The Legend of the Grand Inquisitor

قصة المفتش الكبير

من روائع كتابات دوستويفسكي

بقلم فيودور دوستويفسكي Fyodor Dostoyevsky

April 30, 2021

اللغات المتوفرة: English

0 تعليقات
0 تعليقات
0 تعليقات
    أرسل

ربما تُمثِّل هذه «القصيدة النثرية» من رواية الإخوة كارامازوف ذروة شهادة الإيمان المسيحي لدى دوستويفسكي. ويرويها إيفان كارامازوف لشقيقه آليوشا. وإيفان هو إحدى شخصيَّات الرواية الذي يرفض الاعتراف بالله رغم أنه يعترف بوجوده.

«أقبَلَ الربُّ بهدوء، دون أن يلاحظه أحد، غير أن الغريب في الأمر أن جميع الناس عرفوه رغم ذلك. وينجذب إليه الناس بقوة لا تُقاوَم، ويحيطون به، ويحتشدون حوله، ويتبعونه. أمَّا هو فيتحرَّك فيما بينهم صامتا بابتسامة لطيفة فيها رأفة لا نهاية لها. وتلتهب شمس المحبة في قلبه؛ ويشع من عينيه النور والسُّلطان؛ وإنَّ إشراقات عينيه المشرقة على الناس، تُحرِّك قلوبهم بمحبة متجاوِبة. وهو يمدُّ ذراعيه نحوهم ليباركهم، وتخرج منه قوة شافية بملامسته، حتى بملامسة هدب ثوبه. وإذا بشخص كبير السِّنِّ من بين الجموع، أعمى منذ طفولته، يصيح أشدَّ الصياح قائلا: ‹يا ربُّ، أَشْفِني لأبصر فأراك!› فما هي إلاَّ لحظة حتى يتساقط من عينيه شيء كأنه قشور، فإذا هو يرى الربَّ. أمَّا الناس فيبكون تأثُّرا، ويُغرِقون بالقبلات الأرض التي مشت عليها قدما الربِّ. وينثر الأطفال الأزهار أمامه منشدين وهاتفين هوشعنا. ويردد الجميع هذا القول: ‹إنه هو — إنه هو! لابد وأنه هو، فلا يمكن إلاَّ أن يكون هو!› ويقف الربُّ عند دَرَج كاتدرائية مدينة إشبيلية الإسبانية في اللحظة التي يُدخِلون المُعَزُّون تابوتا صغيرا مفتوحا أبيض. ويرقد فيه جثمان بُنَيَّة في السابعة من عمرها، وهي البنت الوحيدة لرجل من أعيان سكان المدينة. وتستلقي البُنَيَّة الميتة وهي مغطاة بالزهور. وصاحت الجموع للأم المحزونة: ‹سيقيم الربُّ بنتك.› ويتقدَّم كاهن الكنيسة نحو التابوت، وتظهر عليه علامات الحيرة والعبوسة، غير أن أم البُنَيَّة الميتة ترمي نفسها على قدمي الربِّ نائحة. وتصرخ وهي تمدُّ إليه ذراعيها قائلة: ‹لو كنتَ أنتَ هو حقا، فَأَحيِ بنتي!› ويتوقف الموكب، ويوضع التابوت على الأرض عند قدمي الربِّ. فيلقي الربُّ على جثمان البُنَيَّة نظرة تفيض بالعطف، وتتحرَّك شفتاه في رفق وتقولان مرة أخرى: ‹طَليثا قومي!› فتقوم الصبيَّة. وتجلس البُنَيَّة الصغيرة في التابوت، وتنظر حولها، وتبتسم بعينين مُحُملقتين تملؤهما الدهشة، وماسكة باقة ورود بيضاء كانت موضوعة في يدها.

«وهناك بكاء وتنهُّد واضطراب في صفوف الناس، ويمُرُّ في تلك اللحظة نفسها من جانب الكاتدرائية الكاردينال شخصيًّا، وهو كبير المفتشين.1 وهو رجل عجوز في التسعين من عمره، طويل القامة ومنتصب الجسم، معروق الوجه، غائر العينين، اللتين لا يزالان فيهما بصيص من النور. وهو لا يرتدي الآن ثوب الكاردينالية الأرجواني الجميل الذي ظهر به للشعب يوم أمس، حين كان يرمي إلى النيران أعداء الكنيسة الرومانية الكاثوليكية — وإنما هو يلبس في هذه المرة ثوبا عتيقا للرهبان، المصنوع من الصوف الخشن. ويتبعه على مسافة منه معاونوه العابسون وخدمه وَ ‹الحرس المقدس.› ويتوقف الكاردينال عند مشهد الجموع ويراقبها عن بُعْد. فيرى كل شيء؛ يراهم يضعون التابوت عند قدمي الربِّ، ويرى الطفلة تقوم، فيُظْلِمُ وجهه ويكفهِرُّ. فيقطب حاجبيه الكثيفين الأبيضين، وتقدح عيناه نارا مُهدِّدة. فيشير إلى الربِّ بسبابته آمرًا الحرس بأن يعتقلوه. فإلى هذه الدرجة سطوة وقوة الكاردينال بحيث يستطيع بالترهيب أن.

يُخضِع الشعب لإرادته خضوعا تاما ويطيعونه بارتعاد، وسرعان ما تفسح الجموع الطريق لمرور الحرس، فإذا بالحرس، وفي وسط الصمت الشبيه بالموت، يبسطون أيديهم عليه ويقتادونه. فتسجد الجموع على الفور أمام المفتش الكبير العجوز الذي يبارك الناس صامتا وينصرف. أمَّا الحرس فيأخذون سجينهم إلى زنزانة ضيقة وكئيبة ومُقَبَّبة في القصر العريق في القِدَم لمحكمة التفتيش المقدسة ليُحبَس فيها. وينقضي النهار، ويهبط الليل. وهي ليلة من ليالي إشبيلية الثقيلة الحالكة الخانقة الحارة. أمَّا الهواء فهو مُعَطَّر بعبق أشجار الرَّنْد والليمون. وفي الظلمات، ينفتح الباب الحديدي فجأة، ويدخل المفتش الكبير بنفسه حاملا بيده سِراجًا. ويأتي لوحده؛ ويغلق الباب وراه على الفور. فيقف على عتبة الزنزانة، ويحدِّق في وجه الربِّ لدقيقة أو دقيقتين. وأخيرا يبدأ بالتقدُّم إليه ببطء، ويضع السِّراج على المنضدة، ويأخُذ بالتكلُّم:

