Morning over the bay

قصة عراقي

هل السلاح هو الحلّ؟

بقلم يعقوب يوسف Yacoub Yousif

7 تعليقات
7 تعليقات
7 تعليقات
    أرسل
  • Salah Mohamed Ahamed Saad

    جزبتنى روايتك الشيقة اتمناء لك التوفيق

  • yako jajjo

    صباح الخير. قرأت رسالتك بانتباه شديد، لم يقنعني كل ما قلته عن رأي المسيحية في الحرب، ولا اقنعني كل كلامك عن الحرب العراقية الإيرانية التي شاركت فيها شخصيا لمدة 77 شهرا. أنت كائن بشري تعيش على بقعة جغرافية، جاء من يسلبك هذه البقعة بالقوة، ولك إمكانية الرد عليه، ترى هل ستقاومه، أم تتنازل عنها له دون مقاومة؟ لو كان جوابك انك تتنازل عن طبيب خاطر دون مقاومة بناء على تعاليم الإنجيل، أقول لك بصريحة العبارة: انك لا تعرف الإنجيل. لان المفروض أن الحياة هي هبة الله للإنسان، والحفاظ على هذه الحياة واجب مقدس، وهذا الواجب لا يتقدس سوى بالدفاع عن هذه الحياة، أي بالدفاع عن النفس، والدفاع عن الأرض والمال هو الأخر نوع من الدفاع عن النفس... أتمنى لك النجاح.

  • adel aziz

    Thanks Jacob, nice story. All our Iraqi citizens had bad experience during the war. I am glad to see that you are doing well in Sweden, then in England. all the best, merry Christmas, peace for all.

  • George

    I wish you all best in your mission.

  • abulkhaliq khalil

    أخي يعقوب استمتعت جداً بقراءة ما كتبت أتمنى لك التوفيق.

  • محمود سعيد

    عزيزي يعقوب: أحييك وأحيي كل من يرفض الحرب ويريد أن يعيش في سلام. أنا كاتب عراقي اسمي محمود سعيد، كتبت عن حالتك وحالة الجنود في أكثر من رواية منشورة، آخرها صيد البط البري.

  • ELmokhtar Nizar

    مقال جيد ينم عن إيمان صادق بالتعاليم الدينية السمحة التي بُنيت عليها الإنسانية للتخلص من العذاب. أنصح الناس باتباع ما كتبه صديقنا العراقي، لأنه خلد إلى الحقيقة الربانية الصادقة...علينا أن نتعلم معنى الحب والتسامح الذي لابد أن يسود هذا العالم المليء بالعذاب والخراب. وعلينا أن يحب بعضنا بعضا. وعلينا أن نكون صادقين لنتخلص من الحروب والويلات لنعمل على تأسيس المجتمع الإنساني البعيد عن الكراهية والبغضاء.

دعوني أحكي لكم شيئا من تجاربي في الحياة. فبعد دراستي الجامعية التحقت بالجيش لأن الالتحاق بالجيش كان إجباريا في العراق وإلا فالإعدام كان من نصيبي. وكانت الحرب مع إيران مشتعلة آنذاك في عام 1981م.

في ذلك الوقت كنت قد انقطعت عن الذهاب إلى الكنيسة المحلية التي كنا ننتمي إليها وعن مشاركة مجموعة شباب الكنيسة في فعالياتها، ولم أكن جادا مع وصايا الله وتعاليم يسوع المسيح. وصرت أعيش في الخطيئة وعدم الطهارة. بيد إنه كان هناك دائما صوتا في داخلي يدعوني إلى التوبة والتغيّر والسير في اتجاه مغاير في الحياة. لكني كنت دائما أؤجل الموضوع إلى ما بعد ولم أكترث لذلك الصوت.

بعد فترة وجيزة تم إرسالي إلى الخطوط الأمامية لجبهة القتال الطاحن. وهناك رأيت شبح الموت ��ائدا يجوب، وكأني دخلت عالما آخرا، وكأنه عالم الجحيم. الكل كان مرتعبا هناك في الخطوط الأمامية. فالقتال والموت والطلقات والقنابل والشظايا كانت فظيعة وبشكل لا يوصف. ففي سنوات الحرب الثمان قُتل الكثيرون، وصار الكثيرون معاقين من الذين فقدوا أطرافهم أو أجزاء أخرى من أجسامهم. لذلك رأيت الموت قريبا جدا - فقد كنت على بعد 75 مترا عن العدو.

