aqua blue background texture

التغلّب على الكراهية بالمحبة

ماذا ينهي دوامة الانتقام والقتل؟

بقلم يوهان كريستوف آرنولد Johann Christoph Arnold

March 2, 2020
1 تعليقات
1 تعليقات
1 تعليقات
    أرسل
  • أم بيتر

    نعمة وسلام المسيح مقالة جميلة اختيار موفق وترجمة رائعة حقيقى مش مجاملة. حضرت نهضة الأسبوع الماضي وكانت عن الغفران وعدم الغفران من معطلات النمو الروحي والبركة وقال الواعظ أيضا أن عدم الغفران يسبب الأمراض كالجلطات مما ينتج عنه الشلل وأن نترك هذا الحمل الثقيل وأنه خطية يجب أن نتوب عنها ونطلب المعونة من الله لكى نتغلب عليه.شكرا جزيلا والرب يبارككم ويعوض تعب محبتكم

يقول التاريخ: لا تترجى شيئا في القبر
لكن وأنت حيّ الآن،
ستعلو موجة العدالة التي
طال انتظارها،
وعندئذ يرتبط الواقع بالأمل

لذا ارجُ تغيُّرا كبيرا في البحر
بعيدا عن الانتقام
وآمن أن هناك شاطئ أبعد
يمكن الوصول إليه من هنا
فآمن بالمعجزات وينابيع الشفاء

مقطع مترجم من قصيدة للشاعر شيموس هيني Seamus Heaney
وهو بريطاني من إيرلندا الشمالية
حائز على جائزة نوبل في الأدب لسنة 1995م

أمسك جوردون ويلسون Gordon Wilson بيد ابنته عندما اِنحصرا تحت أكوام من الأنقاض. كان ذلك في عام 1987م عندما كان وابنته ماري Marie يحضران مراسيم لذكرى معينة في مدينة إنيسكيلين Enniskillen في إيرلندا الشمالية. وكانت الأجواء هادئة جدا أثناء المراسيم. وهناك انفجرت قنبلة إرهابية. وفي نهاية اليوم لقت ماري وتسع مدنيين آخرين مصرعهم ونُقل ثلاثة وستون آخرون إلى المستشفى لإصابتهم بجراح.

والغريب أن جوردون رفض الانتقام قائلا أنّ الكلمات الغاضبة لا يمكن أن تعيد له ابنته، ولا أن تأتي بالسلام إلى بلده. وبعد ساعات قليلة من الانفجار تحدث مع مراسل الـ بي. بي. سي قائلا:

لقد فقدت ابنتي، وطبعا سنفتقدها، لكني لا أحمل ضغينة ولا حقدا في قلبي، فهذا لن يعيدها لي... ولا تسألوني من فضلكم عن السبب... لأنه ليست لدي إجابة. لكني أعلم أنه لابد وأن هناك قصدا من وراء موتها. ولو لم أفكر بهذه الطريقة لانتحرت بالتأكيد. إذ أن موتها جزءا من خطة أعظم... وسنتقابل معا مرة أخرى.

Gordon Wilson

وقال جوردون لاحقا أن كلامه ليس عبارة عن إجابة لاهوتية عن موت ابنته. فهو مجرد عبّر عما كان يخالج صميم قلبه. وبعد مضي أيام وشهور على الانفجار، صارع لكي يحيا بحسب هذا الكلام. ولم يكن أمرا كهذا سهلا، لكن كان هذا الكلام بمثابة شيء يتعلق به، وشيء ليجعله حيّا في الساعات الحالكة.

