وقفنا عند مدخل شقتنا، نُحدِّق فيها مندهشين. فلم نتمكن من معرفتها. فقد غادرناها مسرعين إلى مستشفى الولادة في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، إذ كُنَّا عائلة مكونة من شخصين، والآن عُدنا يوم الخميس على مَهلٍ، وفي الحقيقة كُنَّا نقود السيارة بهدوء نسبي لكيلا يهتز الفرد الثالث الصغير جدًا من العائلة — الوليدة — وهي نائمة في مقعدها الخاص في السيارة.
وفي شقتنا، كان كل شيء مُغطَّى بالزهور وبطاقات التهنئة والهدايا: ولافتة ترحيب معلقة على الحائط رسمها أطفال صف الروضة، وبالونات وردية متدلية من السقف، وملابس أطفال جميلة معلقة على قضبان الستائر، والطاولة عليها سلة طافحة بهدايا مكتوب عليها «إنها فتاة!» ومن بين الهدايا تطل زجاجة شمبانيا وردية اللون.
كانت هذه أول مرة نرى فيها هذا الكرم، لأنها كانت أول طفلة لنا. فقد كنتُ متعجبة، ولكنني لم أتفاجأ، لأنني لا أستطيع أن أحصي عدد المرات التي استمتعتُ فيها أنا شخصيًّا بالتحضير والإسراع من مكان لمكان أثناء وجود عائلة ما من مجتمعات برودرهوف في مستشفى الولادة، وأيضًا التنظيف الكبير لشقة تلك العائلة، وإحضار المستلزمات العملية للأم والطفل، وترتيب الهدايا ترتيبًا جميلاً، وتجهيز الثلاجة بالمواد الغذائية، وتعليق الزينة، وتحويل المنزل عمومًا إلى استقبال حافل كبير بالمولود الجديد. ولا يهم إن كان الوليد هو الأول أو الخامس. إذ يحظى كل وليد في مجتمعات برودرهوف بهذا الاستقبال — ليس بالهدايا المادية فحسب، بل أيضًا بمحبة عائلة كبيرة مكونة من مئتي فرد من أفراد كل مجتمع من مجتمعات برودرهوف.
وبينما كنتُ أقرأ بطاقة التهنئة الثلاثين وعلى نظري غشاوة في الساعة الثانية في منتصف الليل (فقد كنتُ مستيقظة على أي حال)، امتلأ قلبي بامتنان لا يوصف، ليس على طفلتنا فحسب، بل أيضًا على المحبة التي تحيط بها. لأنه عندما تسير الحياة بسلاسة وسهولة، فمن السهل أن ننسى شبكة العلاقات الاجتماعية المتينة التي تدعم حياة التقاسم في العمل والممتلكات والوقت. ولكن حتى لو نسيناها فإنها تقدِّم العون والمساعدة رغم كل شي.
الابنة الأولى لمورين وجيسون، 2008م. الصورة من مورين سوينجر.
ورغم أهمية الهدايا المادية، إلاَّ أن الدعم يأتي بأشكال متعددة في حياتنا المسيحية المشتركة في مجتمعات برودرهوف، ومن أجملها «الجدة»، وهي امرأة كبيرة في السنِّ ومهمتها رعاية الأم الجديدة. أمَّا إذا وُجِدت جدة من قرابة العائلة في أي مكان قريب ضمن نطاق السفر، فتكون هذه المهمة من اختصاصها. (هذا بالإضافة إلى الفحوصات الدورية التي يجريها أخصائيون طبيون متخصصون في حالات مثل اكتئاب ما بعد الولادة، ويسعدهم أيضًا الإجابة على أسئلة حول الرضاعة أو أنماط النوم.)