عندئذ صرختُ في نفسي: "كفى...كفى...كفى..." وتبتُ إلى الله. وكانت نقطة انقلاب في حياتي. فقد صَحيْتُ واستيقظت من غفلتي ومن فتوري ومن تخدري، صحيت على الواقع المأساوي الذي كنت فيه، واقع الحرب، الذي يعكس حقيقتنا نحن البشر عندما نزيغ عن الطريق وعندما نصمّ آذاننا عن صوت ضمائرنا وعندما لا ننفتح ولا نستمع، فيحارب بعضنا بعضا.

وأذكر أول إجازة عسكرية أخذتها للذهاب إلى البيت في بغداد، حين ذهبت فيها للكنيسة بعد غياب 7 سنوات وركعت في داخل كرسي الاعتراف وأدليت بقائمة طويلة من الخطايا إلى الكاهن من دون أن أُخبّئ شيئا لشعوري بجدية الوقت. وكانت بداية لحياة جديدة، فشعرت بأني خفيف كالريشة، فقد زال حمل ثقيل من حياتي ومن ضميري، فقد اختبرت الغفران المجاني من لدن الرب يسوع الحيّ، وأحسست بفرح عارم كان يلازمني باستمرار، رغم كآبة الخطوط الأمامية للحرب، فغيّرتُ أصدقائي والشلّة، وتشجّعت أكثر من قبل في خدمة الفقراء والمتألمين والتقرّب منهم، وصرت أرى صورة الله في وجه كل إنسان. وامتلأ قلبي وكياني كله بمحبة كبيرة لجميع الناس ومن ضمنهم الإيرانيين طبعا، لماذا؟ لأن السيد المسيح جاء وفدى نفسه وصُلِب من أجل خلاص جميع الناس. فشكرا ليسوع الذي يزرع المحبة بين الناس. لأن الله يحب جميع الناس مهما كانت خلفياتهم، لكنه يكره أعمالنا الشريرة، ويصبر علينا لنتوب إليه ونرجع إلى جادة الصواب، فتبتهج السماء. فهذا ما علمنا إياه يسوع المسيح، وهذا ما يجب علينا أن نتحلى به دائما.

وهذا هو السلام الحقيقي، لأن سلام الله يختلف عن السلام بحسب المنطق البشري. فالمغفرة تزرع السلام وتزرع العلاقات القلبية الحميمة بين الناس، التي بدورها تكافح جميع الانقسامات بين أبناء البلد وتتم المقاسمة بدافع المحبة، حتى في زمن السلم، ولا تقوى عليها قوى الشيطان والديكتاتورية والاستعمار.

فمنذ ذلك الوقت بدأت أنظر حواليّ وأفكر بعمق في ما كان يحدث هناك. وصرت أبحث عن أجوبة في مواضيع الحياة المهمة مثل الحرب والسلم، أسباب الحروب، الحرية، الجيش، القتل، الدولة والفرد، العدالة، الفقر، الرأسمالية، الاشتراكية، القوى الاستعمارية، الخلافات السياسية، محبة الناس، رسالة التوبة، ومحبة المسيح، وما هو الجواب والحلّ الشافي لكل هذه المشاكل.

كان هناك العديد من جنود البلدين ممن لم يرغبوا في الانضمام إلى الجيش، لكنهم كانوا يخافون لأن الالتحاق بالجيش كان إجباريا. ويُحكى أنه في خلال إحدى الهجمات التقى بالصدفة جنديين، عراقي وإيراني، في إحدى المواضع المحصنة، هاربين من جهنم القصف وعبث إبليس في خلق الله. واتفقا على أن لا يقتل أحدهما الآخر بل ينتظرا انتهاء القتال ومن ثم التظاهر بأخذ أحدهما للآخر كأسير حرب وتسليمه لذلك الجيش الذي حسم المعركة لصالحه وبذلك يبقيا على قيد الحياة ولا يقتل أحدهما الآخر.

