ما الخطيئة؟

إنَّ القطيعة الكبيرة للبشر مع الله هي السبب الجذري لزيادة غرقه في الفساد بشكل أعمق وأعمق، ماديًّا وروحيًّا. (راجع رومة 1: 18–32) وإنًّ معنى أن يحيا الإنسان بحقٍّ هو أن يقتلع من حياته كل شيء مُكبَّلا بالموت. فنحن مرضى بخطايانا بصورة ميؤوسة منها، وسوف نموت فعلاً ما لم يحررنا الله من الخطيئة والشرِّ. (راجع رومة 6: 20–23) أمَّا الكراهية، والقتل، والكذب، والجُبْن، والغش، والعلاقات غير الشريفة، والانحطاط في ممارسة الملذات، فهي كلها رذائل وأعمال مُدمِّرة للحياة. فهي تعمل شيئًا فشيئًا وبشكل أكيد على إطفاء آخر بصيص للحياة الحقيقية في داخل كل مِنَّا، في الوقت الذي تُبهِرُنا كل هذه الرذائل بِوَهَم يعطينا انطباعًا خدَّاعًا بأننا ممتلئون بفضلها بحيوية كبيرة في الحياة.

*******

أتُعتبر جميع الخطايا شكلاً من أشكال المرض؟ فلو قلنا نعم، فسوف نُعرِّض أنفسنا إلى خطر التملُّص من مسؤوليتنا عن اقترافها. وذلك أمرٌ خطيرٌ للغاية. فالبشرية اليوم مُعرَّضة للموت، وهذا مرض؛ ولكن يُبيِّن الكتاب المقدس لنا أن العنصر السام والقاتل في الموت هو الخطيئة، وأيضًا أننا لن نموت إن لم تستعبدنا الخطيئة، كما يُبيِّن ذلك الإنجيل:

لَقَدْ دَخَلَتِ الخَطِيَّةُ إلَى العَالَمِ مِنْ خِلَالِ إنْسَانٍ وَاحِدٍ، وَبِالخَطِيَّةِ دَخَلَ المَوْتُ. وَهَكَذَا سَادَ المَوْتُ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ، لِأنَّ الجَمِيعَ قَدْ أخطَأُوا. (رومة 5: 12)

إنَّ الخطيئة هي ما تقترفه أيادينا. وعندما نقترف إثمًا نقوم بإنهاء شركتنا مع الله، والانضمام إلى شركة شريرة ذات قوى معادية لله.

تصنع الخطيئة رباطًا مع السُّمَّ. وهي تدمر الحياة، وتمزق الشركة مع الله – أي تلك العلاقة الحيَّة مع الله، الذي هو الروح القدس الواهب للحياة الصالحة. وإننا برغم ذلك مسؤولون عن خطايانا حتى لو عرفنا أن الخطيئة مرتبطة مع المرض الذي هو موت؛ لأن الخطيئة هي من نتاج عملنا وإرادتنا الخالصة.

*******

من الخطأ أن نقول نعم لكل شيء في الحياة ونقبل به كما هو عليه. فيجب علينا اتخاذ موقف من كل ما ينتظرنا في الحياة من ملذات ومصاعب على حد سواء، بحيث يكون موقفًا واضح المعالم وخاليًا من المساومات. وربما يكون حتى لأشرِّ أنواع الشرور معنى أو فائدة خلال مجرى التاريخ، إلاَّ أنه يجب على كل مَنْ شُدَّ كيانه لله أن يتخذ موقفًا مضادًا من ذلك الشرِّ. فمن الواجب أن يقتلع الإنسان هذا الشرِّ من حياته (أو حياتها) ويسعى للتغلب عليه لصالح البشرية جمعاء. ورغم أن هذا الموقف يتضمن الجهاد، إلاَّ أنه ضروري جدًا، فهو تأكيد أصيل وإصرار على ترجيح الحياة الصالحة. لأن الحياة الصادقة لا تطيق احتضان أيِّ شيء يؤدي إلى الزيف، أو الغدر، أو الكذب، أو سوء النية، أو السماح للأموال أو غيرها من الأشياء الخارجية بأن تهيمن علينا. وإلاَّ فإنها تصبح عبودية، أيْ تصبح إنكارًا جذريًّا للحياة. أمَّا عندما يمسك الروح القدس حياتنا، فإنه في هذه الحالة فقط يكون في وسعنا اتخاذ موقف إيجابي حقيقي يتضمن التأكيد على الأمور العظيمة والمحبة من ناحية، ورفض كل شيء شرير آخر، من ناحية أخرى.

