Darvell Bruderhof Community in England

الحياة المشتركة

المشاركة ثمرة المحبة

بقلم هاينريش آرنولد J. Heinrich Arnold

0 تعليقات
0 تعليقات
0 تعليقات
    أرسل

يجب علينا التخلّي عن الملكية الخاصة، وعن كل أشكال التعطُّش إلى جمع الماديّات لأنفسنا. فاستمتاع الإنسان بتجميع الثروة لنفسه، أو لأسرته، أو حتى لجماعته التي تعيش حياة مسيحية مشتركة، يؤدي إلى الموت الروحي. إذ إنّ الثروة تسبب هذا الموت، لأنها تعزل القلب عن الله وعن أخينا الإنسان. والحلّ الذي وجدناه لمجابهة هذه المشكلة، هو في تقاسمنا لكل شيء، بطريقة تجعل من المستحيل الوقوع في خطيئة الثروة الجماعية. وبابنا مفتوح لكل مَنْ ينشد الله والحقّ. وبفضل الإشراف المالي للكنيسة، يصبح كل شيء متاحا لأي شخص محتاج.

إنّ طريق يسوع المسيح يعني التخلّي الكامل عن كل الممتلكات! (مرقس 10: 21) وقد اخترنا نحن هذا الطريق، ويجب أن يعرف أولادنا بذلك، وهم في سن مبكرة. وينبغي أن يعرفوا بأن أموالنا تخصّ الله، ولا تخصّنا نحن شخصيّا. ويقول يسوع إننا ينبغي أن لا نجمع لأنفسنا كنوزا على الأرض، بل أن نسعى لجمع كنوز في السماء. (متى 6: 19–20)

من رسالة: أنت تسأل: «كيف يمكننا، كأشخاص مستقلين وعائلات مستقلة، أن يتشارك بعضنا مع بعض مشاركة تامة في حياة أخوية كاملة؟» والجواب على ذلك، هو أن هذه الوحدة التامة ينبغي أن تأتينا كَهِبة من روح يسوع المسيح. ويجب علينا أولا تفريغ أنفسنا تماما من أفكارنا البشرية، ومن مُثُلنا العليا الخاصة بنا، ومن كياننا الذاتي؛ ويجب أن نكون مستعدين كليّا لتكريس نفوسنا ليسوع المسيح وروحه القدوس.

من رسالة: لا مثيل للتجربة الفعلية التي يعيشها المرء في الحياة المسيحية المشتركة، وما يحسّ به عندما يشهد بنفسه حركة روح الله في مجامع الحياة المشتركة وبين أفرادها، ولا مثيل للمشاعر التي تغمره عندما يتنعم بوحدة المؤمنين في الكنيسة. ولذلك، أكتب هذا مُدرِكا بأن الكلمات لا يمكن أن تعبّر على روح محبة الله، الذي يتحرك بين أولئك الذين استسلموا له في كل شيء.

يُعتبر المال – وحب المال – خطرا جسيما على حياة المؤمن بالله، سواء كانت حياته ضمن الحياة المشتركة أو خارجها. 

