هُوَذَا مَا أَحْسَنَ وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَسْكُنَ الإِخْوَةُ مَعًا!... لأَنَّهُ هُنَاكَ أَمَرَ الرَّبُّ بِالْبَرَكَةِ. ‏‏(مزمور 133: 1، 3)‏

المشاركة في الممتلكات تنمو من المحبة

لقد أظهر لنا يسوع المسيح معنى المحبة: المحبة لا حدَّ لها، ولا توقِفها الحواجز. فلا شيء يمكنه أن يوقِف المحبة، حتى لو بدت الظروف أنها تحجب طريقها. فكانت المحبة وما تزال تُصدِّق كل شيء. ويشهد الإنجيل للمحبة:

وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا. وَأَمَّا النُّبُوَّاتُ فَسَتُبْطَلُ، وَالأَلْسِنَةُ فَسَتَنْتَهِي، وَالْعِلْمُ فَسَيُبْطَلُ. (1 كورنثوس 13: 7–8)

لذلك، لم يسمح يسوع المسيح، الذي يعمل دائمًا بدافع المحبة، بأن توقِفه أملاك الناس أو ممتلكاتهم وتصبح حائلاً في علاقته معهم. وعندما تعرَّف يسوع على شاب غني كان يملك الكثير من الممتلكات، نظر مباشرة إلى قلبه وقال له بمحبة:

يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ: اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي حَامِلاً الصَّلِيبَ. (مرقس 10: 21)

----------

لقد قامت الكنيسة الأولى في أورشليم بتوزيع جميع ممتلكات أفرادها على الفور. وبمجرد ما حَلَّ عليهم روح المسيح، لم يَعُد بإمكان أحدٍ التمسُّك بأملاكه. فقد أرغمتهم المحبة على وضع كل أموالهم عند أقدام الرُّسُل. وقام الرُّسُل بتوزيع كل شيء بمساعدة الشمامسة. (أعمال 6: 2–6) إذ تدفعنا محبة المسيح إلى التَّخلِّي عن ممتلكاتنا والعيش ضمن جماعة مسيحية متشاركة في الممتلكات، مثلما عاشت الكنيسة الرسولية الأولى:

وَكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا. وَبِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ كَانَ الرُّسُلُ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ بِقِيَامَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مُحْتَاجًا، لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَ حُقُولٍ أَوْ بُيُوتٍ كَانُوا يَبِيعُونَهَا، وَيَأْتُونَ بِأَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ، وَيَضَعُونَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ، فَكَانَ يُوزَّعُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ كَمَا يَكُونُ لَهُ احْتِيَاجٌ. وَيُوسُفُ الَّذِي دُعِيَ مِنَ الرُّسُلِ بَرْنَابَا، الَّذِي يُتَرْجَمُ ابْنَ الْوَعْظِ، وَهُوَ لاَوِيٌّ قُبْرُسِيُّ الْجِنْسِ، إِذْ كَانَ لَهُ حَقْلٌ بَاعَهُ، وَأَتَى بِالدَّرَاهِمِ وَوَضَعَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ. (أعمال 4: 32–37)

فالحياة المسيحية المشتركة تجتثُّ جذور الأنانية التي في داخل كل مِنَّا.

‏----------‏

عندما يسألك أحد أن تعطيه ثوبك فقط، ولكنك تعطيه رداءك أيضًا، فهذا عمل يتماشى حقًّا مع المحبة. ولكن الاشتغال لمدة ساعتين عندما يطلبون منك مجرد الاشتغال لمدة ساعة واحدة، فإنه يعني أكثر من ذلك بكثير، مثلما علمنا يسوع المسيح:

سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ. مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ. (متى 5: 38–42)

إنَّ مجاهدة الملكية الخاصة يجب أن يسبقها شيء أعمق وهو: إماتة كُلٍّ من الأنانية وحب الذات والتشبُّث بالإرادة الذاتية والاعتداد بالنفس.

