Subtotal: $
Checkout
الوحدة والروح القدس
هل للروح القدس قدرة فعلية حقا؟
بقلم ايبرهارد آرنولد Eberhard Arnold
15 نوفمبر. 2017
ينبغي أن يكون مجتمع الحياة المسيحية المشتركة مدينة على جبل، حيث يَشِعُّ النور من نوافذها إلى الخارج، وينير الأرض، لكي يدرك كل مَنْ يراها أن: هناك مدينة مُتَّحِدة، وكنيسة مُتَّحِدة! فقال يسوع المسيح:
أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ. لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَلٍ. (متى 5: 14)
وهذه هي دعوة يسوع المسيح في وقتنا الحاضر، وهي أن تظهر الكنائس الكُليَّة المشاركة والتكريس إلى حيز الوجود، حيث يشرق منها بقوة وجلاء نور الوحدة الكاملة والعدل والسلام والفرح في الروح القدس إلى العالم.
---------------------------
الاتفاق بالإجماع ممكن
نحن لسنا متفائلين بالسياسة العالمية. ولدينا بالتأكيد إيمان واثق بأن الكنيسة يمكنها أن تشهد للوحدة، وبأن هذه الشهادة هي أفضل خدمة يمكننا تقديمها إلى العالم. فالحياة المسيحية الكُليَّة المشاركة والتكريس إنما هي ممكنة على أرض الواقع! والاتفاق بالإجماع ممكن! وهذه الحياة ممكنة التحقيق بالإيمان بالله الآب والمسيح والروح القدس. فهذا هو الهدف الأساسي من حياتنا المسيحية المشتركة، أيِ الشهادة للوحدة.
---------------------------
إنَّ الإجماع الكامل بنفسٍ واحدةٍ أمر لا يمكن الاستغناء عنه في أيِّ عمل يقوم به مجتمع الحياة المسيحية المشتركة، سواء كان بناء منزل أو أيَّ شيء آخر. ولا يكون هذا الإجماع ممكنًا إلاَّ بفضل إيماننا بأن الله يستعمل روحه القدوس ليقول الشيء نفسه لكل فرد مِنَّا. أمَّا أسلوب الإقناع المتبادل فلا يقدر على تحقيق ذلك الإجماع. لكن الله هو الذي يحقق الوحدة بيننا، حينما يتحدث إلينا بواسطة الروح القدس. فلا يقتصر عمل الروح القدس على طمأنتنا على خلاصنا — أيْ على أن الله قَبَلَنا — بل أن حديثه إلينا يجعلنا أيضًا مُطمئِنين حتى على ما تُسمَّى «بالأمور التافهة أو الصغيرة.» ويلهمنا الروح القدس أيضًا في اتخاذ القرارات مثل شراء مَرْجٍ للرعي أو أيِّ شيء آخر مهما كان. فالاتفاق بالإجماع هو أول علامة.
أمَّا العلامة الثانية فهي موضوع العمل في حدِّ ذاته. فعادة ما يعمل الناس لإعالة أسرهم، بدافع غريزة طبيعية وسليمة. وفي أغلب الأحيان، يكون السبب الوحيد لدوامهم في وظيفة معينة هو لكسب لقمة العيش. غير أن بقية حياتهم خلال الأسبوع مستقلة عن مهنتهم ولا علاقة لها بعملهم. أمَّا نحن فنحارب هذه الظاهرة في حياتنا. فمثلما ينبغي أن يكون هناك انسجام بين الناس، فينبغي أن يكون هناك انسجام وتوافق بين العمل الذي يؤديه الشخص وبين دعوته/دعوتها الروحية أيضًا. (كولوسي 3: 17، 23) لذلك، يجب تكريس كل الطاقات والمواهب لموضوع العمل هذا، توافقًا مع روح الكنيسة، أيِ الروح القدس.