«‹أهذا أنتَ؟ أنتَ بنفسكَ؟› وعندما لا يتلقَّى جوابا، يسرع مضيفا: ‹لا تُجِبْ، واسكُتْ. وما عساك أن تقوله على كل حال؟ فأنا أعلم جيدا بكل ما تريد قوله. ولا يحقُّ لك إضافة أيِّ شيء إلى ما سبق أن قلتَ في الماضي. فلماذا إذن تأتي اليوم لعرقلتنا؟ فإنك أتيتَ لعرقلتنا، وأنت تعلم ذلك. ولكن أتعلم ما الذي سيحصل غدا؟ فإني لا أعرف مَنْ أنتَ تكون، ولا أريد أن أعرف فيما إذا كنتَ أنتَ هو حقا، أو مجرد طَيْفِه، غير أني سأحكم عليك غدا بالإعدام، وسأحرقك على الخشبة مثلما يُحرَق أسوأ الهراطقة. وسيهرع غدا الناس نفسهم الذين كانوا يُقَبِّلون قدميك اليوم، وبإشارة بسيطة مني، ليزيدوا من ركام الجمر للنار التي ستحرقك. أتعلم ذلك؟› وأردف الكاردينال كلامه وهو مستغرق في تفكيره، دون أن يحوَّل بصره عن سجينه لحظة واحدة مطلقا: ‹نعم، ربما أنتَ تعلم بذلك.›»

أمَّا آليوشا الذي كان يصغي بصمت إلى أخيه إيفان فقال مبتسما: «لستُ أفهم جيدا يا إيفان. ماذا يعني ذلك؟ أهذا مجرد خيال جامح، أم خطأ من جانب الرجل العجوز — شيء من التشويش الفكري غير المعقول؟»

أجابه إيفان ضاحكا: «خُذِ الحالة الثانية التي ذكرتَها، ولِنُسَلِّم بأن هناك خطأ ما، ما دام مذهب الواقعية المعاصر قد أثَّر عليكَ كثيرا أنتَ أيضا، بحيث لا تقبل أيَّ شيء عجيب. فلو شِئتَ أن يكون هذا حالة من الهوية المغلوطة وتوهُّمه أن الشخص هو المسيح، فليكن كذلك.» ثم أردف إيفان يقول ضاحكا: «هذا صحيح، فكان الرجل العجوز في التسعين من عمره، ومن الجائز أن يكون مُتحمِّسا لأفكاره الشخصية الثابتة. ولَعَلَّ منظر السجين قد أدهشه. ولَعَلَّ هذا كله، في الحقيقة، لم يكن سوى هذيان رجل عجوز، ومأخوذ بمشاعر إثارة مفرطة من جراء حرق المئة هرطوقي في اليوم السابق. ولكن، أيفرق معنا الأمر إن كان خطأ في الهوية أم خيالا جامحا؟ فإنَّ أهم ما في الموضوع هو أن الرجل العجوز ينبغي أن يعبِّر علنا، ويتكلَّم بصراحة، عما كان يضمر في تفكيره لمدة تسعين عاما.»

فسأله آليوشا: «والسجين، أهو صامت أيضا؟ أينظر إلى زائره دون أن يفتح فمه بكلمة؟»

فضحك إيفان ثانية قائلا: «إنَّ السجين ليس لديه أيُّ خيار، على أيِّ حال. فقد قال له الرجل العجوز إنه لا يحقُّ له إضافة أيِّ شيء إلى ما سبق أن قال في الماضي. بل إنَّ هذا في رأيي سمة من السمات الأساسية للكاثوليكية الرومانية: ‹أنتَ وهبتَ كل شيء للبابا، لذلك فإنَّ كل شيء لا يزال بيد البابا، فلا داعي لمجيئك الآن على الإطلاق. فيجب على الأقل أن لا تتدخَّل حاليا.› فهكذا يتكلم اليسوعيون وهكذا يكتبون على أيِّ حال. لقد قرأتُ هذا بنفسي في كتاباتهم اللاهوتية.»

فأكمل إيفان كلامه قائلا إنَّ رَجُلَه العجوز سأل سجينه هذا السؤال: «‹هل لك الحقُّ في أن تكشف لنا عن سِرٍّ واحدٍ من أسرار العالم الذي جئتَ منه؟› ولكنه أجاب السؤال نيابة عنه: ‹لا، ليس لك الحقُّ في ذلك؛ لذلك لا يحقُّ لك إضافة أيِّ شيء إلى ما سبق أن قلتَ في الماضي، ولا يحقُّ لك أخذ الحرية من الناس، تلك الحرية التي كنتَ تُثمِّنها تثمينا عظيما حين عشتَ على الأرض. فكل ما تريد كشفه من جديد سيتطاول على حقِّ حرية اختيار المعتقد لدى الناس؛ لأنه سيبدو كمعجزة، وقد رأيتَ أن ضمان حرية المعتقد أمر أساسي وأغلى ما كان عندك في تلك الأيام، قبل خمسة عشر قرنا. ألم تقُلْ في أكثر الأحيان: «سأحرركم»؟ وفجأة، يضيف العجوز، وهو يبتسم ويسرح بأفكاره بعيدا، قائلا: ‹ولكنك رأيتَ الآن هؤلاء الناس «الأحرار.»› ‹نعم، لقد دفعنا ثمنا غاليا،› ويتابع العجوز قوله وهو يلقي عليه نظرة صارمة: ‹ولكننا أكملنا عملنا أخيرا باسمك. فقد صارعنا خلال خمسة عشر قرنا الحرية التي أعطيتنا إياها، ولكن الأمر انتهى الآن، انتهى وإلى الأبد! ألا تظن أنه انتهى إلى الأبد؟ إنك تنظر إليَّ بوداعة، حتى إنك لا تتنازل وتثور عليَّ. ولكن دعني أخبرك أن الناس الآن وفي هذا اليوم أشدُّ اقتناعا بحريتهم الكاملة بشكل غير مسبوق، ومع ذلك، جاءوا بحريتهم إلينا [نحن الذين قبلنا بالتجارب الثلاثة] ووضعوها بكل تواضع عند أقدامنا. غير أن الفضل في ذلك يعود لعملنا. أصنعته أنتَ؟ أكانت هذه الحرية حريتك التي ناديتَ أنتَ بها؟ ...