وردّا على سؤالك حول الأساس الكتابي لحياتنا المشتركة، فهناك آية في إنجيل لوقا 14: 33، حيث يقول المسيح بوضوح، لا يقدر أحد أن يكون تلميذه ما لم يتخلَّ عن كل شيء له. وهناك أيضا آية في إنجيل يوحنا 16: 13، تقول: عندما يأتي روح الحقّ، فإنه يرشد الناس إلى الحقّ كله. وهذا ما حصل في عيد الخمسين (العنصرة) بعد حلول الروح القدس على جماعة المؤمنين، (أعمال 4: 32–34) عندما أصبح التلاميذ قلبا واحدا وروحا واحدة، وتشاركوا في كل ممتلكاتهم وأملاكهم. (أعمال 2: 44) وانظر أيضا الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس، إصحاح 12، وخاصة الآيات 25–26: «لِئَلاَّ يَقعَ في الجَسَدِ شِقاقٌ، بَلْ لِتَهتَمَّ الأعضاءُ كُلُّها بَعضُها بِبَعضٍ. فإذا تألَّمَ عُضوٌ تألَّمَت معَهُ جميعُ الأعضاءِ، وإذا أُكرِمَ عُضوٌ فَرِحَتْ معَهُ سائِرُ الأعضاءِ.» وإننا نجد صعوبة في اتخاذ هذا الإصحاح بقيمته ومحتواه الكامل في حياة كنيسة غير متشاركة. وينطبق الشيء نفسه في الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس (2 كورنثوس 8: 13–15): «لا أَعني أنْ تكونوا في ضِيقٍ ويكونَ غَيرُكُم في راحَةٍ، بَلْ أَعني أنْ تكونَ بَينَكُم مُساواةٌ، فيَسُدُّ رَخاؤُكُم ما يُعوِزُهُمُ اليومَ، حتّى يسُدَّ رخاؤُهم ما يُعوِزُكم غدًا، فتَتِمَّ المُساواةُ. فالكِتابُ يَقولُ: ‹الّذي جَمَعَ كثيرًا ما فَضَلَ عَنهُ شيءٌ، والّذي جمَعَ قليلاً ما نَقصَهُ شيءٌ.› »

فاضت المحبة في عيد الخمسين من قلوب أولئك الذين تأثّروا بالروح القدس: إذ كان المؤمنون ممتلئين بمحبة الله ومحبة بعضهم لبعض. وعندما حدث هذا، لا أعتقد أنك ستنكر حقيقة ما مُدوّن في الإنجيل: «وكانَتِ النِّعمَةُ وافِرَةً علَيهِم جميعًا.» (أعمال 4: 33) إذ إنّ الحياة المتشاركة بالممتلكات للكنيسة الرسولية الأولى، كانت نتيجة لهذه المحبة والنعمة. أما شركة المحبة هذه، فهي بعيدة كل البعد عن الديانة المسيحية في عصرنا الحاضر. فنرى الناس الآن يشهدون في جرائد كنائسهم مثلا عما يختبرونه وهم يشعرون بالامتنان، أنهم منذ أن بدؤوا بدفع العشور إلى كنيستهم، جعل الله مصالح أعمالهم تزدهر بطريقة رائعة.footnote

هذا ولو قلنا بأن الأساس الرئيس لإيماننا هو المشاركة في الأموال والممتلكات، فسوف يكون ذلك تشويها للحقائق. فإنّ المشاركة هي نتيجة لإيماننا، وليس أساسه. وهي ثمرة الاستسلام الكامل للمسيح ولمحبته. فإنّ كل شيء وهبنا الله إياه – ممتلكاتنا ومواهبنا وحياتنا – نعيده إليه، ليتحكّم به هو وحده مع روحه القدوس.

وفي الإجابة على سؤالك فيما إذا كانت المشاركة بحد ذاتها ستساعد على ربح النفوس للمسيح، فإننا نقول لا. فإنّ مجرد مشاركة الممتلكات لا ترشد الناس بالضرورة إلى المسيح. ولكنها عندما تكون نتيجة فيضان المحبة، يمكن أن ترشدهم إليه. فقد جاء العديد من أفراد كنيستنا من خلفيات غير مسيحية. غير أن ما جذبهم، كان حياة الأُخوّة والمحبة المتجسّدة على أرض الواقع. لقد سئمنا من الكلام، فهو رخيص ويمكن سماعه في أي مكان تقريبا، لأنه بطبيعة الحال، من سيقول بأنه ضد الأُخُوَّة والمحبة؟ إننا لم نكن نبحث عن كلام، بل عن أفعال؛ ولم نكن نبحث عن حجارة، بل عن خبز. (متى 7: 8–9) وهذا ما قدّمه المسيح إلينا – حياة جديدة حيث المحبة تسيّر كل شيء، بالأفعال وبالحقّ.