*******

التوبة

تعني التوبة أن الشخص يشعر بالنفور والاشمئزاز من كل حياته أو حياتها الأثيمة ومن كل خطيئة من خطاياه أو خطاياها. فتصبح الخطايا بغيضة للغاية عند التائب. فالتوبة توجُّع ناجم عن نفور كامل عن الخطايا؛ إنها مشاعر الندم التي يتمنى الإنسان فيها أن يصلح ما فات لو كان بمقدوره ذلك حتى لو كلَّفه الأمر بذل حياته كلها؛ إنها مشاعر الارتياع الهائلة التي تكتنف كيان الإنسان، وهي مشاعر تفضيل الموت على أن يعيش مرة ثانية مع أيٍّ من هذه الأدناس حتى بدرجاتها الطفيفة. فالتوبة ندامة، وقطيعة نفسية تامة مع الحياة الباطلة، التي كانت تحاول أن تجعل من الفرد بميوله (أو بميولها) الشيطانية أن يحلَّ محلَّ الله.

*******

تعني التوبة أننا يجب أولا وقبل كل شيء أن ندرك ونقرَّ إقرارًا كاملاً بفظاعة ما اقترفناه، وبما يحمله من لعنة. ويجب علينا أن نرى بوضوح أن ما اقترفناه مُدمِّر وقاتل. أمَّا البقية فستأتي تدريجيًّا.

من المهم عدم التحدُّث عن تحرُّرنا في مجال واحد، ما لم نكن قد تحررنا في الوقت نفسه في جميع المجالات الأخرى. وينبغي أن لا نتوهم بأننا نتخذ موقفًا حازمًا في الوضع السياسي، أو ندعي بأننا أنقياء تمامًا من الظلم الاجتماعي، ما لم نكن في الوقت نفسه مُتحررين من الكذب والزنى. فمن المستحيل إدانة خطيئة معينة والمجاهدة ضدها، في الوقت الذي نرخى ونتساهل مع غيرها.

*******

إنَّ معنى الولادة الروحية الثانية التي تكلم عنها يسوع مع الرجل الذي جاء إليه ليلاً هو التوبة. (راجع يوحنا 3: 1 – وما يليه) وتعني التوبة انقلابًا شاملاً ودقيقًا في حياة الإنسان. ويُبرِئنا الرب بهذه الولادة الجديدة من جميع خطايانا، ويُخَلِّصنا لأن خطايانا قد غُفرت واندحرت بفضل يسوع المسيح، ذاك المصلوب والقائم من بين الأموات. ويبدأ الانقلاب المصاحب للتوبة بتغيير حياتنا الأخلاقية تغييرًا جذريًّا. وما لم نقلع عن كل الشرور، لا يكون هناك تغيير حقيقي، ولا توبة حقيقية. وما دمنا نقترف الخطيئة، فنحن عبيدٌ لها. ولكن لو كنا مولودين من الله، فلن نُخطِئ.

*******

الغُفران يلي التوبة

نحن نعترف بأننا لسنا معصومين من الخطيئة ولا يمكن أن نكون بلا خطيئة. فنبقى دائمًا بحاجة إلى المغفرة، فلذلك يلزمنا أن نطلب المغفرة والصفح باستمرار. ومثلما نحن نحتاج إلى المغفرة، فيجب علينا أن نغفر للآخرين. ويهبنا المسيح، الذي جاء من السماء إلى الأرض لمساعدتنا، القوة لمسامحة الآخرين.

لذلك، فإنَّ الرسالة التي يتعين علينا إعلانها هي كالآتي: من الممكن التحرُّر من سيطرة جسدنا وشهواته علينا، وكذلك من عنادنا، وسيُمكِّننا هذا التحرُّر عندئذ من حبِّ الآخرين حُبًا طاهِرًا كبيرًا يجعلنا نغفر لهم من كل قلوبنا جميع سيئاتهم نحونا. وبهذا ستتجدد قلوبنا، حتى أن موقفنا بشأن العدل سيكون حَقَّاني، لأنه سيكون مُطابِقًا لعدل ملكوت الله.