«ويتابع الرجل العجوز كلامه: ‹لقد تحدَّث إليكَ في البَريَّة الروح الحكيم والرهيب، روح التدمير الذاتي واللاوجود، ذلك الروح العظيم، وتروي لنا الكتب المقدسة أنه «جرَّبك.» أليس كذلك؟ وهل يمكن أن يكون هناك كلام أصدق مما كشفه لك في أسئلة ثلاثة، الذي رفضته أنتَ، وسمَّته الكتب المقدسة «تجارب»؟ ومع ذلك، لو كانت هناك معجزة حقيقة وهائلة على هذه الأرض في يوم من الأيام، فإنها حصلت في ذلك اليوم، في يوم التجارب الثلاث. ثم إنَّ رسالة تلك الأسئلة الثلاثة هي معجزة بحد ذاتها. ولو كان ممكنا أن نتخيَّل، لمجرد الافتراض الجدلي، أن تلك الأسئلة الثلاثة للروح الرهيب قد مُحِيَتْ بالكامل من الكتب المقدسة، ومن ثم تحتَّم علينا استعادتها وابتداعها من جديد، ولأجل القيام بهذا العمل، قُمنا بتجميع جميع حكماء الأرض — الحكام ورؤساء الكهنة والعلماء والفلاسفة والشعراء — وأوكلنا لهم مهمة ابتداع ثلاثة أسئلة بحيث لا تكون على مستوى الحدث فحسب، بل تعبِّر بثلاث كلمات، وبثلاث عبارات بشرية، عن التاريخ المستقبلي كله للعالم والبشرية — فهل تظن أن كل حكمة الأرض المجتمعة في هؤلاء الناس تستطيع أن تبتدع شيئا بعمق وقوة الأسئلة الثلاثة التي كانت في الحقيقة موجهة إليك آنذاك في البريَّة من قِبَل الروح الحكيم والجبار؟ فيمكننا أن نرى من خلال تلك الأسئلة الثلاثة لوحدها، ومن معجزة رسالتها، بأن الأمر لم يكن ذكاء بشريا زائلا، بل فكرا مطلقا وأبديا. لأنه بتلك الأسئلة الثلاثة، جرى التنبؤ بكل التاريخ البشري المُقبل، وكأنَّه اجتمع كله في كيان واحد، وتوحَّدت فيها جميع التناقضات التاريخية المستعصية للطبيعة البشرية. وإنَّ تلك الحقائق لم تكن واضحة جدا في ذلك الوقت، لأن المستقبل كان مجهولا؛ أمَّا الآن، بعد مرور خمسة عشر قرنا، فإننا نرى أن كل شيء في تلك الأسئلة الثلاثة، كان إلَهِيًّا حقا وذا نبوءة صحيحة، وتمَّ بالتمام فعلا، لدرجة أننا لا يمكننا إضافة أيِّ شيء إليها أو حذف أيِّ شيء منها.

«‹فاحكُمْ في الأمر بنفسك، مَنْ هو صاحب الحقِّ: أكنتَ أنتَ على حقٍّ أم سائلكَ؟ وتذكَّرِ السؤال الأول من تلك الأسئلة الثلاثة، لا نصُّه بل معناه العام، فكان كالآتي: «أنتَ تريد أن تذهب إلى العالم خالي اليدين، وحاملا بعض الوعود عن الحرية التي لا يستطيع الناس بحكم ما فطروا عليه من بساطة وجهل أن يفهموها، بل إنهم يخشونها ويخافون منها — لأنه لم يسبق أن كان هناك أمر لا يطيقه الإنسان والمجتمع البشري أكثر من الحرية. ولكن، أترى هذه الحجارة في هذه البَريَّة القاحلة الجرداء؟ حَوِّلْها إلى خبز، فتهرع إليك البشرية كقطيع غنم، وتصبح شاكرة لك ومطيعة إياك، ولكنها ستظل ترتعش خشية أن تسحب يديك منها، وتُحرمها من خبزك.» غير أنك لم تشأ أن تحرم الإنسان من الحرية، فرفضتَ العرض قائلا لنفسك: «ما قيمة الحرية لو تُشترى الطاعة بالخبز؟» لقد أجِبتَ بأن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده. ولكن، أتعلم أن روح الأرض ستثور عليك من أجل هذا الخبز الأرضي نفسه، وتقاتلك وتغلبك، وأن الجميع سيتبعونه هو صارخين: «مَنْ ذا الذي يُضارِع هذا الوحش؟ فقد وهب لنا نارا من السماء!» أتعلم بأن الزمان سوف يزول، وسوف تعلن البشرية بلسان حكمائها أنه لا وجود للجريمة، وعليه، لا وجود للخطيئة؛ وإنما هناك جوع فقط؟ «أطْعِمِ الناس أولا، ومن ثم طالبهم بالفضيلة!» فهذا ما سيكتبون على اللافتات احتجاجا عليك، وسيهدمون بها هيكلك. وحيث كان هيكلك، سيرتفع مبنى جديد؛ فسيُعاد بناء برج بابل الرهيب، ورغم أن البناء لن يكتمل، كما حصل مع البرج القديم، ولكن كان في وسعك مع ذلك أن توفر على الناس آلام هذه المحاولة الجديدة، وأن تختصر من عذابهم ألف سنة؛ لأن الناس سوف يعودون ببرجهم إلينا نحن، بعد ألف سنة من العذاب. فسوف يبحثون عَنَّا ثانية، ونحن مختبئين تحت الأرض في سراديب الموتى للمدافن تحت الأرضية، لأننا سوف نُضطهَد ونُعذَّب مجددا. وسوف يجدوننا ويصرخون لنا مستغيثين: «أطعِمونا، لأن الذين وعدونا بنار من السماء، لم يعطونا إياه!» حينئذ سوف نكمل بناء برجهم، لأن الذي يطعمهم يكمل البناء. ونحن وحدنا سوف نطعمهم باسمك، معلنين زورا أنه باسمك. وعلى فكرة، إنهم لا يستطيعون أبدًا أبدًا إطعام أنفسهم بدوننا! ولن يُقدِّم إليهم أيُّ نوع من العلوم خبزا ما داموا باقين أحرارا. وفي النهاية، سوف يضعون حريتهم عند أقدامنا قائلين لنا: «اجعلونا عبيدا لكم، ولكن أطعِمونا.» وسوف يدركون هم أنفسهم في النهاية أن الحرية والخبز الكافي للجميع أمران يستحيل تحقيقهما معا، لأنهم لن يكون في وسعهم أبدًا أبدًا مقاسمته بالإنصاف فيما بينهم! وسوف يقتنعون أيضا باستحالة تحرُّرهم، لأنهم ضعفاء، وطالحون، ودنيئون، ومتمردون.