هل يمكن للمرء أن يرتبط بجماعة معينة من الناس؟ 

أنت تسأل عن الفرص المتاحة لكل من يهتدي حديثا، لنشر الإنجيل الحقيقي، وليس «إنجيل الحياة المشتركة.» ولكن ماذا تعني بالإنجيل أو الأنباء السّارّة؟ فماذا تعني «الأنباء السّارّة» لو لم تكن تعني أن هناك طريقا آخر، غير طريق الموت واليأس الذي يحكم عالمنا الحالي؟ فما عساها أن تكون، لو لم تكن أنباء عن إمكانية أن يعيش الناس كإخوة في سلام وثقة ومحبة كاملة بعضهم مع بعض، وكأولاد لآب واحد؟ فليس الإنجيل مجرد كلام؛ فهو يمثِّل الأفعال الصالحة والحقّ، ويمثِّل كامل طريق الحياة الذي جاءنا به المسيح. وهو تعبير عن تجربة حيّة. فإنّ التحدي الذي يواجهنا، ليس الانضمام إلى كنيستنا، بل أن نحيا حياة الأُخوّة. فلا نرغب في إضافة أي شيء إلى الإنجيل، ولكننا نعتقد اعتقادا راسخا، بأنه لا يجوز إهمال أي شيء منه، ويجب علينا مواجهة جميع مطالبه.

وأنت تسأل: «لماذا ‏ينبغي أن تعزل حياتنا المشتركة نفسها لتكون في العالم، ولكنها في الوقت نفسه ليست من العالم؟» وجوابي على سؤالك هو أننا نسكن بصورة منفصلة، لأننا نهدف إلى فصل أنفسنا عن الجذور الشريرة لرذائل الحرص على المنفعة الذاتية والجشع والظلم – وعن كل ما هو خالٍ من الحنان والرحمة في النظام العالمي الراهن. وعموما، لا تختلف مجتمعات البلاد اليوم، عما كانت عليه في زمن يسوع. فلا يزال الناس أنانيين ومتباهين وحريصين على منافعهم الخاصة، وعلى نفوذهم ومواقفهم الذاتية. وتخيّم ثمار هذه الشرور على مجتمعات البلاد بأشكال عديدة مثل: العلاقات غير الشريفة، والكراهية، والإدمان على الكحول، والفقر، وجنوح الأحداث، والأمراض العقلية، وجرائم العنف، وأخيرا الحروب. فهذه هي ثمار حب المال، (1 يوحنا 2: 15-17) وثمار المجتمع غير المسيحي، وثمار النظام العالمي الراهن. فهذا هو العالم الذي دعانا منه المسيح ولا يزال يدعونا. فهو يدعونا للخروج منه، لكي يجمعنا لبناء مدينة الله، حيث يحكم الروح القدس وحده – لبناء مدينة على جبل،footnote التي لا يمكن أن تكون مخفية، بل تكون نورا للعالم.

Darvell Bruderhof Community in England

يخبرنا الإنجيل بأنه يمكننا التعرّف على أي شجرة – أو شخص أو جماعة – من ثمارها، لأن الشجرة الطيبة لا يمكن أن تثمر ثمارا شريرة، والشجرة الشريرة لا يمكن أن تثمر ثمارا طيبة. (متى 7: 16–18) أما ثمار الحياة القائمة على الإيمان بالمسيح، فلا تقتصر على الوعظ أو الكلام، لأن المهم هو أفعالنا. فقد قال المسيح: إنّ جميع الناس يمكنهم أن يعرفوا أننا تلاميذه، وذلك من خلال محبة بعضنا لبعض – وليس من خلال كلامنا عن محبة بعضنا لبعض. (يوحنا 13: 35) (متى 7: 21) وكانت آخر صلاة ليسوع المسيح من أجل وحدة تلاميذه: «اِجعَلْهُم كُلَّهُم واحدًا ليَكونوا واحدًا فينا، أيُّها الآبُ مِثلَما أنتَ فيَّ وأنا فيكَ، فيُؤمِنَ العالَمُ أنَّكَ أرسَلْتَني.» (يوحنا 17: 21) ولذا ينبغي أن تكون الكنيسة منظورة في العالم. إذ إنّ نور الجماعة المتّحدة للمؤمنين، يجب أن يضيء ظلمة العالم، لكي ينيره تمجيدا لله.