وكان يعلم أن الإرهابيين الذين قضوا على حياة ابنته لم يشعروا بالندم، وقد أراد أن يحصلوا على العقاب ويودَعوا في السجن. وقد أساء كثيرون فهمه لأنه رفض أن يطلب الانتقام لحياة ابنته. فقد قال:

هؤلاء المسئولون عن ارتكاب هذا الفعل سيواجهون دينونة الله وعقابه، التي هي خارج نطاق مغفرتي لهم... وقد يكون خطأ من جانبي أن أعطي انطباعا أن هؤلاء المسلحون ومن ضربوا تلك القنبلة يجب أن يطلق سراحهم ليسيروا أحرارا في الشوارع، لكن... سواء تمّت محاكمتهم هنا على الأرض بقانون المحاكم أو لم تتم... فإنني سأبذل قصارى جهدي كبشر أن أظهر لهم الغفران... وصاحب القرار الأخير سيكون الله.

لقد ساهم غفران جوردون للقتلى مساهمة إيجابية وجعله يتأقلم مع وفاة ابنته المفاجئ وآثارها التي امتدت إلى أمور أبعد منه كبشر. لقد كسرت كلماته دوامة القتل والانتقام على الأقل وقتيا: فقد أحسّ قادة المليشيات البروتستانتية بالذنب لشجاعة جوردون من أنه لم يطالب بالانتقام.

الحقيقة هي أننا حتى لو أدركنا حاجتنا إلى الغفران، فإننا في بعض الأحيان ننغوي وندّعي أنه ليس بإمكاننا أن نغفر. فنبرر موقفنا أن الأمر صعب جدا، وموجع جدا؛ وقد نظن أن القدرة على الغفران لا يتمتع بها إلّا القديسين، لا نحن. وقد نعتقد إما أننا انجرحنا زيادة، أو لم يتم سماع جانبنا من القصة، أو لم يقدر أحد أن يفهم ما مررنا به.

إن قصة ستيفن ماكدونالد Steven McDonald قد تأثر بها كثير من الأمريكيين، لكن بدا أن مجرد قليلين هم الذين فهموا أن غفرانه لم يكن عمل بطولي لقوة إرادة خارقة الطبيعة. كان ستيفن ضابطا في البوليس في مدينة نيويورك حين تمّ أطلاق الرصاص عليه، مما أصابه بالشلل من الرقبة إلى أسفل أثناء استجوابه لثلاثة من الشباب في المتنزه المركزي للمدينة Central Park. ولم يكن قد مضى على زواجه عام واحد آنذاك، وكانت زوجته حاملا في الشهر الثاني.

كان شافود جونس Shavod Jones، وهو الشخص الذي هاجم ستيفن، يسكن في أحد مشاريع الإسكان الفقيرة في حي هارلم في مدينة نيويورك، في حين كان ستيفن يعيش في مقاطعة ناساو الغنية التي تقطنها غالبية بيضاء. وكان من الممكن أن تنتهي المقابلة القصيرة بين الاثنين بالسجن لأحدهما وبالشعور بالنقمة طوال الحياة للآخر، لكن قبل أن يتمّ إطلاق سراح شافود كان ستيفن قد بدأ في مراسلته مع شافود محاولا أن يخلق سلاما في حياة ذلك الشاب وأيضا معنى. فكتب قائلا:

لم يبرح من ذهني السؤال: لماذا أطلق عليّ الرصاص؟ وأنا مضطجع في الطابق السادس من الجناح الجنوبي للمستشفى، أنظر إلى السقف متحيرا، لكني وجدت أنه لا يمكنني أن أكرهه، فقد أتت به الظروف إلى ذلك المتنزه في تلك الظهيرة، ومعه مسدسا يخبئه في سرواله.

فلم أكن أنا سوى شارة شرطي لذلك الصبي، أو زيّ يمثّل الحكومة، فقد كنت في نظره النظام الذي جعل أصحاب الأملاك يطالبون بإيجار للشقق الحقيرة في المباني المتهالكة؛ وقد كنت أمثّل في نظره الجهة المسئولة في المدينة التي تتولى أمر جيرانها من الأحياء السكنية الفقيرة وتطرد سكانها بحجة تحسين المستوى وبغضّ النظر عما إذا كانوا ناسا ملتزمين بالقانون أو مجرمين، وقد كنت أنا الضابط الايرلندي الذي ظهر في نزاع محلي ورحل دون أن يفعل شيئا لأنه لم يكن هناك خرق للقانون.