---------------------------
حياة مُشارَكة وليست حياة مُماثَلة
لن نحصل على اتفاق بالإجماع في قناعاتنا ما لم يكُن لدينا قلوب متحمِّسة وصادقة ومنفتحة. ولم ننزعج مُطلقًا عندما كان الناس يأتون إلينا بقناعات تختلف عن قناعاتنا. فبالعكس، فهذا أصلاً له فائدة أكبر مما لو لم تكُن لدينا فرصة لسماع أفكار معارضة. إذ نؤمن بأن التبادل الحر للأفكار يمكن أن يؤدي إلى الهدف، إذ إنَّ روح الحقِّ الشامل الذي لا ينبع مِنَّا نحن البشر، قادر على أن يهبنا قناعة نهائية. عندئذ سنتَّحِد كلنا ونتوافق بفضل الحقيقة المطلقة، مهما كانت آرائنا متباينة. وسيجلب كل فرد مِنَّا تلك العناصر الصحيحة من مخزون قناعاته السابقة، وسيعيد اكتشافها من جديد. وكلما تنوعت خلفياتنا الثقافية والحياتية، فستُثري ثمار هذا التنوع حياتنا أكثر فأكثر. ولا يمكن أبدًا التَّوصُّل إلى قناعة موحَّدة وغير زائفة بين الناس بواسطة إكراه الشخص على الامتثال والموافقة على الرأي. فإنَّ الروح القدس بقدرته على الإقناع الروحي هو الوحيد القادر على أن يقود الناس من حرية الرأي إلى الوحدة الحقيقية فيما بينهم.
---------------------------
إنه لأمرٌ مُدهِش حقًّا عندما يتخذ الناس قرارًا بالإجماع بشأن أمرٍ ما. فإنه عكس اتخاذ قرار الأغلبية. أمَّا الاتفاق بالإجماع فمعناه أن لا أحد يكون غير متفق على القرار أو يعارضه، ولا حتى في فكره.
وَلَكِنَّنِي أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَقُولُوا جَمِيعُكُمْ قَوْلاً وَاحِدًا، وَلاَ يَكُونَ بَيْنَكُمُ انْشِقَاقَاتٌ، بَلْ كُونُوا كَامِلِينَ فِي فِكْرٍ وَاحِدٍ وَرَأْيٍ وَاحِدٍ. (1 كورنثوس 1: 10)
---------------------------
عندما يؤمن الناس بالوحدة، سيخلق ذلك رابطة قوية جدًا فيما بينهم. أمَّا الواقع المأساوي الذي يُرثى له فهو أن بعض الذين يُسمون أنفسهم مسيحيين، هم في الحقيقة مختلفون جدًا في آرائهم وغير مُتَّحِدين للغاية، وهذا ليس في الكنائس الرسمية المختلفة في العالم فحسب بل حتى بين أولئك الذين يحاولون أن يكونوا مسيحيين حقيقيين. ولن تُحَلَّ المشكلة أبدًا إذا قررنا التزام الصمت حيال هذه المواضيع التي لا يتفق عليها الناس. ويرى الكثيرون الأمر كما يلي: اليوم يوم عبادة، يوم الذهاب إلى الكنيسة، وخدمة الله؛ أمَّا غدًا فسأكون في عملي، وأدير حياتي الشخصية والأسرية، [أيْ بمعنى أنه يعيش في عالمين منفصلين]. فكيف لمثل هذا الشخص أن يجد أصلاً وحدةً وانسجامًا في داخله، دعْ عنك الوحدة والانسجام مع الآخرين؟
ولا شيء أعظم وأسمى من الوحدة الكاملة. فهذا هو سِرُّ الله — الفرح والوحدة في روحه القدوس الخَلاَّق. لذلك، فإنَّ السؤال الآن هو: أنؤمن حقًّا بالله؟ أنؤمن حقًّا بأنه سينتصر في قصده لتحقيق الوحدة؟ وإذا كُنَّا لا نريد سوى الله وطريقه، أنؤمن بأن الوحدة ستتحقق هنا والآن؟
---------------------------
ليست رابطة بشرية
لَمَّا كان لَهَبٌ من العالم الآخر يأتينا فعلاً، أمكننا القول قولاً جازِمًا وبلا تردد إننا لا نكتفي بالتوصُّل إلى إجماع فكري. فلا يكفي أن نحدد هدفًا مشتركًا لنا، ومن ثم نستخدم جميع ما لدينا من قوة الإرادة لبلوغ ذلك الهدف؛ ولا يكفي أيضًا أن تَهُزَّنا تجربة نعيشها معًا على صعيد المشاعر. إذ إننا نعلم بأن شيئًا مختلفًا تمامًا يجب أن يَحِلَّ علينا لكي ينشلنا من هذا المستوى البشري البحت.