----------

لا فائدة من الدين والمشاعر التقيَّة إلاَّ إذا يجري التعبير عنها بالعمل والحقِّ، أيْ بحياة مسيحية مشتركة حقيقية. فينذرنا الإنجيل:

وَأَمَّا مَنْ كَانَ لَهُ مَعِيشَةُ الْعَالَمِ، وَنَظَرَ أَخَاهُ مُحْتَاجًا، وَأَغْلَقَ أَحْشَاءَهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ تَثْبُتُ مَحَبَّةُ اللهِ فِيهِ؟ يَا أَوْلاَدِي، لاَ نُحِبَّ بِالْكَلاَمِ وَلاَ بِاللِّسَانِ، بَلْ بِالْعَمَلِ وَالْحَقِّ! (1 يوحنا 3: 17–18)

ويقول يسوع المسيح: «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ» والوصية الثانية مثلها تمامًا: «تُحِبُّ قَرِيبَكَ» فلا توجد محبة حقيقية لله إذا لم تكُن هناك محبة حقيقية لأخينا الإنسان، والعكس بالعكس. (متى 22: 36–39)

وإليكم تجربتنا التي شهدناها: إنَّ الحياة المسيحية المشتركة ممكنة بفضل الروح القدس الذي يأتينا من عند الله. فلا نمتلئ بمحبة حقيقية لأخينا الإنسان ولا تنشأ فيما بيننا حياة كُليَّة المقاسمة إلاَّ عندما يملأنا هذا الروح القدس.

----------

ليس بمقدور البشر تأسيس حياة مشتركة

مما لا شك فيه أن الله يعمل في جميع النفوس من رجال ونساء. ولكن بمجرد شروعنا بالمغالاة في هذه الحقيقة وتجاوزها بحيث نبدأ بالإيمان بأنفسنا وحدها وبغيرنا من البشر، نكون عندئذ في طريق الضلال. فيجب أن نؤمن بالله بحيث يكون الله، لا الفرد، هو المركز، وأن يتَّحِد الأفراد بعضهم مع بعض في الخضوع لمشيئته ضمن الجماعة المسيحية. عندئذ يمكن لإرادة الله أن تعمل فينا ومن خلالنا، ونصبح نحن أنفسنا شفافين للغاية — كزجاج النافذة — لدرجة أن كياننا البشري لا يعود مُهِمًّا مطلقًا: إذ إنَّ عمل الله هو كل ما يُرى. فلا أؤمن بأن الحياة المشتركة للكنيسة يمكنها الخروج إلى حيز الوجود بأيِّ طريقة أخرى. لأنه مهما كان الشخص متواضعًا ومتفانيًا ووديعًا، فإنه لا يمكنه تأسيس حياة مشتركة بقوته الذاتية، مثلما شهد لذلك القديس بولس الرسول:

فَقَالَ لِي: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضُّعْفِ تُكْمَلُ.» فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ. (2 كورنثوس 12: 9)

‏----------‏

إنَّ إيماننا المسيحي بالله ليس وليد أحلامنا التي نتمنى تحقيقها؛ وأساس حياتنا المسيحية المشتركة هو الله، وليس سواه. ولكننا لا نستطيع أن نقول إننا كسبنا هذا الأساس وأصبحنا الآن نمتلك الديانة كما يمتلك المرء ممتلكاته. لا، أبدًا! فإنَّ ما لدينا الآن يلزمه أن يوهب لنا من جديد كل يوم. وهي فكرة مفزعة، ولكن يجب علينا مواجهتها: فربما نفقد إيماننا في أيِّ يوم كان. فكل ما يسعنا قوله إننا قد وُضِعنا على هذا الأساس بفضل النعمة الإلَهيَّة. لأن إيماننا لا ينشأ عن قُدراتنا الطبيعية؛ فنحن في أمس الحاجة إلى الروح القدس ليقودنا إلى الإيمان المسيحي.

