Matthias Grünewald, Isenheim Altarpiece (detail)

المسيح المصلوب المُخَلِّص

نقطة تحوّل في تاريخ البشرية

بقلم اِيبرهارد آرنولد Eberhard Arnold

1 تعليقات
1 تعليقات
1 تعليقات
    أرسل
  • ادهم

    معلومات رائعة عن الكنيسة الأولى ، وماعمله الرسل من أجل نشر تعاليم يسوع المسيح. فلولا التبشير في گورنثوس وانطاكيا ، لما وصلت العالم بشارة مسيح.

بعد صلب ومقتل يسوع المسيح جاهرت جماعة التلاميذ الصغيرة في أورشليم بأنه على الرغم من أن زعيمهم قد تم إعدامه إعداما مخزيا، إلا أنه كان بالحقيقة ما يزال حيّا، بل لم يزل أيضا رجاؤهم وإيمانهم فيه على أنه سيأتي بالملكوت. وكانوا ينادون بأن الزمان الحاضر مشرف على نهايته؛ وبأن البشرية تتواجه الآن مع أعظم نقطة تحوّل في تاريخها كله، وبأن يسوع المسيح سوف يظهر ثانية في المجد والسلطان. وسوف تكون سيادة الله على كل الأرض مضمونة.

ثم إن جبروت ملكوت الله المستقبلي كان يمكن ملاحظة فاعليته على أرض الواقع في الكنيسة الأولى وأمكن رؤية واقعيّته وثمره عليها وذلك بفضل عمل الروح القدس فيها. فقد حدثت تحوّلات وإصلاحات في حياة الناس. فالقوة على مواجهة الموت التي كانت متأصلة في التقدمة القربانية ليسوع المسيح على الصليب قادتهم لأن يقبلوا ببطولة طريق الاستشهاد، بل وأكثر من ذلك، لقد أكدت لهم النصرة على القوة الشيطانية للشر والرذيلة والمرض.

فكل من استيقظ إلى الحياة الجديدة بفضل الروح القدس بعد إيمانه نال قوة تتفجر بتوجه جديد جدا نحو الحياة، ألا وهو: محبة الإخوة والأخوات ومحبة جميع الناس حتى الأعداء، إنه العدل الإلهي للملكوت الآتي. ثم إن المُلكية في الكنيسة الأولى تمّ إلغائها بفضل هذا الروح الجديد. لذلك تمّ تسليم الممتلكات إلى المفوضين في القيام بخدمة فقراء الكنيسة. وبفضل حضور الروح القدس وقوته وبفضل الإيمان بالمَسِيَّا Messiah، أصبح هؤلاء الأفراد المؤمنين جماعة أخوية واحدة ومتقاسمة بكل معنى الكلمة.

المناداة بالملكوت

أما المهمة الجسيمة الملقاة على عاتقهم فكانت: أن يجعلوا شعب إسرائيل يتواجه مع واقعه المرير وأن يناشدوه ويضعوه أمام فاجعة وشيكة الحدوث، وبالحقيقة فإن البشرية بأجمعها كانت بحاجة إلى أن تُهَزّ لتصحو من الفتور واللامبالاة إزاء هلاك أكيد لأجل أن يتأهب جميع الناس لمجيء ملكوت الله. وقد أدرك فجأة أفقر الناس أن إيمانهم الجديد هو العامل الفاصل في الموضوع، واللحظة الحاسمة في التاريخ كله.

وكانت الكنيسة الأولى بجميع مجتمعاتها تستمد عزيمتها وقوتها اليومية للقيام بهذه المهمة من كتابات الناموس اليهودي والأنبياء؛ ومن إيمان النبي يوحنا المعمدان ومن يسوع المسيح نفسه؛ ومن شهادة المعمودية التي كان يعلن فيها المؤمنون إيمانهم المسيحي عندما يتعمدون؛ ومن ولائم المحبة المشتركة التي كانوا يحتفلون بها لإعلان موت وقيامة يسوع المسيح؛ ومن الصلاة الجامعة إلى الله والمسيح. وكان يجري تكرار ترديد أقوال يسوع المسيح وقصصه وكل ما أرادوا معرفته في محاضرهم على مسامع المؤمنين. ولهذا السبب نرى أن المصادر الأصلية للإنجيل وكتب العهد الجديد من الكتاب المقدس تعود إلى زمن الكنيسة الأولى.

وكانت صرخة «تعال يا رب» هي صرخة المسيحيين الأوائل التي تمثل صرخة كل المؤمنين على مدى الدهور وأينما كانوا، وتمثل أيضا شوقهم غير المتناهي إلى الرب. فإن الرب يسوع المسيح الذي نُفِّذ فيه حكم الموت، ومات ودُفن، فهو حيّ وليس ميتا من تلك اللحظة فصاعدا، لأنه قد قام من بين الأموات. فكان يدنو إليهم كالواحد الحيّ المهيمن. لقد قام المَسِيَّا يسوع من الموت وسوف يقتحم ملكوته العالم عند مجيئه الثاني! لقد كانت هذه الوقائع هي رسالة أتباعه الأولين، مثل بطرس، الذي ترأّس الكنيسة في أورشليم وقت تأسيسها.