«‹لقد وعدتَهم أنتَ بخبز السماء، ولكنني أسألك مرة أخرى: أيمكن قياس خبز السماء بخبز الأرض في نظر الجنس البشري، الذي هو دائما ضعيف وخاطئ ورذيل؟ وإذا كان ألوف وعشرات الألوف من الناس مستعدة لأن تتبعك من أجل خبز السماء، فما مصير الملايين والمليارات من الكائنات التي لن يكون لديها القوة للتخلِّي عن خبز الأرض من أجل خبز السماء؟ أم أنك تهتم فقط بعشرات الآلاف من العظماء والأقوياء، بينما يجب على الملايين الضعفاء بعدد رمال البحر، الذين يحِبُّونك، أن لا يتواجدوا إلاَّ ليكونوا مادة مُسَخَّرة للعظماء والأقوياء؟ لا، نحن نهتم بالضعفاء أيضا. فإنهم خطأة ومتمردون، ولكنهم سوف يصبحون هم أيضا مطيعين في آخر الأمر. وسوف يُعجبون بنا وينظرون إلينا كآلِهَة، لأننا على استعداد لأن نحمل عنهم عبء الحرية وأن نسيطر عليهم — فإلى هذا الحدِّ سوف تكون هذه الحرية قد أصبحت كريهة في نظرهم!

«‹ولكننا سوف نخبرهم بأننا خدامك أنتَ، ونحكمهم باسمك. فسوف نخدعهم مجددا، لأننا لن ندعك تقترب مِنَّا مرة أخرى. وسوف يكون هذا الخداع معاناتنا، لأننا سوف نضطر إلى الكذب. وهذا هو مغزى السؤال الأول المطروح عليك في البَريَّة، وهو الذي رفضتَه في سبيل الحرية التي جعلتها أسمى من كل شيء. ولكن يكمن في هذا السؤال السِرُّ الخفي العظيم لهذا العالم. فلو اخترتَ «الخبز،» كان في استطاعتك تحقيق مشتهى البشرية الدائم على الصعيد العالمي — إذ إنَّ البشرية تشتهي أن تجد أحدا ما لتعبده. فما دام الإنسان يظلُّ حُرًّا، فإنَّ أكثر ما يسعى إليه سعيا متواصلا ومليئا بالعذاب هو أن يجد أحدًا ليعبده. غير أن الإنسان يسعى إلى عبادة ما هو معترف به ولا خلاف عليه، بحيث يتفق جميع الناس فورا على عبادته. فليس اهتمام هذه المخلوقات البائسة إيجاد شيء يَسجِدُ له هذا أو ذاك فحسب، بل إيجاد شيء يتوق جميع الناس إلى الإيمان به وعبادته؛ والنقطة الرئيسية في الموضوع هي أن يتسنى للجميع أن يكونوا معا في هذه العبادة. فإنَّ هذا المشتهى إلى مجتمع العبادة المشتركة هو البؤس الرئيسي لكل إنسان كفرد بل للبشرية جمعاء منذ بداية الزمان. لأنه من أجل العبادة المشتركة قام الناس بقتل بعضهم بعضا بالسيف. فكانت الشعوب تصنع آلِهَة ثم تتشاتم: «اتركوا آلهتكم وتعالوا اعبدوا آلهتنا. وإلاَّ قتلناكم أنتم وآلهتكم!» وسوف يبقى الحال على هذا المنوال إلى نهاية العالم، حتى بعد زوال الآلِهَة، فإنهم سوف يسجدون للأوثان بالطريقة نفسها. وأنتَ كنتَ تَعلَم بهذا السِرِّ الأساسي للطبيعة البشرية، فإنك لا تجهل هذه الأسباب الوجيهة، ولكنك رفضت الراية المعصومة التي عُرِضَت عليك، القادرة على ضمان سجود جميع البشر لك وحدك — أعني راية الخبز الأرضي؛ وأنتَ رفضتَ هذه الراية من أجل الحرية والخبز السماوي. فانظر فيما صنعت بعد ذلك. ومرة ثانية، كل ذلك باسم الحرية! وأؤكد لك أنه لا يوجد عذاب يكابده الإنسان أعظم من عذاب قيام الإنسان شخصيًّا بمحاولات سريعة لإيجاد شخص يمكنه أن يسلِّمه عطيَّة الحرية والتخلُّص منها، تلك العطيَّة التي يولد بها هذا المخلوق المنحوس. غير أن الذي يتمكن من تهدئة ضمائرهم هو وحده القادر على أن يتولَّى أمر حريتهم. فقد جرى تقديم راية لا تُقهر بواسطة الخبز؛ فأعطِ الخبز وسيعبدك الإنسان، فلا يوجد أضمن من الخبز. ولكن إذا استولى غيرك على ضمير الإنسان — عندئذ سيرمي خبزك على الفور ويتبع ذلك الذي أوقع ضميره في شباكه. فقد كنتَ مُحِقًّا في تلك النقطة. فإنَّ سِرَّ الوجود الإنساني لا ليعيش الإنسان فحسب، بل ليكون له هدف ليحيا من أجله. فما لم يكن للإنسان تصوُّر واضح عن هدف الحياة، لا يرضى بالاستمرار في أن يعيش الحياة، ويُفَضِّل تدمير نفسه على البقاء على الأرض، حتى لو كان لديه وافر من الخبز. فهذا صحيح. ولكن ما الذي حدث؟ حدث أنك بدلا من أن تأخذ حرية الناس منهم، عَظَّمتَ شأن الحرية بشكل غير مسبوق! أنسيتَ أن السلام بل حتى الموت أغلى شيء عند الإنسان من حرية الاختيار بين معرفة الخير والشرِّ؟ فلا شيء مُضلِّل للإنسان أكثر من حرية الضمير، ولكن لا شيء يعذب الإنسان أكثر مما تعذبه هذه الحرية. ثم اسمع هذا، فإنك بدلا من إعطاء أساس متين لإراحة ضمير الإنسان إراحة أبدية، عرضتَ عليه كل ما هو غير عادي وغامض ومُحيِّر؛ لقد اخترتَ ما يتجاوز طاقة البشر، مُتَصَرِّفًا كما لو أنك لم تحب البشر على الإطلاق — أنتَ الذي جئتَ لتبذل حياتك من أجلهم! فإنك بدلا من الاستيلاء على حرية الناس، قُمتَ بزيادة هذا العبء، وثقَّلت بذلك على الملكوت الروحي لبني البشر بالآلام التي تُوَلِّدها هذه الحرية إلى الأبد. لقد ابتغيتَ أن يحبك الإنسان بحرية وأن يتبعك بإرادته، مفتون ومأخوذ بشخصك. وبدلا من الشريعة القديمة المتزمتة، صار على الإنسان أن يقرر بنفسه وبقلب حرٍّ ما هو خيِّرٌ وما هو شريرٌ، واضعا نصب عينيه شخصيتك كمرشد له. ولكن، ألم تعلم بأن الإنسان سوف ينبذ في النهاية حتى شخصيتك والحقيقة التي تنادي بها، لو أثقل كاهله العبء المخيف لحرية الاختيار؟ فسوف يصرخ الناس في النهاية أن الحقيقة لم تكن فيك، لأنه يستحيل وجود حالة من الاضطراب والمعاناة أسوأ من التي سببتها أنتَ لهم، حينما حَمَّلْتَهم الكثير من الهموم والمشاكل المستعصية.