*******

لقد وَهَبَ يسوع المسيح روحه لوحدة الكنيسة بسلطان كامل لتمثيل ملكوته، وهذه الوحدة هي وحدة الرُّسُل. وإنَّ صلاحيتهم التي تُخوِّلهم الحقَّ في الحلِّ والربط – أيْ منح الغُفران أو مسكه – مكَّنت الناس من التحرُّر تمامًا، ليتسنى لهم دخول ملكوت الله. فلا يمكن لأيِّ ضمير أن يحيا بدون مغفرة الخطايا، وإلاَّ فسيموت الضمير. ولا يمكن لأحد أن يرى ملكوت الله بدون مغفرة خطاياه. وقد عُهِد إلى كنيسة الله، المُتَّحدة في الإيمان والحياة، بسلطان مغفرة الخطايا، الذي يسري مفعوله على ضمائر كل البشر؛ فقد وُهِبت الكنيسة حياة مماثلة لحياة يسوع وحياة ملكوته المستقبلي، مسؤوليةً لها وامتيازًا، في هذا اليوم وفي هذا العصر.

فلنشكر الله على نعمة مغفرة الخطايا. فبدونها لا يمكننا المثول أمام الله يومًا واحدًا؛ وبدونها لا يمكننا العيش في الحياة المشتركة ليوم واحد. وبدونها لا يكون هناك لا فرح ولا محبة، لأن الذي قد غُفِر له كثيرًا هو الوحيد الذي يحب كثيرًا. (راجع لوقا 7: 47) فلنشكر الله ونحمده على أن سِرَّ الغُفران حيٌّ بيننا. ونصلِّي باستمرار لأجل أن تساعدنا قوة الروح القدس على أن نغفر ونسامح، في كل ساعة وكل لحظة، كل إساءة من الآخرين، وكل نقيصة باقية بيننا. ولا يمكننا أن نسأل الله أن يغفر خطايانا ما لم نغفر لجميع الذين أخطئوا بحقنا، كما علَّمنا الرب يسوع المسيح في مَثَل العبد القليل الشفقة:

حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بُطْرُسُ وَقَالَ: «يَا رَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟» قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ. لِذَلِكَ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا مَلِكًا أَرَادَ أَنْ يُحَاسِبَ عَبِيدَهُ. فَلَمَّا ابْتَدَأَ فِي الْمُحَاسَبَةِ قُدِّمَ إِلَيْهِ وَاحِدٌ مَدْيُونٌ بِعَشْرَةِ آلاَفِ وَزْنَةٍ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُوفِي أَمَرَ سَيِّدُهُ أَنْ يُبَاعَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَأَوْلاَدُهُ وَكُلُّ مَا لَهُ، وَيُوفَي الدَّيْنُ. فَخَرَّ الْعَبْدُ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ، تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيعَ. فَتَحَنَّنَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْعَبْدِ وَأَطْلَقَهُ، وَتَرَكَ لَهُ الدَّيْنَ. وَلَمَّا خَرَجَ ذَلِكَ الْعَبْدُ وَجَدَ وَاحِدًا مِنَ الْعَبِيدِ رُفَقَائِهِ كَانَ مَدْيُونًا لَهُ بِمِئَةِ دِينَارٍ، فَأَمْسَكَهُ وَأَخَذَ بِعُنُقِهِ قَائِلاً: أَوْفِنِي مَا لِي عَلَيْكَ. فَخَرَّ الْعَبْدُ رَفِيقُهُ عَلَى قَدَمَيْهِ وَطَلَبَ إِلَيْهِ قَائِلاً: تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيعَ. فَلَمْ يُرِدْ بَلْ مَضَى وَأَلْقَاهُ فِي سِجْنٍ حَتَّى يُوفِيَ الدَّيْنَ. فَلَمَّا رَأَى الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ، حَزِنُوا جِدًّا. وَأَتَوْا وَقَصُّوا عَلَى سَيِّدِهِمْ كُلَّ مَا جَرَى. فَدَعَاهُ حِينَئِذٍ سَيِّدُهُ وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ، كُلُّ ذَلِكَ الدَّيْنِ تَرَكْتُهُ لَكَ لأَنَّكَ طَلَبْتَ إِلَيَّ. أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضًا تَرْحَمُ الْعَبْدَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟ وَغَضِبَ سَيِّدُهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْمُعَذِّبِينَ حَتَّى يُوفِيَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ. فَهَكَذَا أَبِي السَّمَاوِيُّ يَفْعَلُ بِكُمْ إِنْ لَمْ تَتْرُكُوا مِنْ قُلُوبِكُمْ كُلُّ وَاحِدٍ لأَخِيهِ زَلَّاتِهِ.» (متى 18: 21–35)

 

هذه المقالة مقتطفة من كتاب «ثورة الله»