ثم إنَّ مهمة الجدة لطفل جديد هي ليست بالضرورة مجرد مهمة زيارات وقتية؛ فبعض الأمهات يحتجن إلى الهدوء مع تَفَقُّد أحوالهن بين فترة وأخرى، في حين تبتهج أخريات بالزيارات الطويلة والعِشرة. أمَّا أنا فكنتُ من النوع الثاني؛ وكانت والدتي تنتظرنا في منزلنا عندما وصلنا عائدين من المستشفى وهي تطوي أغطية المَهْد على أمل أن تتمكن حفيدتها من مواصلة النوم.
أمَّا أنا فأحب أمي في كل يوم من أيام الأسبوع، ولكن تجربة الولادة في تلك الأيام كانت مميزة حقًا، حيث تعرفنا على صغيرتنا معًا، وكُنَّا نغني لها، ونحتضنها، ونساعدها على النمو ليزيد وزنها على خمسة أرطال. وأعاد ذلك ذكريات الماضي إلى أمي. فلمَّا كنتُ أنا طفلتها الأولى وابنتها الوحيدة، التي بدأت حياتها أيضًا بوزن خفيف نوعًا ما، فقد سمعتُ كل هذه المقارنات الجميلة والمحببة إلى قلوبنا.
جيسون زوج مورين يحمل طفله الثالث. الصورة من مورين سوينجر.
ولإطعام الطفل، يجب إطعام الأم؛ وهكذا، يأتي الأب عند الظهر، حاملاً صينية كبيرة جدًا من الطعام — بعضه صحي، وبعضه الآخر مجرد لذيذ — الذي حضَّرته إحدى الأخوات في قسم الغذاء الصحي بالمطبخ المشترك للمجتمع تحضيرًا جيدًا ومن كل قلبها. فعمل هذه الأخت هو الطهي للناس الذين يحتاجون إلى غذاء صحي خاص، إضافة إلى تحضير وجبات غداء وعشاء يومية للآباء والأمهات الذين يُرزقون بمولود جديد. ويبدو أن قسم الغذاء الصحي كان كريمًا للغاية بحيث أنه جعل حجم فطيرة واحدة من جبن كريمة التوت البري كبيرًا جدًا وكأن منزل عائلتنا يضم عشرة أشخاص، فضلا عن ذاك الذي من دون أسنان.
ففي الأسابيع الأولى بعد ولادة الطفل، فإنَّ دعوة بعض الأصدقاء لتناول وجبة طعام مع العائلة إنما هي بالتأكيد فرصة لهؤلاء الأصدقاء لإظهار محبتهم للطفل والاستمتاع أيضًا بتناول الفطيرة بشهية. وهي فرصة أيضًا لمشاركة فرحة أيام المولود الجديد مع شخص قد لا تتاح له فرصة بأن يحمل طفلاً في كثير من الأحيان.
وفي مجتمع بحجم مجتمعنا المسيحي، يكون استقبال مئتي زائر، كل على حِدة، أمرًا صعبًا بعض الشيء. ولكن الجميع متشوق للقاء الطفل، وإحدى طرق تحقيق ذلك هي اصطحاب الوالدين لطفلهما إلى غرفة في طابق أرضي ذات نافذة كبيرة، وجعل جميع أفراد المجتمع يمرون من أمامها لمشاهدة الطفل وتقديم التهاني للوالدين دفعة واحدة. وهناك مجموعة كاملة من الأغاني الجميلة للأطفال الحديثي الولادة في مجموعة أغاني برودرهوف، وغالبًا ما يُغنيها الأشخاص الذين ينتظرون دورهم في الطابور أمام النافذة لمشاهدة الطفل. وتترك أنوف الأطفال المتحمسين لرؤية المولود الجديد بصماتها على زجاج النافذة، أمَّا والدا الطفل فيشعرا بألم في خدودهما من جراء ابتسامتهما بافتخار للمهنئين لفترة طويلة.
عائلة في مجتمع دانثونيا برودرهوف في أستراليا تُقدِّم مولودها الجديد لأفراد المجتمع. الصورة من كريس فول Chris Voll.