لقد فهمت بأن الجيش هو أداة مسخرة من قبل النظام الحاكم لغرض إنجاز خططه هو وليس لتطبيق تعاليم يسوع المسيح، التي كنت أشتاق إليها. بل كانوا يعلموننا على كيفية طعن الخصم بالحربة، ورمي العدو بالإطلاقات النارية...إلخ. لكن بالرغم من أن نظام الدولة والحكومة والجيش هو من ترتيب الله لهذه الدنيا، لكنه ليس إرادة الله المطلقة، فالذين يعيشون وفقا لمبادئ ملكوت الله هم وحدهم يمثلون إرادة الله المطلقة. فكنت أقضي جميع إجازاتي العسكرية في الفعاليات الكنسية المختلفة، لكن لم يَعِظ أحدٌ ضد موضوع المشاركة في الحرب، بينما أنا كنت أصارع داخل نفسي في هذا الموضوع وقتئذ. فكنت أسأل نفسي ماذا كنت سأفعل لو لاقيت عدوا (كما كانوا يسمونه) في الخطوط الأمامية؟ وماذا يريدني يسوع المسيح أن أفعل في هذه الحالة؟

كان الأمر جليا لي بعد قراءة الإنجيل: إما الفوز بيسوع أو بحياتي، إما الفوز بنعمة الخلاص الأبدي أو الهلاك الأبدي. أي بمعنى إما أن أتبع يسوع ورسالته المسالمة وتعاليمه التي توصي بمحبة الأعداء وعدم قتلهم وأن أعيش وفقا لتعاليمه حتى لو كان الثمن حياتي، أو أن أقتل من يريد أن يقتلني لأنجّي نفسي على حساب ضميري. فكان قراري أن أتبع مخلصي يسوع المسيح. وصار هذا إيمانا شخصيا وفرديا لي لم أرَ من كان يقاسمني به، لا في كنيستي ولا في محلتي وبين أصدقائي. فبالرغم من أن الآلاف من الجنود كانوا يفرّون من الجيش والكثير من الناس كانوا ينتقدون الحرب، لكن لم أسمع عن موقف واضح وقطعي بعدم حمل السلاح أساسا. وفكرتُ في الذهاب إلى السلطات وإخبارهم بعدم رغبتي في الاستمرار في الجيش بسبب إيماني، لكنهم كانوا حتما سيعدمونني في الحال وفقا للقوانين آنذاك. وكنت جبانا لفعل ذلك. وفي النهاية قررت أن أدع الشخص المحتمل مواجهتي في الخطوط الأمامية أن يقتلني بدلا من أن أقتله، وذلك بفضل يقيني بمغفرة خطاياي التي اختبرتها من جهة، بالإضافة إلى أن قتل أي إنسان هو بحد ذاته أمر مروع من الجهة الثانية. وعلاوة على ذلك كان عندي أملا في احتمال تغيّر أي إنسان على الكرة الأرضية مهما كان شرّه أو ضلالته، مثلما أنا تغيرتُ. ويجب أن نصلي من أجلهم ليتوبوا ويدركوا مدى ضلالتهم. لكن بعد فترة قصيرة تمّ نقلي إلى الخطوط الخلفية من جبهة القتال، ومن ثم إلى المدن وبشكل عجائبي بالفعل (ولا يسعني هنا الدخول في تفاصيل الأحداث).

انتهت الحرب عام 1988م ولا يمكنكم تصوّر مدى فرحة الشعب العراقي. لكن حرب الثمان سنوات حصدت الآلاف من كلا الجانبين ومن ضمنهم المدنيين. وقد تأسّر وترمّل وتيتّم الكثيرون. والعديد من الناس فقدوا بيوتهم أو أعمالهم ومصالحهم أو مزارعهم أو قيمّهم وأخلاقهم، بالإضافة إلى أن الكآبة اجتاحت الكثير من النفوس. وهذا ما يفرح له الشيطان.

بعد تسريحي من الجيش بدأتُ العمل في بغداد. وكان بمقدوري التطوع في الجيش وأحصل على كل تلك الامتيازات المغرية التي كان يتلقاها المتطوعون في الجيش أو من يعمل في معامل التصنيع العسكري لإنتاج مختلف الأسلحة، لكني لم أرد أن أشارك بتلك الماكنة الشيطانية: الجيش والحرب والتسليح.