«‹وبهذا، فإنك أنت بنفسك قد وضعت، في الواقع، الأسباب اللازمة لتهديم ملكوتك، وليس هناك من هو المسؤول عن ذلك غيرك. ولكن، ما الذي عُرِض عليك؟ هناك ثلاث قوى، ثلاث قوى فقط، قادرة على التغلب على ضمائر هؤلاء المتمردين الضعفاء وتأسرها إلى الأبد في سبيل سعادتهم — ألا وهي المعجزة، والسِرُّ، والسُّلطة. أمَّا أنتَ فقد رفضت كل هذه القوى الثلاثة، وأعطيت الناس مثلاً ليقتدوا به على منوالك. فحين أخذك الروح الحكيم والرهيب إلى حافة سطح الهيكل، وقال لك: «إنْ كنتَ ابن الله فألقِ بنفسك إلى الأسفل، لأن الكتاب يقول: يوصي ملائكته بك، فيحملونك على أيديهم لئلا تصدم رجلك بحجر، وعندئذ ستعلم فيما إذا كنتَ ابن الله، وعليه ستبرهن على عظمة إيمانك بأبيك السماوي.» ولكنك رفضتَ هذا العرض، ولم تُلقِ بنفسك إلى الأسفل. نعم، طبعا! لقد تصرَّفتَ بكل فخر وبشكل حسن، مثل الله؛ ولكن ماذا عن بني البشر، الضعيف والصعب المراس؟ أتراهم هم أيضا آلِهَة؟ نعم صحيح! لقد عَلِمتَ في تلك اللحظة، أنك إذا خطوت خطوة واحدة، وإذا قُمتَ بحركة واحدة لإلقاء نفسك إلى الأسفل، كانت ستعني أنك تجرِّب الله، وتفقد إيمانك كله به، وكنتَ ستتحوَّل إلى أشلاء على الأرض التي جئتَ لتُخَلِّصها. وكان الروح الحكيم الذي جرَّبك سيبتهج بذلك.

«‹ولكنني أعود فأسألك: أيوجد الكثير من أمثالك؟ أظننتَ ولو للحظة واحدة أن البشر أيضا في وسعهم مواجهة مثل هذه التجربة؟ أمخلوقة طبيعة البشر بأسلوب بحيث تجعلهم يرفضون المعجزات، والوثوق فقط بالقرار الحرِّ الذي يتخذه القلب في اللحظات العصيبة من الحياة، أمام أعمق وأكثر الصعوبات الروحية عذابا؟ نعم! كنتَ تعلم أن موقفك البطولي هذا سيُدَوَّن في الكتب المقدسة وسيورَّث إلى آخر العصور وإلى جميع أقاصي الأرض، وكنتَ تأمل أن الإنسان الذي يتبعك، سيلزم الله ولن يسأله أيَّ معجزة. ولكنك لم تعلم بأنه عندما يرفض الإنسان المعجزات، فإنه يرفض الله أيضا؛ لأن الإنسان لا يبحث عن الله كثيرا بقدر بحثه عن المعجزات. ولَمَّا كان الإنسان لا يستطيع أن يعيش دون معجزات، فسيخلق معجزات له خاصة به، وسيعبد أعمال السحر والشعوذة، حتى لو كان مُتمرِّدًا وهرطوقيًّا وملحدًا بمئات المرات. ثم إنك لم تنزل عن الصليب حين صاح بك الناس وأخذوا يعيِّرونك ويشتمونك: «اِنزلْ عن الصليب فنؤمن أنك ابن الله.» فلم تنزل عن الصليب، لأنك لم تشأ هنا مرة أخرى أن تستعبد البشر بمعجزة، بل كنتَ تتوق إلى إيمان حُرٍّ، غير قائم على معجزة. وكنتَ تتوق إلى محبة يقدِّمونها إليك بكامل الحرية، لا إلى فرحٍ ذليلٍ لعبد ماثل أمام جبروت يجعله يتخشَّع له إلى الأبد. غير أنك أسرفت في تقدير البشر في هذه المسألة، لأنهم بطبيعة الحال عبيد، رغم أنهم مفطورون على التَّمرُّد. فانظر فيما حولك واحكم بنفسك: لقد مَرَّ خمسة عشر قرنا؛ فألقِ نظرة عليها. فمَنْ رفعته إليك؟ أُقسِم لك أن الإنسان بطبيعته أكثر ضعفا ودناءة مما ظننتَ! أيستطيع هذا الإنسان، أيستطيع أن يحقق ما حققته أنتَ؟ فإنك حين احترمته ذلك الاحترام الكبير، فكأنك قد أحجمتَ عن التعاطف معه، لأنك طلبت منه ما هو أكثر من طاقته — أنت الذي أحببته أكثر من نفسك! أمَّا إذا احترمته أقلَّ فستطلب منه أقلَّ. وسيكون موقفك هذا أقرب إلى المحبة، لأن العبء عليه سيكون أخفَّ. فالإنسان ضعيف وفاسد. فما المشكلة في أنه يتمرد على نفوذنا الآن في كل مكان، وهو فخور بتمرده هذا؟ إنه غرور الطفل وتلميذ المدرسة. فإنَّ البشر أطفال صغار يقومون بأعمال شغب في المدرسة ويطردون المعلم إلى خارج باب غرفة الصف ويمنعونه من دخول المدرسة.

«‹غير أن بهجتهم الصبيانية ستنتهي؛ وستكلِّفهم غاليا. فسيهدمون المعابد، ويغمرون الأرض بالدماء. إلاَّ أن هؤلاء الأولاد الأغبياء سيدركون في النهاية أنهم، رغم كونهم متمردين، إلاَّ أنهم متمردون عاجزون، وغير قادرين على مواصلة تمردهم. وسيدركون أخيرا، وعيونهم مُغرَورقة بالدموع الحمقاء، أن الذي خلقهم متمرِّدين كان حتما يقصد السخرية منهم. وسيقولون هذا في حالة من اليأس، وسيكون كلامهم تجديفا، الأمر الذي سيجعلهم أكثر بؤسا، لأن الطبيعة الإنسانية لا تحتمل سماع التجديف، ولابد أن تثأر لنفسها منه آخر الأمر. وتكون النتيجة قلقا عارما، واضطرابا شديدا، وتعاسة حقيقية — ذلك هو المصير الذي كُتِب على البشر الآن، بعد أن تحمَّلتَ أنتَ الكثير جدا لأجل حريتهم!