----------

إننا لا نملك شيئًا. فإنْ كُنَّا نظن يومًا أننا نمتلك حياة مسيحية مشتركة، فها نحن نرى الآن ‏أننا لا نمتلكها. وهذا جيِّد لنا أن نشهده. لأن الحياة المسيحية المشتركة توجد حصريًّا في المسيح وروحه المُحيي. فإذا نسينا الرب يسوع المسيح وأمسينا بعيدين عن تأثير بركاته في حياتنا، ‏وإذا ضيَّعنا عمله في مجامعنا، فسينتهي أمر حياتنا المسيحية المشتركة. فقد قال يسوع المسيح:

أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ. الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هَذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ، لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ ‏تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا. (يوحنا 15: 5)‏

----------

أيمكن للكنيسة غير المنظورة أن تصبح منظورة؟

لابد أن تصبح الكنيسة غير المنظورة منظورة. ولكي يحدث هذا، يتطلب الأمر المقاسمة في الممتلكات والعمل والموائد المشتركة. وحيثما يملك روح المسيح على قلوب الناس، تصبح كنيسة المسيح عاملة وفعَّالة بشكل غير منظور في كل تلك الأماكن. أمَّا حياة المقاسمة الكاملة فتُجسِّد هذه الوحدة الروحية غير المنظورة وتجعلها منظورة، ليس في الممارسات الدينية فحسب بل أيضًا في جميع مجالات الحياة.

----------

يتدفق تيار الوحدة من ينبوع الروح القدس إلى جميع مجالات الحياة: أولاً إلى العلاقات الروحية الإيمانية بين أفراد الجماعة، ومن ثم إلى الأمور الماديَّة من حولنا. فتنمو من الشركة في الروح القدس شركة في مجال التربية والتعليم وفي مجال العمل كذلك، وهذا يعني بطبيعة الحال أننا سنحصل على مجتمع متشارك في الممتلكات دون أيِّ ملكية خاصة، لأن الدافع الرئيسي لحياتنا المسيحية المشتركة هو المحبة. والمحبة هي الفرحة بعضنا ببعض. وإنَّ هذه الفرحة التي تفيض من ينبوع الوحدة تمكِّننا من تسليم كل شيء. أمَّا التَّخلِّي عن مبلغ معين من المال فلا يعني شيئًا مقارنة بتسليم كل قوتنا وتكريسها لخدمة المسيح. فها هو المسيح يشير إلى التكريس اليومي عند اتِّباعه:

إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي. فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي فَهَذَا يُخَلِّصُهَا. (لوقا 9: 23–24)

ونعلم أن الثروة تنشأ من موارد الأرض ومن جهود العمل البشري. أمَّا نحن فنتشارك في كُلٍّ من موارد الأرض وقوتنا العاملة. ولكن مع كل ذلك، فإننا لا نريد أن نعيش في أنانية جماعية لمجرد دعم أنفسنا بكوننا جماعة تعيش حياة مشتركة. وإنما علينا أن نُعلن عن هذه الإمكانية كما يلي: إنَّ الناس يمكنهم أن يحيوا حياة مسيحية مشتركة! ثم إننا نشهد لهذه الحياة الواقعية كما يلي: نعم، يوجد ناس يحيون الآن حياة مسيحية مشتركة! ونحن نشهد لمنبع هذا الواقع الحقيقي، ألا وهو: ملكوت الله المستقبلي.

----------

كل خِصال سرعة الزَعَل والتعنُّت بالرأي وحب الذات والتمركُز حول الذات إنما هي عقبات وعراقيل. أمَّا التكبُّر على الآخرين، فهو سمٌّ قاتِلٌ.

لاَ شَيْئًا بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ الْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. (فيلبي 2: 3)

وكلُّ مَنْ لا يزال لديه هذا الموقف وهذه الخِصال يكون في الأساس غير قادر على العيش في الحياة المسيحية المشتركة. وسيكون غير قادر على الاشتراك في الوحدة المسيحية التي نريد أن نحيا لأجلها. فهذه نقطة مُهِمَّة جدًا. فالتفكير في احتياجات الآخرين وأحوالهم والبحث عن أفضل الخصال فيهم سيساعداننا على أن لا نرى أنفسنا أفضل من الآخرين. فمن السهل أن نرى عيوب الآخرين بشكل مبالغ فيه، وننسى أننا نحن أنفسنا بشر ضعفاء. ثم إننا ينبغي أن لا نحاول دائمًا تصحيح أخطاء الآخرين. فيجب علينا أن نصالح أنفسنا مع النقص البشري.