وأنت تسأل: «لو أنكرنا أنفسنا بما يكفي، لكي نسير في طريق المسيح، ألا يمكننا حينئذ أن نعيش حياة معقولة وسط إخواننا البشر، وخارج نطاق منظمة من الإخوة؟» إنّ الذي يجب عليه الإجابة على هذا السؤال هو أنت بنفسك. فنحن هنا، لأننا وجدنا أن ما تسميه «الحياة المعقولة» لم تكن كافية – وأن المسيح طلب مِنّا أكثر من ذلك. فهو يريد الشخص كله. ثم إننا لسنا «منظمة من الإخوة» بل مجرد جماعة من الناس الذين يسعون إلى أن يحيوا حياة أقرب إلى الله. ونريد أن نأخذ وصايا المسيح في الموعظة على الجبل كما هي بحذافيرها، وأن نصحح حياتنا وفقا لها، وأن ندعها تحكم فيما إذا كانت حياتنا قويمة أو لم تكن. ولا يمكننا العمل بهذه الوصايا بالكامل، إلّا عن طريق تسليم حياتنا لإرادته، متيقنين بأنه سوف يرشدنا إلى الحقّ.

من رسالة: إنّ حياتنا المشتركة هي صراع روحي مستمر: فيجب علينا الجهاد روحيّا باستمرار، لكي نتخلّص من كل ما يفصلنا عن الله وعن إخواننا وأخواتنا. ويمكن لعملية التحرُّر هذه – أي بمعنى إماتة الشهوات في نفوسنا – أن تكون من أكثر التجارب المؤلمة. فنحن نؤمن بأن ما هو مطلوب مِنّا، هو مئة في المئة؛ فيجب على الكبرياء بأسرها، والإرادة الذاتية كلها أن ترحلا عنّا، وأن يرحل عنّا أيضا الإطار الكامل لأسلوب الحياة والفكر البشري، الذي حاولنا سابقا الحصول على الأمان بواسطته. ولا يحدث هذا التحرُّر بسرعة البرق، وإنما بالتدريج. ونحن ندرك من خلال حياتنا المشتركة، أن بعض الأمور تسبب الشقاق والانفصال، مثل: الكبرياء والإشفاق على الذات، والتقوى الزائفة. فيجب أن نبتعد عن هذه الشرور كلما ظهرتْ للعيان. وسوف نظلّ دائما ضعفاء، غير أن فرحنا يكمن في إيجاد مصدر للقوة، يمكن له أن ينتصر في كل صراع روحي.

من رسالة: إنّ الحياة مع الإخوة والأخوات في المسيح عطية عظيمة. (مزمور 133) وعندما تتأجج محبة الله في صدورنا، وتوحِّدنا للمثابرة على التضامن الشامل فيما بيننا ككنيسة، سوف نتغلب عندئذ على أي صعوبة أو صراع مهما كان كبيرا. وإنّ ما يبعث على الارتياح، أن حياة التلمذة للمسيح، لا تكون أبدا مجرد شيء نتعلمه – حتى لو كان من خلال صراعات شاقّة ومؤلمة، وإنما هي اختبار جديد للنعمة الإلهية باستمرار. فيا لهذا الموضوع من مفارقة عميقة! إذ إنّ إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب هو هو دائما، ولكنه الوحيد الذي يحرِّرنا من ملل الرتابة والناموس. لأن كل شيء فيه يصبح جديدا.