---------------------------
فكما أن أشعة الشمس تشرق باستمرار على أرضنا، وكما أن البرق يُنزِلُ من السُّحب نورًا ونارًا، هكذا الحال معنا أيضًا، إذ يجب أن يقتحم حياتنا عنصر جديد لا ينشأ عن أنبل مشاعرنا ولا عن أقدس الأشياء في داخلنا. بل يجب أن يأتي إلينا من خارج نطاقنا البشري. فلابد أن يكون شيئًا يغمرنا بفضله، وشيئًا لا يمكننا نحن البشر أن نمنحه بعضنا إلى بعض. وشهادتنا هي أن هذه القوة السماوية التي تأتينا من خارج نفوسنا ونسمح لها طوعيًّا بأن تستولي على حياتنا، تجعلنا مدركين لحصول الوحدة فيما بيننا، وتنعم علينا بانسجام كامل في الفكر والإرادة والمشاعر. (أفسس 3: 14–19)
---------------------------
قد يسأل أحدٌ: كيف تعمل كنيسة العالم السماوي في حياة الناس هنا على هذه الأرض؟ فلا توجد سوى إجابة واحدة يمكن أن يُقدِّمها الإيمان المسيحي، وهي أن كنيسة يسوع المسيح تنزل إلى الأرض بواسطة الروح القدس؛ إذ يعمل الروح القدس في كنيسة المسيح باستمرار بالطريقة نفسها التي عمل بها في أورشليم، عندما أُفِيضَ الروح القدس أول مرة على جميع البشر الذين كانوا هناك. فأينما تنزل الكنيسة بواقعية الروح القدس، يكون لحياتها المُقدَّسة تأثير اجتماعي لا يختلف عما حدث في عيد يوم الخمسين في أورشليم، عند انبثاق الكنيسة الرسولية الأولى بحياتها المشتركة.
---------------------------
الروح القدس يُجمِّع الناس
إنَّ الله، الذي خلق كل شيء، وبدونه لم يوجد أيُّ شيء، أرسل الروح القدس إلى جميع الناس في كل إنحاء الأرض. ويريد هذا الروح تجميع الناس كلهم، وتوحيدهم. وقد وُضِع يسوع المسيح في هذا العالم بواسطة هذا الروح، ليعيش بين الناس؛ وقد شهد يسوع بدوره للقوة الجامِعة للروح القدس، قائلاً:
كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا. (متى 23: 37)
ولكن يسوع المسيح أُخِذ من بين الذين لم يريدوا أن يُجَمِّعهم هذا الروح. وقد قُتِل يسوع المسيح بواسطة الروح التي تُفَرِّق، أيْ بواسطة القوة التي تُقَسِّم. فقد قال يسوع:
مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ. (متى 12: 30)
ومع ذلك، عاد يسوع المسيح، ذاك الحيُّ، إلى خاصَّته، أيْ إلى جماعة تلاميذه، قائلاً لهم:
«كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا.» وَلَمَّا قَالَ هَذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: «اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ.» (يوحنا 20: 21–22)
وقال المسيح أيضًا:
كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاءِ. (متى 18: 18)
ومنذ تلك اللحظة، شعر جميع الذين استحوذ على قلوبهم الروح القدس بضرورة التجمُّع والوحدة. وبعدما صعد يسوع المسيح إلى السماء، بقي التلاميذ معًا في مدينة أورشليم، وانتظروا الروح القدس بترقُّب مُقدَّس، تحت وطأة الحزن والوحشة للرب يسوع المسيح. وكانت أسابيع طويلة من الانتظار. ولابد أن يتحلَّى الناس بمثل هذا الترقُّب الشديد قبل أن يمكن للوحدة الكاملة أن توهب. فلا تتحقق الوحدة بالتوافق الفكري، أيْ باتحاد أرواح بشرية مستقِلَّة. وإنما تتحقق حصريًّا بحلول الروح القدس علينا واقتحامه لحياتنا، الذي هو ليس روح بشرية.
