَقْسِمُونَهَا بَيْنَ الْجَمِيعِ، كَمَا يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ احْتِيَاجٌ. وَكَانُوا كُلَّ يَوْمٍ يُواظِبُونَ فِي الْهَيْكَلِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ. وَإِذْ هُمْ يَكْسِرُونَ الْخُبْزَ فِي الْبُيُوتِ، كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الطَّعَامَ بِابْتِهَاجٍ وَبَسَاطَةِ قَلْبٍ، مُسَبِّحِينَ اللهَ، وَلَهُمْ نِعْمَةٌ لَدَى جَمِيعِ الشَّعْبِ. وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ. (أعمال 2: 42–47)
وبما أنهم كانوا مدفوعين بإلحاح روحي عميق، كان عليهم أن يجدوا حلاًّ لكل سؤال أو مشكلة في حياتهم المسيحية المشتركة، بحيث يكون شكل الإجراء العملي الذي يتخذونه لهذا الحل يتماشى مع الوحدة التامة، والمحبة التامة.
----------
كان سِرُّ قوة المجتمعات المسيحية الأولى هو الحضور القدير للمسيح في كنيسته.
السِّرِّ الْمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ وَمُنْذُ الأَجْيَالِ، لَكِنَّهُ الآنَ قَدْ أُظْهِرَ لِقِدِّيسِيهِ، الَّذِينَ أَرَادَ اللهُ أَنْ يُعَرِّفَهُمْ مَا هُوَ غِنَى مَجْدِ هَذَا السِّرِّ فِي الأُمَمِ، الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ رَجَاءُ الْمَجْدِ. (كولوسي 1: 26–27)
والشيء العجيب بشأن هذا السِّرِّ هو أن المسيح لم يظهر كرؤية لهم، بل كان هو نفسه حاضِرًا بينهم لأن الروح القدس كان قد حَلَّ عليهم.
ففي اللحظة التي يعترف فيها أفراد الكنيسة بأن محبة الله قد حلَّت على قلوبهم بواسطة الروح القدس، فإنهم يعترفون بأن المسيح حاضرٌ في وسطهم، إنه موجودٌ معهم! فالربُّ ينتصر على جميع الأرواح النجسة، وجميع الروابط القائمة على المشاعر البحتة فقط، وعلى رذيلة سرعة الاغتياظ وسرعة الزعل، والأنانية، وعلى جميع الخطايا. فإنَّ الملك، ذاك المصلوب والقائم من بين الأموات، حاضرٌ في كنيسته من خلال روحه القدوس القدير.
----------
إنَّ الرابط بين أفراد الجماعة المُكرَّسة لكنيستنا ليس رابطًا بشريًّا قائمًا على عهود متبادلة فيما بيننا. وإنما هو بالأحرى دليل منظور ضروري على خضوعنا لمشيئة الله والروح القدس بالإيمان. إذ إنَّ مشيئة الله أن نكون مُتَّحِدين اتحادًا كاملاً، ويرجع الفضل إلى الروح القدس في جعل هذه الوحدة فيما بيننا حقيقة واقعية باستمرار.
----------
نحن لسنا بتشكيلة من الناس الذين لديهم نوايا حسنة بشأن الحياة المشتركة، ويعتقدون بأنه لو كان لجميع هذه النوايا الحسنة أن تنقاد معًا بالاتجاه الصحيح، لكانت النتيجة شيئًا مُرادِفًا للوحدة في الروح القدس. لا أبدًا، فنحن لا نؤمن بهذا. فإننا نعلم بأنه رغم عدم كفاءتنا للحياة المسيحية المشتركة، ورغم ضعف شخصياتنا وقِلَّة مواهبنا، ورغم حالنا كما هو عليه، إلاَّ أن روح يسوع المسيح، الذي هو روح الوحدة، هو الذي يدعونا إلى هذا الطريق، ويوصينا أيضًا بتجميع ناس آخرين.