انتشار الرسالة المسيحية

لقد أخذ أصدقاء استِفانوس – الشهيد الأول للمسيحية – هذه الرسالة من أورشليم إلى مدينة أنطاكية الكبيرة (في تركيا حاليا). وترتب على ذلك أن تلك المدينة القريبة ذات الثقافة اليونانية مهدت الطريق لعمل الرسل حتى قبل وصولهم إلى أفسس بآسيا الصغرى أو إلى كورنثوس أو إلى روما. ففي مدينة أنطاكية صاغ أعداؤهم اسم «مسيحيين» كاسم يطلق على شعب المسيح. وذلك الاسم، الذي كان يستخدم لتمييز هؤلاء الذين كانوا ينتمون إلى مستقبل المسيح المسياني (أي العالم العتيد)، كان اسما ملائما فعلا وبشكل عجيب بحيث لم يبق بالتأكيد غير ملحوظ آنذاك من قبل الناس وعلى كافة المستويات. ولقد تمّ إرسال بولس وبرنابا من أنطاكية إلى الأمم الوثنية كرسل للروح القدس. لكن، هل كانا أول رسولين جديدين بعد جماعة التلاميذ الاثني عشر الأصلية؟

Omega and Cross Symbol

إن شهادة بولس – المتمثلة بإعلانه للصليب والقيامة، وبإعلانه للتحرّر والوحدة اللذان ينعم بهما الروح القدس – أثَّرت بقوة في الكنيسة. لقد انتشر عمله في بقاع كبيرة من العالم المعروف في ذلك الوقت. ولقد كان بولس هو الذي أسس، تحت قيادة الكنيسة في أورشليم، معايير للسلوك قامت بتوحيد المسيحيين من خلفية يهودية مع المسيحيين من خلفية أممية (أي وثنية). فقد منع الانحلال الجنسي، ورفض الأوثان باعتبارها قوى شيطانية، أما تحريم تناول الدم في الطعام فقد تمكن به من تأسيس وحدة عملية بين المسيحيين من ذوي خلفيات يهودية وأممية؛ وكانت لتلك الوحدة مدلولها. فلقد كانت تعني نصرة جبارة على سلطان الشياطين، إذ جرى ضربها في الصميم وفضحها كنجاسة غير شريفة وعبادة أوثان وتعطُّش للدماء. وفي سفر أعمال الرسل في الإنجيل نجد ميثاق هذه الاتفاقية. (أعمال 15: 1– 31)

بداية حقبة الكنيسة الأولى بعد الرسل

وليست هناك سنة معينة تحدد الفاصل الزمني بين السنين الأولى للكنيسة وللرسل، وبين المرحلة الانتقالية التي حصلت لاحقا التي يتناولها هذا الكتاب. غير أن الوقت الذي وصلت فيه الكنيسة المسيحية–اليهودية الأولى إلى نهايتها في سنة 70م، عندما تمّ تدمير أورشليم واليهودية من قبل الرومان، يعطينا تاريخا تقريبيا لهذا الشأن. فبمجرد بضع سنوات قبل ذلك التاريخ، مرّ يعقوب، الزعيم الموثوق به للجماعات المؤمنة في أورشليم لأكثر من ثلاثين عاما، من خلال عذاب الموت والاستشهاد، وأيضا بولس وبطرس اللذان كانا من أكثر رسل أورشليم ثمرا، حيث قدّما الكثير للكنيسة. لذلك تتكلم المراجع في هذا الكتاب عن الزمن الذي جاء بعد موت يعقوب، وبعد نهاية أورشليم وبعد استشهاد بولس وبطرس.

ولقد تخللت شهادة الكنيسة الأولى في أورشليم وشهادة رسلها كل تلك المرحلة الزمنية اللاحقة لما كان لها من قوة. فالاستمرارية في الروح الأصلية المستوحاة من السيد المسيح، أظهرت نفسها في العناصر الأساسية لكنيسة أورشليم والمتمثلة في: الرسالة المسيحية المعلنة بواسطة الرسل، وما كتبوه عن أعمالهم، والكتابات اليهودية القديمة، وكتاب العهد الجديد (أي الإنجيل)، والأهم من كل ذلك، موقف الرسل الحازم بوجه الروح الوثنية للنظام القائم من حواليهم.

غير أن الشهادة القوية للكنيسة الأولى صارت أقوى من السابق بشكل مذهل، لأن الكنيسة (بمسيحيتها اليهودية الأولى) استشهدت وتم إبادتها في الحربين الضاريتين اللتين شنتهما روما ضد اليهود، في سنة 70م وسنة 135م. أما الاضطهاد بحق المسيحيين الذي أعقب ذلك الزمن فقد بدأه اليهود الذين تحولوا إلى التعصب كنتيجة لهاتينك الحربين. إلا أنه وبفضل الاستشهاد المشابه لاستشهاد المسيح، إذا جاز التعبير، صارت شهادة الكنيسة الأولى أكثر قوة وأكثر إلهاما لجميع الأجيال.


المقالة مقتطفة من كتاب «شهادة الكنيسة الأولى»

Matthias Grünewald, Isenheim Altarpiece (detail)
مساهمة من Eberhard Arnold اِيبرهارد آرنولد

يقول اِيبرهارد آرنولد، أننا نلمس فعلا في داخلنا جبروت الصليب وقدرته على خلق مجتمع مسيحي أخوي، مثلما نلمس في الوقت نفسه جبروت يسوع المسيح. لكن مع ذلك فإننا نجد أيضا في داخلنا كل ما يعارض المجتمع المسيحي، ويجب أن نكون على دراية تامة بهذه الحقيقة. فنحن ناس اجتماعيون تارة وغير اجتماعيين تارة أخرى. ثم إننا ضعفاء وأنانيون أيضا، ويوجد فينا ذاك الصراع ما بين الثقة وعدم الثقة، حيث جميعنا يؤمن ولا يؤمن...ولا يمكنك أن تعيش حياة دينية بصورة واقعية ما لم تدرك أن هذا الصراع موجود باستمرار.

تعرّف على المزيد
1 تعليقات