في عام 1990م شعرنا أن طبول حرب أخرى بدأت تقرع، (حرب الكويت)، فلهذا قررنا أنا وأسرتي ترك البلد والهجرة إلى أي بلد كان. وكنا محظوظين جدا عندما حصلنا على تأشيرة دخول إلى السويد، بالرغم من أنه لم يكن لدينا أية فكرة عن السويد، إلا إننا شكرنا الله وحمدناه على ذلك البلد. وبعد شهر واحد من وصولنا السويد سمعنا أن العراق احتل الكويت. فقد كنّا محظوظين فعلا.

مكثنا في السويد سنة كاملة في معسكر اللاجئين. كل شيء كان هادئا، الطبيعة كانت خلابة، وكانت هناك حرية التعبير عن الرأي. وشعرنا بارتياح بالغ. وبدأنا نخدم ضمن الكنيسة التي كنا ننتمي إليها لأننا كنا نريد أن نخدم الرب ضمن الجماعة. وكالعادة فإننا لم نسمع أي وعظ ضد اشتراك أعضاء الكنيسة بالحروب أو بالسياسة. ولا أي وعظ ضد الطبقية التي كانت متفشية ضمن أعضاء تلك الكنيسة نفسها، بالإضافة إلى انعدام المشاركة التامة طبعا وانعدام الشركة الحقيقية بين المؤمنين. ولم يكن هناك أي إجراء عملي، بأي صيغة كانت، ضد الفساد المنتشر بين صفوف الأعضاء لمحاولة إرجاع الخاطئين المساكين إلى جادة الصواب (هذا لا يعني خلو الكنيسة تماما من أولئك الذين كانوا مشتاقين لإتباع المسيح، بل كانت خليطا). فيشعر المرء أن كل هذه الأمور لا تتوافق مع رسالة يسوع المسيح، لكننا لم نرَ بديلا جادا آخرا سوى المواعظ العامة عن التوبة، بالإضافة إلى أننا كنا نرزح تحت وطأة التبريرات اللاهوتية المخدرة للضمير والجسد والمليئة بالمساومات، والابتعاد عن المجابهات والتحديات. أي بكلمة أخرى يمكن وصف جماعتنا بكنيسة يوم أحد فقط، أي كنيسة تقليدية رغم أنها أكبر كنيسة بالعالم من حيث العدد.

لكن لا تسيئوا فهمي، فلا أريد الاستعلاء عليهم أو إدانتهم. فأنا لا أريد إنكار الجميل الذي قدمته لي كنيستي التي تربيت فيها، بل أنا بالحقيقة ممنون جدا لها رغم كل شيء، فقد علمتني المبادئ الأساسية للإيمان المسيحي لاسيما التوبة والاعتراف بالخطايا للكاهن (أو لأي أخ أو أخت في المسيح)، لأن الاعتراف بالخطايا بهذا الأسلوب ينجّي الإنسان قبل كل شيء من خطيئة الكبرياء. لكننا نرى الاعتراف بالخطايا يزول تدريجيا هذه الأيام – بالأخص في الدول الغربية – حتى في كنيستي الآنفة الذكر. والنقطة الأخرى التي يجب الإقرار بها هي أن هناك في كل كنيسة حلقة صغيرة من المؤمنين المخلصين، أحسن مني ومنك، لكن المشكلة هي أن الغالبية غير ملتزمة، ولا توجد علاقات وشركة حقيقية بالأساس فيما بينهم، مما يزيد الطين بلّة. وهناك تفسيرات لاهوتية متعددة تبارك هذه الوضعية وهذا الخليط. لكن الاشتياق الذي يسكن في قلبي وفي قلب كل إنسان إلى الحياة الحقيقية الخالية من المساومات يدفعنا إلى أن نطلب المزيد ونطلب طريق المسيح بأكمله. والفضل يعود في ذلك للرب يسوع المسيح الذي قال في الإنجيل:

الذي بدَأَ فيكُم عمَلاً صالِحًا سيَسيرُ في إتمامِهِ إلى يومِ المَسيحِ يَسوعَ. (فيليبي 1: 6)