----------
لا يوجد عندنا شخص مُعيَّن يعطي الأوامر للآخرين؛ لأن هذا من شأنه أن يُحدِث انقسامًا بين صاحب العمل والمُستخدَم. فليس عندنا مثل هذه الأمور. ثم إنه لا يوجد عندنا جماعة من المثقفين أو الأكاديميين (أيْ خريجي الجامعات) يتأمَّرون على الذين يقومون بالأعمال البدنية. لأن ذلك من شأنه أن يُقسِّمنا إلى مجاميع، بعضها أرفع مقامًا من بعض. فيجري عندنا في الحياة المسيحية المشتركة استئصال كل مُخَلَّفات التقسيمات على أساس الطبقية، أو التمييز الاجتماعي، أو التَّمتُّع بالوجاهة، استئصالاً كاملاً. فإنَّ مثل هذا التنظيم الضروري لعملنا في شتى أقسامه ينشأ من اتفاق الإجماع في مجتمع الكنيسة الذي يعيش حياة مسيحية مشتركة. فالسُّلطة العليا الوحيدة عندنا هي هذا الإجماع، أيْ بمعنى هذا الوفاق التام بين جميع الأعضاء المؤمنين المُحِبِّين. . . .
ولدى بعض الأعضاء من إخوة أو أخوات خدمات معينة مُسندة إليهم، كخادم الكلمة (قسيس)، وأمين الصندوق، ومدير مصلحة العمل، ومُوزِّع العمل على الإخوة، ومُوزِّعة العمل على الأخوات، والمشرفة على رعاية المنازل، ومدير المدرسة، وغيرهم الكثيرون. ولكن لا يمكن لهؤلاء الإخوة والأخوات القيام بهذه الخدمات إلاَّ في حالة واحدة، وهي عندما تدعمها الموافقة التامة للجماعة كلها. ولا يسبب هذا التنظيم العملي الناجم عن الاتفاق الشامل أيَّ مشكلة لأيِّ فرد في مجتمع الحياة المسيحية المشتركة. فعند الانضمام إلى مجتمع الحياة المسيحية المشتركة، يُقدِّم كل شخص إلى الوحدة كل ذاته بما في ذلك طاقاته ومواهبه ووقته، وأيضًا كل ما يملك. فلا يحتفظ بأيِّ شيء لذاته، أو بأيِّ ساعة عمل واحدة، أو بأيِّ حساب توفير، مهما كان صغيرًا، ولا حتى بأصغر صندوق للأشياء الثمينة. فهو لا يملك شخصيًّا أيَّ شيء على الإطلاق. فقد قال يسوع المسيح:
لاَ تَخَفْ، أَيُّهَا الْقَطِيعُ الصَّغِيرُ، لأَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ سُرَّ أَنْ يُعْطِيَكُمُ الْمَلَكُوتَ. بِيعُوا مَا لَكُمْ وَأَعْطُوا صَدَقَةً. اِعْمَلُوا لَكُمْ أَكْيَاسًا لاَ تَفْنَى وَكَنْزًا لاَ يَنْفَدُ فِي السَّمَاوَاتِ، حَيْثُ لاَ يَقْرَبُ سَارِقٌ وَلاَ يُبْلِي سُوسٌ، لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكُمْ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكُمْ أَيْضًا. (لوقا 12: 32–34)
وما في حوزة الإخوة والأخوات لا يُعطى لهم إلاَّ ليستعملوه ما داموا في حاجة إليه للقيام بعملهم. ولكن هذا لا يؤدي إلى حالة من التماثلية وغياب التنوُّع؛ فيجب أن لا نتصور أن تنظيم حياة الجماعة تنظيمًا مشتركًا لا ينتج عنه سوى رتابة؛ لا أبدًا، بل إنه يؤدي إلى انسجام غني كانسجام النغمات في المقطوعات الموسيقية.
إذ يوفر مجتمع الحياة المسيحية المشتركة المستلزمات اللازمة التي يحتاجها كل فرد فيه للقيام بعمل مُثمِر في مجال تربية الحيوانات في المزرعة، والفلاحة، والحِرَف اليدوية، والأعمال الفنية، والنشر والطباعة، والتعليم، ونشاطات الترفيه، ومجاميع رياض الأطفال ودار الحضانة، والمطبخ، وغسيل الملابس، وتنظيف المنازل، وما إلى ذلك.[1] فيقوم كل فرد بأداء عمله لصالح الجماعة كلها.
----------
إنها معجزة حقًّا أننا تمكنَّا من أن نعيش حياة مسيحية مشتركة في هذه السنوات الاثنتي عشرة الماضية،[2] ومن أن نلمس فيها قوة الروح القدس المُحرِّرة والمُخلِّصة والشافية، وأن يكون بمقدورنا أن نشهد لهذه القوة القديرة. فلا يمكن لمعجزة كهذه أن تصدر عَنَّا نحن البشر أبدًا.