وكان زوجي يقف فخورًا بطفلته الصغيرة خلف النافذة ومُحتضِنًا إياها — التي كانت من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها بطول ساعده. فلو قال أحدهم عبارة إضافية: «انظروا إلى تلك العيون الجميلة!» لتطايرت أزرار قميصه في كل اتجاه من شدة الفرحة والاعتزاز بها.
مرت الأسابيع الأولى لطفلتنا على خير ما يرام، لدرجة أنني ظننت أنني سأتدبر أمري في المرة القادمة عندما أنجب طفلاً آخر. أمَّا الطفل الثاني فكانت لديه خطط أخرى. فقد كان مصابًا بمغص حديثي الولادة (البكاء الشديد المتكرر لأيام عديدة) بحيث كان يضطرنا لحمله والتناوب على التجوُّل به في أرجاء المنزل كالمجانين. وجربنا جميع العلاجات الموصى بها ولكن دون جدوى. وقد وصل الأمر إلى أنه كلما بكى، كنتُ أبكي، وكان يبكي في أغلب الأحيان.
مرت جارتي الرائعة واسمها بيكي Becky وزارتني وعرضت عليَّ أن تأخذه عني ذات ظهيرة، ولكنني كنت لا أزال في مرحلة الأمومة، فرفضتُ كرمها بأدبٍ. وفي صباح اليوم التالي، ركضتُ عبر الحديقة إلى دارها، حاملة طفلي بين ذراعيَّ. وعندما فتحت الباب، دفعته إليها من دون سؤال أو كلام. فأخذته بابتسامة عريضة، وألقته على ذراعها كأنها تمسك الكرة البيضاوية للعبة كرة القدم الأمريكية، فتوقف صوت بكائه على الفور. واتضح أنها كان عندها سَلَفًا ابنٌ مصابٌ بمغص حديثي الولادة الذي استمرت حالته لمدة ستة أشهر. أمَّا أنا فقلت في نفسي إنني سأصاب بالجنون لو طالت مدة مرضه مجرد ستة أسابيع.
والآن بعد أن كبر ابني وأصبح شابًا، فغالبا ما تمازحني صديقتي بيكي، لأنها قامت برعاية ابني عندما كان صغيرًا وتقول لي إنَّ ابني الشاب هو في الحقيقة ابنها ولكنها مجرد سمحت لي بإعارته. فمثل هذه التفاعلات اللطيفة والصادقة تُساعد الطفل على النمو في ثقةٍ بشبكة واسعة النطاق من العلاقات الاجتماعية التي تتجاوز الروابط العائلية، كما وصفها الكاتب ويندل بيري Wendell Berry في كتابه: «The Port William Membership»
وهناك مناسبة كنسية واحدة يتطلع إليها الآباء بشوقٍ خاص — وهي تقديم المولود الجديد للكنيسة لكي تباركه. وهو ترحيبٌ بالمولود الجديد بأكثر قدسية ليس في مجتمعٍ أخوي متقاسم فحسب، بل أيضًا ترحيبٌ به في الكنيسة.
وهناك طبعًا حدث في الإنجيل لهذه المناسبة؛ إذ يصف الإصحاح الثاني من إنجيل لوقا يوسف ومريم وهما يأخذان طفلهما يسوع بعمر ثمانية أيام إلى الهيكل «لِيُقَدِّمُوهُ لِلرَّبِّ،» وما صاحب ذلك من نبوءات وتمجيد من سمعان وحنة بمجرد أن يريا الطفل.
وتقديم الأطفال الرضع إلى الكنيسة هو أيضًا تقليد قديم للحركة المسيحية الإصلاحية الجادَّة أنابابتسم Anabaptism من القرن الميلادي السادس عشر في أوروبا التي تؤمن بمعمودية المؤمنين البالغين، فقد ذُكِرت هذه المناسبة لأول مرة في رسالة من اللاهوتي بالتازار هوبماير Balthasar Hubmaier عام 1525م: «أحبُّ أن أجمع الجماعة المسيحية... ونأتي بالطفل... وحالما يعطيه والداه اسمًا، تُصلِّي الجماعة بأكملها إلى الله من أجل الطفل وهي راكعة ساجدة، مُسلِّمةً إياه إلى يدي المسيح، ليكون قريبًا إليه دائمًا ويصلي نيابة عنه.»