---------------------------
نسأل الروح القدس أن تشرق علينا كنيسة النور والمحبة من الأعالي، ومن كل قرون الدهر، ومن الأزل، وأن نكون مُتَّحِدين بها اتحادًا كاملاً. ونسأل أن يفيض علينا روح الكنيسة بكل مواهبه وقواته، ليوقد في داخلنا نارًا مُتأجِّجة، لكي نحيا بحماسة في سبيله. ونسأل أن يستعملنا الرب في مكاننا المتواضع هذا ويأخذنا إلى حيث هو يريدنا أن نكون، لا إلى حيث نحن نريد أن نكون. فلا نريد أن نستعد للعمل استعدادًا بشريًّا وبطرق بشرية، بل نشتاق إلى أن يستعملنا الله، الذي بيده تاريخ كل الأكوان، حيثما هو يشاء. ونسأل أن يقودنا الروح القدس بطريقة بحيث تعمل النار التي أوقدها فينا على إنجاز كل أعماله ومهامه الإلَهيَّة التي يُكلِّفنا بها.
---------------------------
أكبر من نطاق الحياة الشخصية
لقد أصبحت التقوى الشخصية الفردية واسعة الانتشار، ولكن للأسف، فإنها تقتصر على ما يمكن تسميته بتجربة دينية سطحية بحتة، التي لا ترضي الله. وقد ظهرت العديد من هذه الحركات الدينية السطحية البحتة في السنوات الأخيرة، المقتصرة على الوعظ وتقديم شهادات الإيمان الشخصية، والتجارب الفردية مع المُخَلِّص يسوع المسيح مع حدوث تغيير طفيف في سلوك الشخص وتقديس محدود للغاية لحياته الشخصية.
ومهما فرحنا باستيقاظ الناس لمحبة يسوع المسيح، وباختبارهم لمغفرة الخطايا بفضل موته على الصليب، يجب أن نعلن بأن محبة المسيح ومعنى موته على الصليب قد أُسيء فهمهما تمامًا إذا كانا مُقتصرَين على اختبار نعمة الخلاص الشخصي على صعيد فردي. وكان من المفروض أن يتنبأ الناس بالتأثير الكارثي للاهوت الحديث من قبل عدة سنوات.[1] ورغم أن ذلك اللاهوت الحديث أرانا أمرًا عظيمًا: إنَّ الله يختلف كُليًّا عن كل حركاتنا المسيحية التي تَنْصَبُّ إمَّا على الخلاص الشخصي وإمَّا على الإصلاح الاجتماعي. غير أن التأكيد على جانب واحد فقط من جانبي مشيئة الله، الذي بدوره سيُبعِد الله الحيَّ كثيرًا جدًا عَنَّا، من شأنه أن يؤثِّر في التقليل من الشعور بمسؤولية الخدمات الاجتماعية الملقاة علينا نحن المسيحيين تجاه الآخرين ولاسيَّما تجاه مجتمع الكنيسة، بل حتى أنه يعمل على إخماد هذا الشعور.