«‹يروي نبيُّك الكبير بفضل الرؤية والمشاهد التي رآها، أنه شاهد جميع المشتركين في القيامة الأولى، وأنه كان هناك اثنا عشر ألفًا من كل سبط. ولكنهم إذا كانوا بكل هذا العدد الكبير، فلابد أنهم كانوا آلِهَة وليسوا بشرا. فقد حملوا صليبك، وتحمَّلوا عشرات السنين في البَريَّة الجرداء القاحلة، مُقتاتين بالجراد وجذور النباتات — ويمكنك بالفعل أن تشير بفخر إلى أولئك، أولاد الحرية، والمحبة الموهوبة طواعية، والتضحية الحُرَّة والأخَّاذة من أجل اسمك. ولكن تذكَّرْ أنهم كانوا بضعة آلاف فقط — وماذا عن البقية؟ فكيف يجري إلقاء اللوم على الآخرين الضعفاء وجعلهم مذنبين لأنهم لم يتمكنوا من تحمُّل ما تحمَّله الأقوياء؟ فكيف يُلْقَى باللوم على النفوس الضعيفة غير القادرة على استلام مثل هذه المواهب الرهيبة؟ أتراك جئتَ إلى المختارين فقط ومن أجل المختارين وحدهم؟ فإذا كان الأمر كذلك، فهو سِرٌّ، ولا يمكننا فهمه. فلو كان الأمر سِرًّا، فلدينا نحن أيضا الحقُّ في الوعظ بسِرٍّ، وتعليمهم على أن ما يهمُّ هو ليس إتِّباع القرار الحرَّ لقلوبهم، ولا إتِّباع المحبة، بل يجب أن يطيعوا سِرًّا طاعة عمياء، حتى لو تعارض ذلك مع ضميرهم. وهذا بالذات ما قُمنا به.

«‹لقد قمنا بإصلاح العمل الذي قمتَ به، وأسسناه على المعجزة، والسِرِّ، والسُّلطة. وابتهج الناس بأنهم يُساقون كالقطيع مرة ثانية، وبأن العطيَّة الرهيبة التي جلبتْ عليهم شتى أنواع العذاب قد أُزيلت أخيرا عن قلوبهم. أكنا على حقٍّ في تعليمنا إياهم هذا؟ تَكَلَّمْ! ألم نكن نحب الجنس البشري عندما اعترفنا بكل تواضع بضعفه، وخففنا أعبائه، وأبحنا لطبيعته الضعيفة باقتراف الخطيئة أيضا، شريطة أن يستأذننا في ذلك؟

«‹فلماذا جئتَ الآن لعرقلتنا؟ ولماذا تنظر إليَّ بهدوء وبإمعان بعينيك الوادِعتين؟ فالأحرى بك أن تغضب! فأنا لا أريد محبتك، لأني أنا نفسي لا أحبك. ثم ماذا أنتفع بإخفاء أيِّ شيء عنك؟ ألا أعلم أنا مع مَنْ أتخاطب؟ فإنَّ كل ما يمكنني قوله معروف عندك سلفًا. فأنا أقرأ ذلك في عينيك. فلماذا المواربة وإخفاء سِرِّنا عنك؟ فلَعَلَّك تريد سماع هذا السِرِّ من شفتيَّ. فاسمعْ إذن. ألا فاعلم أننا لسنا معك، بل معه هو — وذلك هو سِرُّنا! لقد مضى وقت طويل — ثمانية قرون — منذ أن وقفنا إلى جانبه هو وليس إلى جانبكَ أنتَ. فمنذ ثماني قرون بالضبط، أخذنا منه ما سبق أن رفضتَه أنتَ بازدراء، ألا وهي العطيَّة الأخيرة التي عرضها عليك، عندما كان يشير لك إلى ممالك الأرض. فأخذنا منه روما وسيف القيصر، وأعلنَّا أنفسنا ملوك الأرض الوحيدين، رغم أننا لم نتمكن لحد الآن من إتمام عملنا. ولكن غلطة مَنْ هذه؟

«‹على فكرة، إنَّ هذا العمل لا يزال في بدايته، ولكنه قد بدأ بالفعل. ولا يزال أمامه درب طويل ليكتمل، وفي انتظار الأرض عذاب كثير لتكابده، ولكننا سوف ننتصر ونصبح قياصرة، وسوف نخطط عندئذ سعادة الإنسان. لقد كان في وسعك أن تقبل حمل سيف القيصر في الماضي، فلماذا رفضت تلك العطيَّة الأخيرة؟ فلو قبلتَ المشورة الأخيرة التي نصحك بها الروح الجبار، لكان في وسعك تحقيق كل ما تبحث عنه البشرية — ألا وهو: شخص لتعبده، وشخص يسيطر على ضميرها، وبعض الوسائل التي توحِّد الجميع في مستعمرة واحدة فيها اتفاق بالإجماع وتناغم كمستعمرة النمل؛ ذلك أن الحاجة إلى الوحدة العالمية الشاملة هو عذاب الناس الأخير والثالث. 1 لقد سعت البشرية بأسرها في جميع الأزمان إلى تنظيم دولة عالمية. فكان هناك الكثير من الدول العظيمة التي لها تاريخ عظيم، ولكن كلما ازدادت درجة تطورها، زادت تعاستها، لأنها أحست أكثر من غيرها من الشعوب بالحاجة إلى الاتحاد على الصعيد العالمي. وإنَّ الغزاة العظماء، من أمثال تيمور لنك وجنكيز خان، هَبُّوا كالأعاصير على وجه الأرض سعيا لإخضاع شعوبها، ورغم عدم وعيهم بذلك، إلاَّ أنهم لم يكونوا سوى تعبير عن رغبة البشرية في الوحدة العالمية الشاملة. فلو قبلتَ بالعالم وثياب قيصر الأرجوانية ذات السُّلطة الملوكية، لكان في وسعك تأسيس الدولة العالمية الشاملة ومنح السلام العالمي. فمَنْ تراه جديرا بحكم الناس إنْ لم يكن ذاك الذي يسيطر على ضمائرهم ومصادر رزقهم؟ لقد حملنا سيف القيصر، وبذلك قد رفضناك طبعا وتبعناه هو. آه وللأسف، فلا تزال أمامنا عصور كثيرة من الالتباس الذي يفرزه الفكر الحُرُّ، وعلومه، والوحشية، والتعطُّش للدماء. فما داموا قد شرعوا في بناء برج بابل بدوننا، سوف ينتهي بهم الأمر حتما إلى الوحشية وانعدام الرحمة. ولكن الوحش سوف يأتي إلينا بعد ذلك زاحفا، وسوف يلعق أرجلنا التي سوف يبللها بدموعه الدامية.