ويُمثِّل هذا التقديم نقطة لاهوتية عميقة: إذ يؤمن أفراد حركة أنابابتسم بأن الأطفال يولدون أبرياء، فهم أرواح نقية طاهرة تدخل عالمًا مُلطخًا بالخطايا. وقد كتب ذات مرة ايبرهارد آرنولد الذي تأسست على يده برودرهوف قائلاً: «إنَّ كل طفل هو فكرة في فكر الله،» لذلك يجب الترحيب بالطفل بكامل التوقير لسرِّ فكرة الله المُعيَّنة لذاك الطفل المُعيَّن.
اجتماعٌ في الهواء الطلق في مجتمع فوكس هيل برودرهوف لتقديم مولود جديد إلى الكنيسة والصلاة لأجل بركة الطفل. صورةٌ لهانز فول Hans Voll.
إنَّ مباركة الكنيسة أمرٌ مهمٌّ للطفل الذي تنتمي عائلته أيضًا إلى كنيسة. فيقوم الوالدان بإحضار طفلهما إلى مركز دائرة اجتماعنا ويضعانه على ذراعي قسيس، الذي يصلِّي من أجل مباركة الطفل ومن أجل إرشاد الله للطفل في حياته. ويُسلَّم الطفل أحيانًا إلى الجدين، اللذين يُضيفان بالصلاة أمنياتهما الخاصة للطفل بأن ينمو بصحة ومحبة وأن يفهم مسار الله له/لها، وأن يخدم الآخرين. ويلي ذلك صلاة يشارك فيها جميع الأعضاء بصمت، مُتعهدين بدعم الطفل ودعم والديه في السنوات القادمة.
وقد منح صديقنا العزيز والقسيس ريتشارد سكوت Richard Scott البركة لابننا. وهو قد عَمَّدني أيضًا عندما كنتُ شابة، وقد زوَّجنا أيضًا أنا وجيسون، وساعدنا في حياتنا الزوجية في جميع الأحوال والظروف، لذلك سررنا كثيرًا بأنه كان يحمل طفلنا عند تقديمه للبركة، وقال وهو ينظر إلى طفلنا:
والآن، وعندما نفكر في هذا الطفل الصغير، نتذكر كيف أخذ يسوع المسيح الأطفال الصغار بين ذراعيه ليَقبَلهم. وسمح لهم بأن يأتوا إليه، قائلاً: «مَنْ قَبِلَ وَاحِدًا مِنْ أَوْلاَدٍ مِثْلَ هَذَا بِاسْمِي يَقْبَلُنِي.» ويقول الإنجيل: «أَمَّا الَّذِينَ قَبِلُوهُ، أَيِ الَّذِينَ آمَنُوا بِاسْمِهِ، فَقَدْ مَنَحَهُمُ الْحَقَّ فِي أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ.» وفي الرسالة إلى رومة: «لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ.»
وكُنَّا سعداء بابننا وابنتنا، اللذين وُلِدا بفارق ستة عشر شهرًا بينهما، ولكنهما الآن لا ينفصلان وكأنهما توأم. أمَّا الطفل الثالث فقد وصل بعد خمس سنوات من حزم الملابس الخاصة بالطفل الرضيع. وعندما سمعتُ الصلاة والوعد مجددًا لطفلنا الثالث، شعرتُ بإحساس جديد وأقوى من السابق بأهمية دائرة الإيمان الكبيرة المحيطة بنا، التي وهبنا الله فيها هذا الطفل الجميل الذي سيكبر مع كل صراعات وأفراح الطفولة والمراهقة المعتادة. ولكننا لن نخوض هذه التجربة وحدنا، لا في الصراعات الروحية ولا في الأفراح.