---------------------------
عند التبشير بالأخبار السَّارَّة عن إنسان خاطئ غفر له المسيح وأصبح الآن قادرًا على أن يعيش حياة طاهرة من أجل أن ينتمي إلى المسيح أكثر فأكثر، فإنَّ هذا العمل هو عمل مسيحي حقًا. (كولوسي 1: 28) ويتحدث العهد الجديد عن هذا الأمر، بل في الحقيقة يتحدَّث الكتاب المُقدَّس كله عنه. ولهذا السبب نشكر الله على ظهور حركات مسيحية بصورة متكررة لناس يشتاقون إلى تنقية حياتهم لأجل الله بواسطة مُخَلِّصهم يسوع المسيح. وإنَّ مثل هذه الموجات من التَّجدُّد الروحي تتكرر على الدوام، وهذه نعمة عظيمة. ونشكر الله على أن الكثير مِنَّا قد شهدوا شيئًا من المسيح في حركات مماثلة.
ومع ذلك، فمن الضروري الانتباه جيدًا إلى أن نهج التبشير المقتصر على الصعيد الفردي لا يجلب الإشباع الروحي على المدى البعيد. فالمسيحية التي لا تُركِّز إلاَّ على روح الفرد واختبارها الفردي لا يمكنها أن تدوم طويلاً.
---------------------------
لا يتوقف وحي الروح القدس عند أيِّ حدٍّ، ولا حتى عند الحدود التي تفصل الأمور الروحية عن المادِّيَّة. إذ إنَّ الروح القدس روح مُبدع خلاَّق. فهو يسعى لأن يجد سبيلاً مباشرًا من قلب الله إلى العالم المادِّي. ونؤمن بأن مشيئة الروح القدس هي إقامة حياة مشتركة حقيقية في الأمور المادِّيَّة تحديدًا، بما في ذلك عمل الإنسان مع عناصر الطبيعة والخليقة الملموسة. ونؤمن بأن الوحدة التي مصدرها الروح القدس موجودة أيضًا في ما يُسمَّى بالجوانب الخارجية للحياة، بذات القدر لوجود الوحدة في الإيمان في نفوسنا وقلوبنا وأفكارنا. إذ يحثنا الإيمان المسيحي على القيام بأعمال المحبة. وبعبارة أخرى، يريد الإيمان المسيحي استخدام المحبة لتحويل المادة لكي تتلاءم مع ملكوت الله وعدله. ويجب على الوحدة التي بيننا أن تمتد وتنبسط لتشمل أمور الحياة اليومية. وكلما سمحنا أكثر للروح القدس بأن يُلهِمنا ويُسيِّرنا، تمكَّنا أكثر من التغلُّب على مشاكلنا العملية.
---------------------------
إنَّ توقيرنا للواقع الذي ينعم به الروح القدس علينا يجب أن يصبح عظيمًا جدًا لدرجة أن همومنا الشخصية التافهة، بما في ذلك أحوالنا الصحية واحتياجاتنا النفسية، تتبدد وكأنها في لهب عظيم.
وعندما تأتي الساعة العظيمة، فهل سيكون هناك جيل صالح مؤهل ليجتازها؟ فبالنسبة إلى البشر، فليس هناك سوى أمر واحد جدير بعظمة ملكوت الله، ألا وهو: الاستعداد للاستشهاد. لكن ما لم نثبت استعدادنا للاستشهاد والعمل بوصايا الرب على صعيد يومي في الأمور الصغيرة لحياتنا اليومية، فلن نتمكن من استجماع الشجاعة في تلك الساعة الحاسمة للتاريخ. ويلزمنا في حياتنا المسيحية المشتركة أن نتغلب كُليًّا على جميع ما لدينا من مواقف ومشاعر تافهة وغير مُهِمَّة، وأن نتخلَّى عن جميع طرقنا وردود فعلنا الشخصية مع الأمور، كالخوف والقلق وعدم اليقين الروحي — أيْ باختصار أن نتخلَّى عن قِلَّة إيماننا. غير أن ما نحتاجه عوضًا عن ذلك هو الإيمان، إيمان صغير كبذرة صغيرة، الذي لديه القدرة نفسها على النمو كما للبذرة الصغيرة، فقال الرب يسوع:
لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ، لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهَذِهِ الْجُمَّيْزَةِ: انْقَلِعِي وَانْغَرِسِي فِي الْبَحْرِ فَتُطِيعُكُمْ. (لوقا 17: 6)
فهذا ما نحتاجه، لا أكثر ولا أقل.