يجب أن نكون دائما على وعي بمخاطر الماديّات – التي هي سطوة المال أو سطوة أي شيء مادي آخر على قلوبنا وأرواحنا. قال يسوع المسيح: «لا يَقدِرُ أحَدٌ أنْ يَخدُمَ سَيِّدَينِ، لأنَّهُ إمَّا أنْ يُبغِضَ أحدَهُما ويُحبَّ الآخَرَ، وإمَّا أنْ يَتبعَ أحدَهُما ويَنبُذَ الآخَرَ. فأنتُم لا تَقدِرونَ أنْ تخدُموا اللهَ والمالَ.» (متى 6: 24) غير أن الأشياء الماديّة في حد ذاتها هي ليست العدو؛ فهي جزء من الحياة. ولكن ينبغي استعمالها لمهام الكنيسة. وفي نهاية المطاف، إنها مسألة تتوقف على مواقفنا وسلوكنا. وإنّ فساد روح الإنسان يفسح المجال لكل ما هو ماديّ لكي يفسد الحياة، ولكن إذا كانت علاقة الشخص مع يسوع والكنيسة حيّة، أصبح في مقدوره أن يستعمل الأشياء المادية دون أن تتحكم به.

من رسالة: نحن لسنا مهتمين بكسب أي إنسان بكلمات ناعمة. إذ إنّ طريق حياتنا المشتركة يتطلب الكثير من التضحيات. فلدينا اليوم منزل وبيت عائلي وعمل وخبز يومي. ولكن لا نعرف ماذا سيحدث غدا، مثلما يُظهِر لنا تاريخ حركة الإصلاح المسيحية أنابابتسم وطائفة كويكرز وتاريخ العديد من الحركات المسيحية الجادّة الأخرى، التي لاقت الاضطهاد والتهجير والإعدامات.

يُعتبر المال – وحب المال – خطرا جسيما على حياة المؤمن بالله، سواء كانت حياته ضمن الحياة المشتركة أو خارجها. إذ يقول يسوع: «فحَيثُ يكونُ كَنزُكَ يكونُ قَلبُكَ.» (متى 6: 21) وكان النبي المسيحي هرماس يتحدث في فترة مبكرة من تاريخ الكنيسة عن خطر امتلاك الحقول والمنازل وأي شيء آخر له قيمة دنيوية. وكان يصرخ قائلا: «أيها الأحمق والمتقلب الرأي والمسكين، ألا تدرك أن كل هذه الأمور ليست ملكا لك، وأنها تحت سيطرة قوة معادية لطبيعتك؟»footnote ورغم حقيقة أننا نعيش في مجتمع يتشارك في الممتلكات، ولدينا صندوق مالي واحد مشترك، غير أن خطر حب المال لا يزال موجودا. فيقول يسوع المسيح عن نفسه: «لِلثَّعالِبِ أوجِرَةٌ، ولِطُيورِ السَّماءِ أعشاشٌ، وأمَّا اَبنُ الإنسانِ فما لَهُ مَوضِعٌ يُسنِدُ إليهِ رأسَهُ.» (لوقا 9: 58)

المشاركة في العمل والمشاركة في الممتلكات والمشاركة في الموائد ما هي إلّا ثمار المحبة.

هل يمكن للمرء أن يرتبط بجماعة معينة من الناس؟ وللإجابة على هذا السؤال نضرب لكم مثلا من حياة كنيستنا. فعندما يقدّم أفراد كنيستنا نذورهم المؤبدة، نسألهم: «هل أنت مستعد لتسليم نفسك دون تحفظ إلى الله وإلى المسيح وإلى الإخوة؟» إنّ النقطة التي نريد تناولها في هذا السؤال، هي ليست عن الاستسلام لله أو للمسيح، ولكن ما إذا كان المرء يستطيع أن يرتبط بجماعة معينة من الناس. وكنتُ أفكر في معنى التكريس المذكور هنا في هذا السؤال؛ أي بمعنى هذا التسليم للذات إلى الله وإلى المسيح وإلى الإخوة والأخوات. فنحن نعرف الوصية الأولى من وصايا الله – لا يَكُنْ لكَ آلهةٌ أخرى سِوايَ – (خروج 20: 3) ونعرف وصية المسيح: أحِبَّ قَريبَكَ مِثلَما تُحبُّ نفسَكَ. (متى 22: 39) ونعلم أيضا أن مَنْ يقول بأنه يحب الله، ولكنه يبغض أخاه فهو كاذب. (1 يوحنا 4: 20) فلذلك لا نستطيع أن نفصل التزامنا نحو الله عن الالتزام نحو رفاق الدرب الآخرين الذين يريدون أيضا أن يتبعوا الله.