وسوف نركب الوحش ونرفع الكأس، التي سوف يكون مكتوب عليها: «سِرٌّ» ولكن بعدئذ، وفي ذلك اليوم بالذات، سوف يَحِلُّ عهد السلام والسعادة للناس.

«‹أنتَ فخور بالمختارين الذين اخترتهم، ولكنك لا تملك سواهم، أمَّا نحن فنمنح الجميع الراحة. وإضافة إلى ذلك، فكم من أولئك المختارين، وكم من أولئك الأقوياء الذين يمكن أن يصبحوا مختارين، قد سئموا من انتظارك، وانتقلوا إلى المعسكر الآخر، وسينقلون قوى أرواحهم ودفء قلوبهم إلى المعسكر الآخر، وينتهي بهم الأمر إلى رفع راية حريتهم عليك. فأنت بنفسك رفعت هذه الراية. أمَّا معنا فسيكون الجميع سعداء، ولن يتمردوا أو يدمر بعضهم بعضا، كما هو الحال في ظِلِّ الحرية التي أعطيتها أنت لهم.

«‹نعم، سنقنعهم بأنهم لن يصبحوا أحرارا إلاَّ عندما يتنازلون عن حريتهم لنا ويخضعون لنا. أترانا على حقٍّ أم أننا نكذب؟ فإنهم سيكونون مقتنعين بأننا على حقٍّ، لأنهم سيتذكرون أهوال العبودية والتخبُّط التي جاءت بها حريتك عليهم. إذ ستؤدي بهم الحرية والفكر الحُرُّ والعلوم إلى مثل هذه المضايق، وستجعلهم يتواجهون مع أعاجيب كبيرة وأسرار يستحيل تفسيرها، لدرجة أن بعضا من الناس، من أولئك الشرسين المتمردين، سيدمِّرون أنفسهم؛ أمَّا الآخرون، المتمردون الضعفاء، فسيدمِّر بعضهم بعضا؛ والبقية الباقية، من الضعفاء التعساء، سيزحفون عند أقدامنا متوددين، وينتحبون لنا: «نعم، كنتم على حقٍّ، فأنتم وحدكم تمتلكون سِرَّه هو، وها نحن نعود إليكم — خلِّصونا من أنفسنا!»

«‹وعندما يستلمون الخبز من أيدينا، سيرون بكل وضوح أنهم هم الذين أنتجوه بعملهم، وإننا أخذناه منهم لنوزعه بعد ذلك بدون أيِّ معجزة. وسيفهمون أننا لا نحوِّل الحجارة إلى خبز، ولكنهم سيكونون في الحقيقة مُمتنِّين بأخذه من أيدينا نحن أكثر من امتنانهم بالخبز نفسه. لأنهم سيتذكرون جيدا جدا أنه في الأيام الخوالي عندما كانوا يعيشون بدون مساعدتنا، كان الخبز الذي يخبزونه يتحوَّل هو الآخر إلى حجارة في أيديهم، غير أنهم منذ أن عادوا إلينا، أخذت الحجارة ذاتها تتحوَّل إلى خبز في أيديهم. فإنهم يعرفون معرفة جيدة قيمة الخضوع التام! وما لم يعرف الناس ذلك، سيبقون تعساء. فمَنْ تراه أكثر مَنْ يستحق اللائمة على عدم معرفتهم بذلك؟ تكلَّمْ! فمَنْ بدَّد القطيع وأرسله في طرق مُضلِّلة ومجهولة؟ غير أن القطيع سيتجمَّع ثانية، ويخضع مرة أخرى، وبعد ذلك يكون هذا الخضوع أبديًّا. بعدئذ سوف نمنحهم السعادة الهادئة والمتواضعة للمخلوقات الضعيفة، وهي السعادة الوحيدة التي تناسب طبيعتهم. وبالمناسبة، نحن سوف نقنعهم أخيرا أن لا يزهوا بأنفسهم، لأنك رفعتهم ومن ثم علمتهم أن يكونوا متكبرين. فسوف نبرهن لهم أنهم ضعفاء، وأنهم مجرد أطفال يُرثى لهم، ولكن هذه السعادة الطفولية هي أعذب سعادة. وسوف يستحون، ويتطلعون إلينا، ويجثمون بخوف بقربنا، كفراخ جاثمة بقرب أُمِّهم الدجاجة. وسوف يتعجبون مِنَّا ويصابون بالذهول أمامنا، وسوف يفخرون بأن لهم سادة يبلغون هذا المبلغ من القوة والذكاء، للدرجة التي استطعنا فيها إخضاع مثل هذا القطيع المضطرب المكوَّن من آلاف الملايين من البشر. وسوف يرتعشون خوفا عاجزين أمام غيظنا، وسوف تزداد مخاوف أفكارهم، ويصبحون سريعي البكاء كالنساء والأطفال، ولكنهم سوف يكونون مستعدين تماما وبإشارة مِنَّا للانتقال إلى الضحك والفرح، وإلى المرح السعيد والأغاني الصبيانية. نعم، سوف نجبرهم على العمل طبعا، ولكننا سوف نجعل حياتهم في أوقات فراغهم كألعاب الأطفال، مصحوبة بأناشيد الأطفال والرقصات البريئة.

