لقد كان يسوع المسيح واضحا جدا حين قال:
سَمِعْتُمْ أنَّهُ قِيلَ: عَينٌ بِعَينٍ وسِنٌّ بسِنٍّ. أمَّا أنا فأقولُ لكُم: لا تُقاوِموا مَنْ يُسيءُ إلَيكُم. مَنْ لطَمَكَ على خَدِّكَ الأيْمنِ، فحَوّلْ لَه الآخَرَ. (متى 5: 38–39)
وهو بالحقيقة يضرب على الوتر الحساس عندما أضاف قائلا:
سَمِعتُم أنَّهُ قِيلَ لآبائِكُم: لا تَقتُلْ، فمَنْ يَقتُلْ يَسْتَوْجِبْ حُكْمَ القاضي. أمَّا أنا فأقولُ لكُم: مَنْ غَضِبَ على أخيهِ اَستَوجَبَ حُكمَ القاضي، ومَنْ قالَ لأخيهِ: يا جاهلُ اَستوجبَ حُكمَ المجلِسِ، ومَنْ قالَ لَه: يا أحمقُ اَستوجَبَ نارَ جَهَنَّمَ. (متى 5: 21–22)
يا لها من وصية في غاية الجديّة؛ فهي لا توصيني بعدم القتل فحسب، بل أيضا من المفترض أن لا أغضب على أحد أو أدعوه أحمق! لقد أوصانا المسيح بأن يحب بعضنا بعضا كإخوة وكأخوات، وبأن نعيش في سلام ومحبة وتعاون ومقاسمة. وطبعا، فإنّ هذا يعني أيضا أنه غير مسموح لنا أن نذهب وننتهك حقوق الآخرين أو احتلال أراضيهم أو إشعال الفتنة بين الناس والتحريض على العنف، سواء كان على الصعيد القومي أو الدولي.
إنّ يسوع المسيح نفسه عمل بهذه الوصية عندما صار محاطا بالجنود لإلقاء القبض عليه في بستان الجسمانية. ونرى كيف مدّ بطرس يده واستل سيفه وقطع أذن خادم رئيس الكهنة. إلّا أن يسوع المسيح لمس أذن الرجل فشفاها، وقال لبطرس:
إِغمِدْ سيفَك، فكُلُّ مَن يَأخُذُ بِالسَّيف بِالسَّيفِ يَهلِك. (متى 26: 52)
لذلك، أصبحتُ أنا شخصيّا أمام الرهان: ألا يجب عليّ إذن أن أغمد سيفي؟
فكرتُ في أن أذهب ببساطة إلى السلطات العسكرية، وأقول لهم إني لا أريد الاشتراك في الجيش لأن إيماني ينهيني عن إيذاء الآخرين. غير أني خفتُ، لأنهم بالتأكيد سوف يعدموني في الحال بتهمة أني منتهك للقانون وخائن. إضافة إلى ضعف موقفي، لأنه ليس هناك أي دعم كنسي بهذا الصدد.
ثم فكرتُ في فكرة أخرى، وهي الهروب إلى الجانب الإيراني وتقديم طلب اللجوء هناك. إلّا أني فكرت أولا في التعذيب الذي ممكن أن يحصل من الجانب الإيراني لاستجوابي والحصول على معلومات عسكرية. ثم فكرت في أهلي الذين سيلاقون هم أيضا استجواب ومضايقات الحكومة العراقية من جراء ذلك.
لذلك، لم يكن لدي أي خيار آخر سوى البقاء في الجيش على أمل أن تنتهي الحرب قريبا. إلّا أني تعهَّدتُ بأنه لو صادفني عدو في معركة ما فلن أقتله بل أدعه يقتلني. ولم يكن هذا القرار سهلا على الإطلاق؛ لقد تطلّب الكثير من الصلوات المكثفة والكثير من الدموع ليقويني الرب على ذلك.
كانت هناك فرص ذهبية خلال سنين الحرب لتحسين وضعي في تلك الظروف. فكان بإمكاني التطوّع في الجيش والحصول على رتبة نقيب مباشرة لكوني مهندسا. عندئذ سأحظى بالجاه في الجيش والحياة المدنية على حدّ سواء، وسأحظى أيضا بالإعفاء من الواجبات الخطِرة. إضافة إلى الامتيازات الأخرى، مثل راتب ضخم، وسيارة جديدة فخمة مجانا تقريبا [تويوتا كراون سوبر صالون ذات ست أسطوانات (سلندر)، أو شيفروليه ماليبو ذات ست أسطوانات]، والإعفاء من الوقوف والانتظار في طوابير الأسواق عند شراء حاجة معينة، وما شابه ذلك. وهذا ما فعله بالحقيقة الكثير من الخريجين وسقطوا في ذلك الفخ. أما أنا فلم أرِدْ طبعا كل هذه المغريات على حساب ضميري.
وكان الحلّ الآخر للتخلّص من الخطوط الأمامية، هو التطوّع في العمل المدني في مصانع التصنيع العسكري في المدن، لإنتاج مختلف أنواع العتاد والأسلحة العراقية، وعدم الذهاب إلى الوحدات العسكرية في جبهات القتال. إلّا أن ذلك كان يتعارض أيضا مع مبادئي، حتى أنه بالبشاعة نفسها التي للقتل.
وكان العرض المغري الآخر التطوّع والعمل في المخابرات العراقية، والتنعم بحياة مدنية رغيدة فعلا. غير أن ذلك كان بطبيعة الحال عملا غريبا جدا عن يسوع المسيح، ولم أسمح لنفسي الوقوع في فخه. فكل هذه العروض المغرية فيها مساومة على وصايا الله. وقد حذرنا يسوع المسيح: «فَمَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟» (متى 16: 26)
ربما يسيء البعض فهمي ويقول بأني متخاذل أو متواطئ، ولكن كان عليّ أن أختار ما بين إطاعة قيصر أو إطاعة المسيح. فكانت الحكومة تأمرني بحمل السلاح والشروع بقتل الناس، في حين كان المسيح يوصيني بتفضيل الاستشهاد على المساومة على المبادئ الإلهية.
فلو لم أكن مؤمنا بمشروعية الحرب، فكيف لي أن أحارب؟ ولو لم أكن مؤمنا بالأساس بأسلوب الحرب كنهج لحلّ النزاعات، فكيف لي أن أدعم ماكينة الحرب؟ ولو لم أكن مؤمنا مبدئيا بالقتل، مخافة لله، فكيف لي أن أزهق أرواح الناس؟
إنّ المرء يحتاج إلى شجاعة لكي يرفض عملا يحتجّ عليه ضميره، ولكي لا يمشي مع التيار. كما يقول المثل المعروف: «لا يسبح مع التيار غير السمك الميت.» فما أسهل القتل والتدمير وما أصعب المحبة والبناء. لقد كنتُ مستعدا للاستشهاد لأجل المسيح وليس القتل لأجل أيّ قضية كانت. وكنتُ أعلم أن ذلك معناه تحمُّل المصاعب – حتى الإعدام – كنتيجة لموقفي هذا.
غير أن الله مع ذلك أمين، ويتعامل معنا حيثما نكون. فبعد مجرد ثلاثة أشهر من تعهدي المطلق بعدم القتل، فتح الله لي باب فرج لا يُصدق.