ولكن هناك خطورة من ناحية أخرى، في تقديم التزامات حياتية إلى أي فرد دون تحفُّظ؛ تقديم الالتزامات «إلى الإخوة» كما هو الحال هنا. فماذا يحدث لو أخطأ أولئك الإخوة، حتى لو كان ذلك بطريقة غامضة؟ فربما تصبح الجماعات الدينية بعد الجيل الأول أو الثاني متزمتة في بعض النقاط. وربما تصبح متقيّدة بحرفية الشريعة إزاء بعض الأشياء التي تبدو صائبة، ويجري من خلال ذلك قمع حياتهم الروحية بواسطة هذه الأمور.

فلو رأينا هذا الخطر، فإنّ السؤال الحقيقي هو: «كيف يمكن أن يرتبط بعضنا ببعض رغم ذلك؟» وإنّ الجواب على هذا السؤال لا يمكن إيجاده، إلّا في الإيمان بالروح القدس – روح المسيح. ولا يوجد جواب آخر.

Common work

من رسالة: أحمد الله وأشكره على أنك اعترفت علنًا بالأفكار والمشاعر السلبية التي كانت عندك تجاه أفراد آخرين في الكنيسة. فإنّ الله أقوى من مشاعر ما نحب وما لا نحب. فهو يعطينا المحبة ويعطينا الحياة المشتركة، حيث يجري التغلب على مشاعر ما نحب وما نكره.

من رسالة: أفهم جيدا لماذا أصابتك خيبة أمل في جماعتنا التي تعيش حياة مشتركة. فأنا أيضا، أرتعد عندما أفكر في كل ما حدث في تاريخنا. ولكن في نهاية المطاف، فإننا في الحقيقة لم نكرِّس حياتنا إلى أية جماعة تعيش حياة مشتركة أو إلى أية كنيسة، حتى لو كنا قد قدَّمنا نذورنا بالوفاء إلى إخواننا وأخواتنا. فنحن بالأحرى قد سلّمنا نفوسنا ليسوع المسيح. فقد شهد يسوع خيانة الأصدقاء. وقد رأى كيف هجره تلاميذه. واختبر كيف تركه الله على الصليب. ورغم كل ذلك، كانت مشيئة الله الآب أهم شيء عنده. فلذلك أنا أتمسّك بشدة بهذا، وأحثّك أنت أيضا بالتمسّك بشدة به. وفي هذه الساعة التي يبعثر فيها العدو إبليس العديد من الناس، يجب علينا أن نأخذ كلمات يسوع على محمل الجد: «مَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي، فَهُوَ يُفَرِّقُ.» (متى 12: 30) وأمنيتي أن أبرهن على وفائي ليسوع، ولإخواني وأخواتي، من خلال الالتفاف معهم‏.

لو أردنا أن نعيش الحياة المشتركة لأي كنيسة كانت، وجب علينا أن لا نقوم بذلك إلّا في سبيل الله. وإلا فإننا سنكون عالة على الحياة الروحية للكنيسة، حتى لو كانت لدينا أحسن النوايا. ثم إنّ جهودنا سيكون لها وقع ثقيل على كاهل بقية أفراد الجماعة، حتى لو كنا نعمل ساعات أكثر من الأعضاء الآخرين، وحتى لو تمكنا من توليد مدخول أكثر من غيرنا. ونحن لدينا باب مفتوح لجميع الناس، ولكننا نتوقع أيضا من كل واحد يريد أن يبقى معنا، قبول التحدي الذي تفرضه التلمذة الكاملة للمسيح. وإلّا فحياتنا المشتركة سوف تنهار.