«‹وطبعا سوف نسمح لهم باقتراف الخطيئة أيضا — فإنهم ضعفاء وعاجزون — وسوف يحِبُّوننا كالأطفال بسبب تسامحنا هذا. وسوف نقول لهم إنَّ كل خطيئة سوف يُغفر لها لو اقتُرِفت بإذنٍ مِنَّا، وإنَّ سماحنا لهم باقتراف الخطيئة هو لأننا نحبهم، وإنَّ عقاب هذه الخطايا سوف نأخذه على عاتقنا. نعم، سوف نأخذه على عاتقنا، ولذلك سوف يعبدوننا كمُخَلِّصين لهم، لأننا تحمَّلنا مسؤولية خطاياهم أمام الله. ولن يكتموا عَنَّا سِرًّا. وسوف نبيح لهم أو نَحْظُرُ عليهم أن يعيشوا مع زوجاتهم أو عشيقاتهم — تبعا لدرجة طاعتهم — وأن يُنجبوا الأطفال أو لا ينجبوا، وسوف يخضعون لتوجيهاتنا بكل سرور. وسوف يُفْضون إلينا بجميع الأسرار التي تتعذب بها ضمائرهم — جميعها — وسوف يكون لدينا إجابة شافية لكل شيء. وسوف يرتضون حلولنا سعداء، لأنها سوف تحررهم من القلق الشديد والمعاناة الرهيبة التي يكابدونها حاليا وهم يتخذون قرارًا حُرًّا بنفسهم. وسوف يكون جميع الناس سعداء، نعم، جميع هؤلاء الملايين من البشر، باستثناء بضع مئات من الألوف من أسيادهم الذين يسيِّرونهم. لأننا وحدنا سوف نكون محزونين، نحن الذين نحرس السِرَّ. وسوف يكون هناك مئات الملايين من الأطفال السعداء، وأيضا مئات الآلاف من المحزونين الذين أخذوا على عاتقهم تحمُّل لعنة معرفة الخير والشرِّ. وسوف يموتون بهدوء، وينطفئون باسمك بهدوء، ولن يجدوا شيئا بعد القبر سوى الموت. ولكننا سوف نحافظ على السِرِّ، وسوف نعمل من أجل سعادتهم على ترغيبهم في ثواب السماء والآخرة. ولئن كان بعد القبر حياة أخرى في العالم الآخر، فلن تكون من نصيب أمثال هؤلاء الناس.

«‹مكتوب أنك سوف تأتي ثانية مُكللا بالنصر، وأنك سوف تأتي مع مختاريك، أولئك المتكبرين والأقوياء، ولكننا سوف نقول يومئذ إنهم لم يُخلِّصوا إلاَّ أنفسهم، في حين أننا خلَّصنا الجميع. لقد قيل لنا إنَّ الزانية الراكبة على وحش وتحمل بيديها السِرَّ سوف يجللها الخزي والعار ذات يوم، وإنَّ الضعفاء سوف يثورون من جديد فيمزقون رداءها القرمزي ذا السُّلطة الملوكية، ويُعَرُّون جسدها الكريه. ولكنني سوف أنهض عندئذ وأشير إلى آلاف الملايين من الأطفال السعداء الذين لم يعرفوا أيَّ خطيئة. أمَّا نحن، الذين أخذنا على عاتقنا خطاياهم لتحقيق سعادتهم، فسوف نَمثِل أمامك ونقول لك: «اُحكُمْ علينا لو استطعتَ، أو تجرَّأتَ.» ألا فاعلم أنني لا أخشاك، وأنني عشتُ أنا أيضا في الصحراء أقتاتُ بالجراد وجذور النباتات، وكنتُ أثمِّن الحرية التي وهبتها أنتَ للبشر، وكنتُ أنا أيضا أسعى للوقوف بين مُختاريك، بين الأقوياء والمقتدرين، ومتعطشا إلى «إكمال عددهم.» ولكنني عُدْتُ إلى صوابي، ولا أريد أن أخدم الجنون. فرجعتُ أدراجي وانضممتُ إلى صفوف أولئك الذين قاموا بتصحيح عملك. فتركتُ المتكبرين ورجعتُ إلى المتواضعين للعمل من أجل تحقيق سعادة المتواضعين. وإنَّ ما أقوله لك اليوم سوف يتحقق، وإنَّ مملكتنا سوف تُبنى. وأعود فأكرر لك: إنك سترى غدا هذا الجمهور المطيع يسرع بإشارة مني إلى تكديس الرماد الساخن حول كومة الحطب التي سأحرقك عليها، لأنك جئت لإعاقة عملنا. لأنه إذا كان هناك مَنْ يستحق الهلاك بنيراننا، فهو أنتَ. وغدا سأحرقكَ. وهذا قراري.›»

عندما توقف المفتش الكبير عن الكلام، انتظر بعض الوقت منتظرًا ردًّا من سجينه؛ ولكن صمت السجين أثقل على نفس المفتش الكبير. ورأى أن السجين كان يستمع باهتمام طوال الوقت، وينظر برفق في وجهه، ومن الواضح أنه لا يرغب في الردِّ. وكان العجوز يتوق إلى أن يقول السجين له شيئا ما، حتى لو كان كلاما مريرا ورهيبا. ولكن السجين اقترب فجأة من الرجل العجوز بهدوء، وقَبَّلَ شفتيه الهرمتين الخاليتين من المشاعر. وكان هذا ردَّه كله. فارتعش الرجل العجوز. وتحركت شفتيه دون أن تتمكن من التفوُّه بأيِّ كلمة. وذهب إلى الباب، وفتحه، وقال له: ‹اذهب، ولا تأتِنا بعد — ولا تأتِ على الإطلاق، أبدًا، أبدًا!› وأخلى سبيله ليخرج إلى الأزقة المظلمة للمدينة. ومضى السجين.»

«وماذا حصل للعجوز؟»

هذه المقالة مقتطفة من كتاب «الإنجيل في روايات دوستويفسكي»

GIMain

هوامش

  1. 1 شخصية المفتش الكبير هنا في رواية دوستويفسكي تشير إلى المفتش الكبير أو كبير المحققين Grand Inquisitor الذي كان فعلا يشغل منصب كبير موظفي ديوان التحقيق لمحاكم التفتيش الكاثوليكية Inquisition التي أُنشِئت أصلا في أوروبا في القرنين الميلاديين الخامس عشر والسادس عشر لمحاربة الذين كانوا يحسبونهم هراطقة ومعاقبتهم بل حتى إعدامهم حرقا. وقد راحت ضحيتها الآلاف من النفوس.
  2. 2 في إشارة إلى التجربة الثالثة التي خاضها يسوع المسيح عن السُّلطة والنفوذ الدنيوي.
مساهمة من Fyodor Dostoyevsky فيودور دوستويفسكي

كان دوستويفسكي كالروائي تولستوي، من أبناء الكنيسة المتدينين عندما كان طفلا صغيرا، ولكنه عندما أصبح شابا اتَّجه إلى المعتقدات التقدميَّة للمثقفين الروس في عصره. واكتسب فيما بعد، بصيرة عميقة جدا في فظائع البؤس البشري وتساءل عن وجود الله نفسه، الذي سمح بكل هذا البؤس. وكان دوستويفسكي يناصر المتألمين الأبرياء، غير أنه لم يملك من المشاعر ما يكفي لقبول الله دون تمرُّد. ويبدو أن كبرياءه الروحية قد منعته من قبول الله دون تمرُّد، إضافة إلى خصلة الزهو بالذات التي تنجرح بالاعتراف بالله.

اِقرأ المزيد
0 تعليقات