----------

هل الحياة المسيحية المشتركة مشيئة الله؟

سأَلَنا مرة أحد الضيوف: «هل تريدون القول إنَّ جماعة برودرهوف هي مشيئة الله؟» فأجابه ايبرهارد:

ليست جماعة برودرهوف، وإنما الحياة المسيحية المشتركة. فالأمر المُهِمُّ الذي أدركناه هو هذا: الحياة التي عاشها يسوع المسيح مع تلاميذه وحياة الكنيسة الأولى في أورشليم. ثم إنَّ العهد القديم النبوي، باعتباره كلامًا من الله، نراه يوصي كذلك بأننا ينبغي أن نعيش معًا في كنيسة ذات حياة مشتركة:

هُوَذَا مَا أَحْسَنَ وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَسْكُنَ الإِخْوَةُ مَعًا!. . . . لأَنَّهُ هُنَاكَ أَمَرَ الرَّبُّ بِالْبَرَكَةِ. (مزمور 133: 1، 3)

فينبغي أن نعيش هذه الحياة في سلام وعدل وفرح، مثلما وصفها بولس الرسول:

لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ. (رومة 14: 17)

وينبغي لحياتنا كلها أن لا تشير إلاَّ إلى طريق الرب يسوع المسيح وبشكل متواضع.

----------

إننا نؤمن برحمة الله للجميع. ولهذا السبب لا نشعر بضرورة جعل جميع البشر أفرادًا في جماعة برودرهوف، رغم ابتهاجنا بكل إنسان ينضمُّ إلى حياتنا المسيحية المشتركة معنا. ولا نؤمن بأن كل مَنْ لا ينتمي إلينا هو من الهالكين، ولكننا نريد أن نحيا هذه الحياة حتى نهاية عمرنا، لأننا نؤمن بأن هذه هي دعوتنا الإلَهيَّة لخير البشرية جمعاء. إضافة إلى أن الوفاء لهذه الدعوة لا يتوقف على عدد الذين يريدون الانضمام إلينا في الحياة المسيحية المشتركة. فهو يعني ببساطة أن نحيا هذه الحياة المسيحية بحيث تُظهر حياتنا محبة الله الآب والوحدة المسيحية بطريقة إيجابية وملموسة. وقد تم التأكيد بِحقٍّ مرارًا وتكرارًا على كلام الكتاب المُقدَّس: «اَللهُ مَحَبَّةٌ؛» فلدينا قناعة وجدانية بأنه كلامٌ صحيحٌ. ويمكننا أيضًا أن نعكس ذلك ونقول: «حيثما توجد محبة حقيقية، فهناك يكون الله.» فيقول الإنجيل:

وَمَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ. . . . أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِنْ كَانَ اللهُ قَدْ أَحَبَّنَا هَكَذَا، يَنْبَغِي لَنَا أَيْضًا أَنْ يُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا. اَللهُ لَمْ يَنْظُرْهُ أَحَدٌ قَطُّ. إِنْ أَحَبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا فَاللهُ يَثْبُتُ فِينَا، وَمَحَبَّتُهُ قَدْ تَكَمَّلَتْ فِينَا. (1 يوحنا 4: 8، 11–12)

لذلك، فمن الواضح لنا أن هذه المحبة الحقيقية تعني الوحدة والحياة المشتركة والتعاون المتبادل والخدمة والتَّخلِّي عن كل ما نملكه مُلكًا فرديًّا والفرح بعضنا ببعض! عندئذ نكون مُتَّحِدين في المحبة، ويسعنا القول: «إنَّ الله وحدة، ومَنْ يثبت في هذه الوحدة يثبت في الله والله فيه.» كما يقول الإنجيل:

وَنَحْنُ قَدْ عَرَفْنَا وَصَدَّقْنَا الْمَحَبَّةَ الَّتِي لِلَّهِ فِينَا. اللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ. (1 يوحنا 4: 16)

----------

هل الحياة المشتركة وسيلة للتهرُّب؟

نشأت حياتنا المسيحية المشتركة في البداية ردًّا على انتشار معاناة وآلام الناس من حولنا. ولم يكُن السبب في تركنا للمدن الكبيرة هو الانسحاب من العالم وهجره. ثم إننا لم يكُن لدينا أيُّ نِيَّة في التهرُّب من مسؤولياتنا نحو المجتمع والناس، عندما انتقلنا إلى هذا المكان الواقع على جبل (الذي يبدو معزولاً جدًا للوهلة الأولى). ولكن بالعكس، فقد شعرنا بأننا سنتمكن على الأرجح من التأثير على أفضل وجه في المجتمع ككل، وذلك بتجميع قوانا وتسخير طاقاتنا تسخيرًا متعاوِنًا. ولا يزال اهتمامنا الأول والأخير لحد هذا اليوم أن يكون لحياتنا المسيحية المشتركة تأثير في العالم من حولنا. فقد صَلَّى المسيح:

وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هَؤُلاَءِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكَلاَمِهِمْ، لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي. وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ، وَلِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي، وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي. (يوحنا 17: 20–23)

----------

نستغرب دائمًا عندما يقول الناس لنا إننا لم نَعُد نعيش في العالم لمجرد أننا نعيش في جماعة برودرهوف أو في أيِّ جماعة أخرى تعيش حياة مسيحية مشتركة. إلاَّ أننا في الحقيقة نعيش في وسط العالم كأيِّ شخص آخر. فنحن لسنا أشباحًا، وإنما بشر من لحم ودم نعيش هنا على هذه الأرض، إضافة إلى أنه يتحتَّم علينا نحن أيضًا أن نسأل الله أن يسترنا من الشَّرِّ الذي في العالم، وإلاَّ فإننا سنضيع، مثلما صَلَّى المسيح:

لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشِّرِّيرِ. لَيْسُوا مِنَ الْعَالَمِ كَمَا أَنِّي أَنَا لَسْتُ مِنَ الْعَالَمِ. (يوحنا 17: 15–16)

ويرجع سبب هذا المفهوم المغلوط إلى أنه قد تمَّ إضفاء طابع روحاني بحت على كلام يسوع المسيح، وهو مفهوم مناقض للروح الحقيقي ليسوع المسيح. فيعمل هذا المفهوم ‏المغلوط ‏على تحويل واقعية الكتاب المُقدَّس إلى حالة غير واضحة حيث يمكننا فيها أن نقول إننا تغيرنا روحيًّا، ولكن لا يوجد تغيير فعلي وعملي حقيقيين في حياتنا.

----------

أوصانا الإنجيل بأن نبقى سهارى على مصلحة إخواننا البشر وليس على مصلحتنا الشخصية.

لاَ يَطْلُبْ أَحَدٌ مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مَا هُوَ لِلآخَرِ. (1 كورنثوس 10: 24)

فكيف يمكن تحقيق ذلك؟ إنَّ ذلك لا يتحقق إلاَّ في الحياة المسيحية المشتركة ذات التكريس الكامل، حيث تكون كل الممتلكات مشتركة. وغني عن القول إنَّ الملكية المشتركة يجب أن لا تؤدي أبدًا إلى أنانية جماعية. فليس المقصود منها أن تصبح مشروعًا مشتركًا لمصلحة أعضائها، ولا شراكة من أجل الانتفاع المادي لشُركائها. وإنما يجب تكريس جميع الممتلكات المشتركة لخدمة الجميع، ولمجتمع البشرية جمعاء في ملكوت الله المستقبلي، وللإيمان المسيحي الإيجابي الذي يتوجَّه بأنظاره وقلبه إلى البشرية جمعاء.

 

هذه المقالة مأخوذة من كتاب «ثورة الله»