وبالنسبة إلى شافود جونس كنت أنا كبش الفداء، والعدو. فمن جهته لم يرني كإنسان، أو كشخص له أحبائه، أو كزوج له زوجة أو كأب في القريب العاجل إن شاء الله. فقد تربى على نظرة مجتمعه لرجال الشرطة الذين يتسمون بالعنصرية والعنف، لذلك كان عليه أن يتسلح ضدهم. كلا، لا يمكنني أن ألوم جونس. فقد كان المجتمع – الذي يتألف من أسرته والهيئات الاجتماعية المسئولة عنه والناس الذين جعلوا من المستحيل أن يحيا أبواه معا تحت سقف واحد – كان المجتمع هو الذي أخفق معه بمدة طويلة قبل أن يتقابل شافود جونس مع ستيفن ماكدونالد في متنزه المدينة...

في بعض الأيام حين أشعر أنني لست على ما يرام، أشعر بالغضب الشديد، لكني أدركت أن الغضب مشاعر بلا فائدة. فأحيانا أشعر بالغضب تجاه ذلك المراهق الذي أطلق عليّ النيران، لكني كثيرا ما أشعر بالأسى نحوه. ورجائي الوحيد هو أن يتمكن من تغيير وإصلاح حياته لكي يساعد الناس بدلا من إيذائهم. فأنا أغفر له وأسامحه كليّا، وآمل أن يحصل على السلام وعلى هدف لحياته.

لم يردّ شافود على خطابات ستيفن في البداية، وعندما أجاب عليها فشلت المبادرة لأن ستيفن رفض طلبه لمساعدته في الحصول على إطلاق سراح مشروط. غير أن شافود قُتِل في حادث اصطدام دراجة نارية في شارع ماديسون بعد مضي ثلاثة أيام فقط من إطلاق سراحه من السجن.

وقبل عدة أشهر عندما زرت ستيفن في منزله بجزيرة لونغ آيلند Long Island في نيويورك، انذهلت لسلوكه الرقيق ولعينيه اللامعتين المفعمتين بالحيوية، وفي الوقت نفسه انذهلت لعجزه الكبير وتعوّقه. فالحياة على كرسي متحرك من الصعب جدا أن يقبلها حتى العجوز، فما بالك أن يتخلى إنسان عن الحياة الطبيعية النشيطة في سنّ التاسعة والعشرين فهو أمر مُحبط من دون شك. وفوق هذا كله، لديه قصبة هوائية اصطناعية للتنفس بواسطتها، وهو غير قادر حتى على احتضان أبنه ذي العشر سنوات، فهذا هو ستيفن ماكدونالد، لكني ومع كل ذلك لم أشعر بأي غضب أو بأي نقمة في داخله.

لقد فتح قلبه لي وحكى بهدوء لكن بحزم، وشرح لي كيف أن التعرض لتلك الطلقة، دفعه إلى أن يعيد تقييم حياته كلها:

في البداية كان الغفران سبيلا لي يمكّنني من مواصلة الحياة، وأسلوبا لنسيان هذا الحادث الفظيع، لكن أدركت فيما بعد أنني كنت أحيا حياة أنانية، وأنني أنا نفسي كنت بحاجة إلى الغفران، وبهذه البساطة ومن غير لفٍ ودوران.

ووجد ستيفن هدفا ومعنى لحياته عندما بدأ يعلّم ويحكي للناس عن الغفران، فهو يتحدث باستمرار في المدارس الابتدائية والثانوية وفي حفلات التخرّج. ويرى أن هذا هو الدعوة أو العمل الذي أعطاه إياه الله ليتممه.