فكيف يمكننا الدخول إلى أجواء هذه المعجزة؟ نجد الجواب في كلمات ترنيمة مُفضَّلة عندنا منذ زمن مجتمع زانرز Sannerz: «نكون في موطننا الحقيقي إذا كُنَّا ننتظر انتظارًا مُقدَّسًا.» فنحن نحيا في مجتمعنا المسيحي بتكريسٍ عامِلٍ، ونعلم على وجه اليقين بأن الروح القدس، الذي هو الطبيعة الكاملة ليسوع المسيح، سيأتي إلينا. فماذا حدث عندما جاء الروح القدس إلى جماعة التلاميذ أول مرة؟ فعندما يكون علينا الانتظار لفترة طويلة لمجيء الروح القدس، فينبغي أن لا يُخيِّب ذلك أمل أيِّ شخص مِنَّا. فقد كان على الجماعة الصغيرة في أورشليم (جماعة التلاميذ الأوائل) أن تمرَّ بفترة صعبة للغاية من الانتظار، التي لابد أنها بدت فترة طويلة لا نهاية لها، ولكن الروح القدس جاء بعد ذلك: فقد حلَّ عليهم فعلاً. وها هو الإنجيل يشهد لذلك، ولِمَا وعد به المسيح:
وَفِيمَا هُوَ مُجْتَمِعٌ مَعَهُمْ أَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يَبْرَحُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ بَلْ يَنْتَظِرُوا «مَوْعِدَ الآبِ الَّذِي سَمِعْتُمُوهُ مِنِّي، لأَنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِالْمَاءِ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَسَتَتَعَمَّدُونَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ، لَيْسَ بَعْدَ هَذِهِ الأَيَّامِ بِكَثِيرٍ.». . . . ولَمَّا حَضَرَ يَوْمُ الْخَمْسِينَ كَانَ الْجَمِيعُ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَصَارَ بَغْتَةً مِنَ السَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلأَ كُلَّ الْبَيْتِ حَيْثُ كَانُوا جَالِسِينَ، وَظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا. (أعمال 1: 4–5؛ 2: 1–4)
لذلك، فقد تغيَّر كل شيء عند التلاميذ الأوائل فجأة. ونحن نؤمن بأن هذا التغيير لابد أن يحدث باستمرار.
----------
لقد فهمنا اليوم مرة ثانية بأننا لا نريد بأيِّ شكل من الأشكال أن نرى جماعتنا الأخوية أن تكون هي بحدِّ ذاتها الهدف، وإنما هي مؤشر نحو الهدف. فلا نبتغي أبدًا توطيد أخويتنا لمصلحة أخويتنا نفسها، أو جماعة برودرهوف لمصلحة جماعة برودرهوف نفسها. فنحن نريد من جماعتنا الأخوية أن تنطلق في العمل من أجل السلام، والوحدة، لَعَلَّ العالم أجمع بجميع شعوبه يتمكَّن من بلوغ ملكوت العدل والسلام. وبعبارة أخرى، نريد أن نعمل لأجل ملكوت العدل والسلام من أجل تغيير العالم بأسره. عندئذ ستجري مجابهة القِوى المهولة للعداء والحقد من قِبل جماعة صغيرة، مهما كان صغرها، التي تُرسِل إشعاعات الوحدة والسلام والعدل والإخاء والإنسانية إلى العالم، أيْ إشعاعات محبة الله ومحبة المسيح، أيْ إشعاعات قوة الملكوت. فهذا ما نريد أن نحيا لأجله، وهذا هو الهدف من انضمامكم إلينا.
----------
هذه المقالة مقتطفة من كتاب «ثورة الله»
[1] وبالإضافة إلى ذلك، لدى مجتمعاتنا حاليًّا معامل إنتاجية متنوعة، وعيادات طبية، وعيادات أسنان، وأقسام عمل أخرى مثل البناء، والمواسير، والصيانة، وإدارة تقنية المعلومات، وإدارة الجمعيات الخيرية، وقسم التواصل الاجتماعي، ومدارس ثانوية، ورعاية المسنين والمعاقين، إلخ.
[2] وقد أُعطي لنا أن نحيا هذه الحياة لأكثر من 100 عام ولغاية يومنا هذا.