إنّ شهادتنا للحياة الكُليّة المشاركة – ولحقيقة أن يسوع يجمِّع الناس ويوحِّدهم – تنسجم تماما مع وصايا يسوع ومع طبيعته. غير أن الحياة المشتركة في حد ذاتها ليست الأمر الحاسم؛ فالشيء الحاسم هو المحبة. فالمشاركة في العمل والمشاركة في الممتلكات والمشاركة في الموائد ما هي إلّا ثمار المحبة.

من رسالة: نشكر الله دائما عندما يقوي حياتنا المشتركة بالمزيد من الأعضاء الجدد، ولكننا لا نريد أن «نُدخِل» أعضاء جُدُدا باستعمال كلام ناعم، أو إقناع أي شخص للانضمام إلينا من خلال إعطائه انطباع جيد وصورة ناصعة عن حياتنا المشتركة. إذ تأتي الحياة المشتركة بالكثير من الآلام والمعاناة، ولا يمكن لأحد أن يصمد أمام صراعاتها، لو لم يكن مُتّكِلا كليّا على قوة الله. فنحن أنفسنا ليس لدينا القوة: فإنّ الله مصدر قوتنا.


المقالة مقتطفة من كتاب «التلمذة للمسيح»

Darvell Bruderhof Community in England

هوامش

  1. في إشارة إلى ما يُعرَف باسم إنجيل أو لاهوت الرخاء والصحة والغنى Prosperity Gospel، وهو معتقد دخيل على المسيحية، ولكنه ليس جديدا. فقد فضحته الكنيسة الرسولية الأولى سلفا، وهو يعلّم الناس على السعي وراء الثروات وحياة الرخاء والرفاهية، بدلا من طريق المسيح الذي يدعو إلى التخلّي عن الأملاك الشخصية، والمشاركة التامة مع أفراد الكنيسة، والتفاني في خدمة ومحبة أخينا الإنسان. ولو كان مثل هذا السعي مطلبا للمسيحيين، لكان يسوع قد سعى وراءه، وعلّم تلاميذه ذلك. وقد حذّر القديس بولس الرسول من مثل هذه التعاليم قائلا: «يكفينا القُوتُ والكِسوَةُ. أمَّا الّذينَ يَطلُبونَ الغِنى، فيَقَعونَ في التَّجرِبَةِ والفخِّ وفي كثيرٍ مِنَ الشَّهواتِ العَمياءِ المُضِرَّة، الّتي تُغرِقُ النّاس َ في الدَّمارِ والهَلاكِ. فحُبُّ المالِ أصْلُ كُلِّ شرٍّ، وبَعضُ النّاس ِ استَسلَموا إلَيهِ، فَضَلُّوا عَنِ الإيمانِ، وأصابوا أنفُسَهُم بِأَوجاعٍ كثيرةٍ. أمّا أنتَ يا رَجُلَ الله، فتَجَنَّب هذا كُلَّه. واطلُبِ البِرَّ والتَّقوى والإيمانَ والمَحبَّةَ والصَّبرَ والوَداعَةَ.» (1 تيموثاوس 6: 8–11)
  2. في إشارة لما قاله يسوع المسيح: «أنتُم نورُ العالَمِ. لا تَخفَى مدينةٌ على جبَلٍ.» (متى 5: 14)
  3. (Eberhard Arnold, ed., The Early Christians (Rifton, NY: Plough, 1970), p. 285.)
مساهمة من photo of J. Heinrich Arnold هاينريش آرنولد

ألا نستعد لكلمات المسيح لندعها تخترق أعماق كياننا – أم نستمر في وقاية نفوسنا منها ونقسّي قلوبنا تجاهها؟ فلا ندرك كم مرة وقفنا في طريق الله. لكن يمكننا أن نسأل الله أن يخترق أحشاءنا بكلمته الإلهية، حتى لو كانت مؤلمة.

اِقرأ المزيد
0 تعليقات