وبعد مضي أحد عشر عاما من إطلاق الرصاص على ستيفن، ما زالت زوجته باتي Patti وفيّة له وتدعمه وتساعده.

وهما يصارعان يوميا مع حقيقة عجزه وآثارها على زواجهما. وكثيرا ما يقاوم ستيفن مشاعر الكآبة وأفكار الانتحار. غير أنني عندما سألته إن كان الغفران نفسه صراعا، قال: «لا، إنه نعمة إلهية.»

لا يمكن أن يكون الغفران سهلا عندما ينجرح الإنسان بشدة. إلا أننا حتى في الحزن الشديد فإننا نواجه خيارا: إما أن

Steven McDonald

نحب وإما أن نكره، إما أن نغفر وإما أن ندين، إما أن نسعى للمصالحة وإما للانتقام. وربما يكون ستيفن متوجع داخليا ويشعر بالألم النفسي، لكنه يغيّر حياة الكثيرين حتى هذا اليوم لأنه اختار طريق السلام والغفران والمصالحة.

ومن أحد الأبطال الذين يعتز بهم ستيفن هو مارتن لوثر كنج Martin Luther King. ففي أثناء زيارتي له طلب من الممرضة أن تأتي له بمجموعة من أقوال ذلك الزعيم بشأن حقوق المدنيين التي قرأ منها السطر المفضل لديه الذي يقول: «إن الغفران ليس تصرفا عرضيا، لكنه موقف دائمي.»

غفر كريس كاريير Chris Carrier لرجل قد يرغب معظمنا في موته. فعندما كان صبيا في العاشرة من عمره في مدينة ميامي الأمريكية تعرض للاختطاف والاعتداء عليه من أحد موظفي والده السابقين، ثم تركه بعدها بين الحياة والموت في متنزه أيفركليدز Everglades الحكومي الكبير المساحة والمليء بالمستنقعات في ولاية فلوريدا، فكتب كريس قائلا:

لم يكن يوم الجمعة قبل إجازة عيد الميلاد Christmas يوما عاديا. فقد كان آخر يوم في المدرسة وعليه فقد خرجنا من المدرسة مبكرا وقبل الموعد المعتاد.

تركت أوتوبيس المدرسة في الساعة 1.15 بعد الظهر وبدأت في السير متجها إلى المنزل. وبدا أن هناك رجلا عجوزا يسير باتجاهي على الرصيف وكأنه يعرفني. وكنت على بعد منزلين فقط من منزلي، فقدّم إليّ نفسه على أنه أحد أصدقاء والدي. وأخبرني بأنه يُعدّ حفلة لوالدي وطلب مني مساعدته في تزيين المكان.

وافقتُ وسرت معه تجاه الشارع مرة أخرى حتى مركز الشباب حيث كان يترك سيارته (التي هي منزل في ذات الوقت). وبمجرد أن ركبت السيارة معه، وضعت متعلقاتي عني حتى أريّح نفسي.

اختفت مدينة ميامي من أمامي بسرعة لأن الرجل كان يتجه نحو الشمال. وأوقف السيارة في منطقة بعيدة عن المواصلات العامة وعلى جانب الطريق، وادعى أنه قد فاتته الاستدارة. فأعطاني خريطة وطلب مني أن أبحث عن رقم معين، ثم ذهب إلى مؤخرة السيارة مدّعيا أنه «سيجلب شيئا ما.»

وفيما أنا منتظر وانظر إلى الخريطة شعرت بلسعة في كتفي ثم أخرى. فالتفتُّ ورائي فرأيته يحمل معولا لكسر الجليد في يده. ثم سحبني من مقعدي ورماني على الأرض. فجلس بركبتيه عليّ وأخذ يطعنني في صدري عدة مرات. فرجوته أن يتوقف عن هذا ووعدته أنه لو تركني وشأني فإني لن أخبر أي شخص بما حدث.