ويعمل هذا الإيمان المسيحي عملاً دؤوبًا في وسط مجامعنا بفضل المسيح وروحه القدوس. وقد شعرنا به، ولكننا لم نَحْيَ كما يليق وفقًا له. فلو اضطر الروح القدس إلى الانسحاب من عندنا لأننا أحزَنَّاه وطردناه، ولم نكُنْ له التوقير بل قَلَّلْنا من شأنه، مُفضِّلين شؤوننا الخاصة عليه، فلا يسعنا عندئذ سوى أن نرفع هذا الدعاء: «أيها الرب الإلَه، اِنزِلْ بنا عقابك وتأديبك، ولا تُوسِعنا رحمتك الواسعة!» أمَّا هذا التأديب الرحيم أو هذه الرحمة التي توافينا في صيغة التأديب وإدانة خطايانا، فستُحرِّرنا بعدئذ من سطوة أنفسنا الضعيفة وتُهيِّئُنا أخيرًا لدعوتنا الإلَهيَّة، جاعِلة مِنَّا أداة طيِّعة يستعملها الله.
---------------------------
إذا عشنا بحسب طبيعتنا القديمة، لَمَا أمكننا القيام بأيِّ أمر صالح، حتى لو استندنا على الكتاب المُقدَّس في ذلك الأمر.[2] لكن في الخليقة الجديدة، في المسيح، في روحه القدوس، أيْ حيثما يوجد روحه القدوس من دون تشويه أو سُخرية، تنشأ هناك حياة مسيحية مشتركة راسخة بين الناس. فمَن استطاع أن يفهم فليفهم! فالحقيقة الموجودة في الكتاب المُقدَّس ليست حقيقة فكرية أو منطقية. فإنها تتجاوز نطاق المنطق. ولا توهب إلاَّ للمؤمنين المسيحيين.
وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ، الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضًا، لاَ بِأَقْوَالٍ تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ، قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ. (1 كورنثوس 2: 12–13)
لذلك، فإننا نتواجه مع أسئلة عملية للغاية: أنؤمن بأن الروح القدس سيُفِيضه الله على الكنيسة أكثر فأكثر؟ أنؤمن بأن يسوع المسيح يأتي إلى وسط حياتنا، وبأنه يفتح قلبه الأقدس لنا، لَعَلَّنا نعيش كما هو عاش، ونؤثِّر في مجتمعات البلاد مثله؟ أنجرؤ على القيام بمُهِمَّة تمثيل كنيسة المسيح في ملكوته الآتي، لنكون مُصلِحين ضمن مجتمعات البلاد بفضل نعمة المسيح الساكن فينا؟ أنجرؤ على أن نحيا حياة المحبة في وسط العالم، والتَّخلِّي عن كل امتيازات الحياة، وحتى حقنا في التَّملُّك، واسترخاص حياتنا؟ أنحن مستعدون لاِتِّباع يسوع المسيح من دون حماية دنيوية؟
---------------------------
[1] في إشارة إلى علم اللاهوت الجدلي Dialectical Theology.
[2] في إشارة إلى طبيعتنا الخاطئة وسلوكنا بحسب الجسد قبل إيماننا بالمسيح وإصلاح حياتنا.