وشعرت براحة لا توصف عندما قام من عليّ. وأخبرني أنه سيُلقي بي في مكان ما وبعدها سيُكلم أبي وسيعرّفه بمكاني. وسمح لي أن أجلس في مؤخرة السيارة وهو يقودها، لكني أدركت الحقيقة المؤلمة من أن هذا الموقف خارج نطاق سيطرتي. وعندما سألته لماذا يفعل هذا معي، قال لي: «إن أباك كان السبب في أن أخسر مبلغا كبيرا من أموالي.»

وبعدما قاد السيارة لما يقرب من الساعة أو أكثر، اتجه إلى طريق جانبي ترابي، وأخبرني أن هذا هو المكان الذي سيأتي إليّ أبي ليأخذني منه. وسرنا معا بين الأحراش وجلست في المكان الذي أجبرني على الجلوس فيه. وآخر ما أتذكر هو رؤيته وهو يمضي في طريقه ويتركني.

وبعد مضي ستة أيام، وفي مساء يوم 26 كانون الأول/ديسمبر وجد أحد صيادي الغزلان المحليين الصبي كريس. وكان رأسه ينزف وعينيه سوداويين، فقد أطلق عليه الرصاص في رأسه واخترقه. وبأعجوبة لم يُصب مخّه بأذى، لكنه لا يتذكر أن هناك من أطلق عليه الرصاص.

في الشهور التالية كان كريس يصارع يوميا مع شعوره بعدم الأمان، لأنه كان يعلم أن الشخص الذي اختطفه حرّ طليق. وكان عليه أن يتجاوب مع الآثار المترتبة على جرحه، حيث أُصيب بالعمى في أحد عينيه، مما جعله غير قادر على الاشتراك في أية رياضة. وكان قلقا بشأن مظهره وهذا شيء يشعر به أي مراهق.

كره كريس التحدث عما حدث له، وتذكّر كيف أن هذه «الأعجوبة» كان لها أن تتركه في وضع تعيس فعلا. والغريب أنه تغيّر عند سن الثالثة عشر. فقد بدأ يرى ذلك الكابوس الذي حدث معه بطريقة مختلفة. وأدرك أن جرحه كان من الممكن أن يكون أسوأ من هذا بكثير، فربما كان قد تعرض بسببه للموت. وأدرك أيضا أنه لا يمكنه أن يظل غاضبا للأبد. وقرر أن ينسى هذا الحادث، وينسى كذلك وللأبد الرغبة في الانتقام والشفقة على الذات.

وبعد اثنتي وعشرين سنة تلقّى كريس مكالمة تليفونية غيّرت حياته مرة أخرى. فقد اتصل به محقّق من قسم شرطة مدينة كورال جابلِس Coral Gables ليخبره أن هناك رجلا يُدعى ديفيد ماك أليستر David McAllister قد اعترف بأنه اختطفه. فقد كان ديفيد يعمل في السابق كممرض مساعد لعم كريس العجوز، وقد طُرد من عمله بسبب إدمانه للخمر. فقام كريس بزيارة ديفيد في اليوم التالي. ويقول كريس:

عندما زرته في تلك الظهيرة شعرت بالشفقة عليه. فلم يعد ديفيد ماك أليستر هو الشخص المرعب نفسه الذي اختطفني، لكنه أصبح رجلا عجوزا في السابعة والسبعين من عمره وكان وزنه أكثر بقليل من ستين رطلا. وقد أصبح أعمى بسبب المياه الزرقاء، وقد تُلِف جسده بسبب شرب الخمور والتدخين. ولم يعد له أصدقاء أو عائلة. أي بكلمة أخرى، كان رجلا يواجه الموت بندم شديد.

وعندما بدأت أتحدث مع ديفيد كان قاسيا، فربما أعتقد أنني كنت مجرد ضابط شرطة آخر، فسأله أحد أصدقائي الذي رافقني بعض الأسئلة البسيطة لكي يقوده للاعتراف بأنه اختطفني، قائلا: «ألا ترغب في أن تخبر ذلك الصبي الصغير بأنك ندمت على ما فعلته معه؟» فأجاب ديفيد مؤكدا: «أتمنى لو كان بإمكاني فعل هذا.»

عندئذ قدّمتُ نفسي إليه، وعلى الرغم من أنه لم يستطع رؤيتي، ألاّ أنه أمسك بيدي وأخبرني أنه آسف على ما فعله معي. وبالمقابل عرضتُ عليه صداقتي وأخبرته بأني قد غفرت له.

Chris Carrier

يقول كريس إنه لم يكن صعبا عليه أن يغفر، لكن وسائل الإعلام لم تفهم لماذا غفر له أو كيف حدث هذا. لقد أُعجبت وسائل الإعلام بقدرته على الغفران، لكنها لم تستطع أن تدرك ما الذي دفعه لمثل هذا الغفران. فوسائل الإعلام لا تدرك عادة معنى الغفران، فيبدو أنها لا تركز سوى على قصة الاختطاف وتفاصيل التعذيب، أما كريس فيقول:

هناك سبب قوي للغفران، فعندما يخطئ الآخرون في حقنا، يمكننا أن نتجاوب مع هذا الأمر بطريقتين، إما أن نسعى للانتقام من الشخص الذي أخطأ في حقنا، وإما أن نغفر له. ولو اخترنا الانتقام، لسيطر الغضب على حياتنا، لأن الثأر يسلبنا حياتنا، إذ من الصعب أن نرضي مشاعر الغضب التي في داخلنا، وقد نصاب بالإدمان عليه، إلاّ أن الغفران يسمح لنا بقلب صفحة جديدة ومواصلة الحياة.

وهناك سبب آخر يدفع الإنسان للغفران، فالغفران هو نعمة إلهية – أنه رحمة. فإنه عطية حصلت عليها ويمكنني أن أقدّمها إلى الآخرين. وفي كل الحالات أشعر بالرضا التام.

وفي الأيام التالية لهذا الاجتماع بدأ كريس في زيارة ديفيد بصفة منتظمة مع زوجته وابنتيه. وقضى الرجلان ساعات طويلة معا في الحديث وذابت قسوة الرجل العجوز بالتدريج. وفي أحد الأمسيات بعد ثلاثة أسابيع من تلك الحادثة، وبعد أن أودع كريس صديقه المريض إلى الفراش لينام، مات ديفيد.

ترينا قصص جوردون وكريس وستيفن التناقض في السرّ الذي نطلق عليه «الغفران.» فيرى الكثيرون منا أنه من الصعب أن نتخلى حتى عن الضغائن الصغيرة. غير أن هؤلاء الرجال الثلاثة الذين عانوا أكثر بكثير من أسوأ كوابيسهم، استطاعوا أن يغفروا بسهولة عجيبة. وربما لا يكون هذا بسبب طبيعتهم، لكنه يرجع إلى قوة أكبر منهم. وفي النهاية لم يستمد هؤلاء الرجال قوتهم للغفران من خلال بحثهم عن السلام فحسب بل أيضا بفضل إيمانهم بالله، وبالعمل الفدائي للرب يسوع على الصليب.

وهذه المقالة مقتطفة من كتاب «لماذا نغفر؟»

ripples on the surface of blue water
مساهمة من Johann Christoph Arnold يوهان كريستوف آرنولد

هناك الكثير من المقالات والكتب الإلكترونية المجانية بقلم يوهان كريستوف آرنولد عن الزواج المسيحي واِتِّباع المسيح والصلاة والبحث عن السلام.

اِقرأ المزيد
1 تعليقات
Email from Plough

اِبقَ على تواصل

واشترك في رسالة المحراث الأسبوعية الإلكترونية