وصادف أن المدرّس الذي علمنا اللغة السويدية بالمدرسة كان قد زار أحد مجتمعات برودرهوف المسيحية Bruderhof(وتعني الكلمة بالألمانية مكان الإخوة). وهي جماعة بسيطة وصغيرة تعيش حياة مسيحية مشتركة في مجتمعات موجودة في بعض الدول، وتسعى لإتباع المسيح بإخلاص وأمانة وجاعلة من وصايا الرب وإرادته وسلامه طريقا ونهجا لحياتها بأشملها، وتضع نفسها أمام الرهان لتتوب كل يوم (لأننا نحن البشر غير كاملين)، بالإضافة إلى العيش بأخوّة يومية وحياة أخوية منظورة أكثر من الثرثرة. وأخبرنا صديقنا المدرّس بأن هذه الجماعة لها تراث إيماني جاء من حركة مسيحية شعبية جادة في زمن الإصلاح الكنسي في أوروبا في القرن السادس عشر من غير البروتستانت، عندما ترك الآلاف من الناس معشر الكنائس التقليدية الفاسد وقتذاك رافضين المساومات فيما يخص أمور مهمة في الحياة مثل الاشتراك بالحروب والقتل والسياسة، والطلاق، والطبقية، ومعمودية الأطفال الرضع، والالتزامات تجاه مجتمع الكنيسة، والتأديب الكنسي. وفي نهاية بحثهم عن الأجوبة قادهم الله لأن يعيشوا، وبصورة طوعية، حياة مسيحية مشتركة كإخوة وكأخوات. فكان لهم كل شيء مشتركا؛ وتقاسموا في كل ما يحويه اليوم من أفراح وأحزان وصراعات روحية؛ وكانوا يسعون للوحدة والاتفاق بالإجماع، والخضوع بعضهم ل��عض وللمسيح ولإرادته، مقتدين بمثال حياة الكنيسة الرسولية المبينة في كتاب أعمال الرسل في الإنجيل، الفصل الثاني والرابع. إلا أنهم لاقوا اضطهادا بسبب شهادة إيمانهم هذا في كافة أرجاء أوروبا. أما حركة برودرهوف المسيحية التي انبثقت في القرن العشرين فلم تكن هي الوحيدة من نوعها بل كانت هناك جماعات غير معروفة كثيرة صممت على المضي في هذا الطريق الضيق نفسه، طريق المحبة الأخوي والمعاكس لطريق الفساد والأنانية وشهوات الجسد والفتور والمساومات، أي طريق التهلكة.

فتحت هذه الأخبار آفاقا واسعة أمامي وشيقة في الوقت نفسه. وألقت الضوء الكاشف على عولمة واقع مجتمع الكنيسة التي كنا ننتمي إليها. لكني بدأت أبحث عن حقيقة تعاليم كنيستنا لأن شكل حياة هذه المجاميع الجادة يمس ضمير كل إنسان يتلهف على البرّ والأخوّة. فأردت معرفة الحقائق والأسباب. وطلبت مقابلة مطران كنيستي لمدينة جوتنبرج السويدية Göteborg للاستفسار عن موقف الكنيسة بالنسبة إلى موضوع الاشتراك في الحروب. فبعد أن أخبرته بموقفي وتجربتي الشخصية أثناء الحرب في العراق، أجابني بوضوح قائلا: "هذا هو موقفك الشخصي، إلا أن الكنيسة لها موقف آخر." وأخذ يفسّر ويبرّر. لكني أحسست بالتناقض الذي لم أقبله. هذا وقد تكشـّفت لي حقائق كثيرة في هذا الموضوع وفي مواضيع أخرى كذلك لم أقبلها لأنها تتناقض مع الرسالة الإنجيلية، أذكر منها على سبيل المثال، قبول الكثير من الكنائس، وحتى أغلب الأديان، مفهوم أو نظرية الحرب العادلة أو المقدسة. وهي أمر يتنافى مع نور العهد الجديد الذي جاء به يسوع المسيح.

عندما شاهدنا فيلم فيديو عن الحياة المسيحية المشتركة لحركة برودرهوف المسيحية فرحنا كثيرا وشعرنا بمحبة كبيرة في قلوبنا لهذه الحياة حتى لو كانت بسيطة. فقررنا الرحيل عن السويد للانضمام إلى ذلك المجتمع، ذلك القطيع الصغير - بعد دعوة المسيح لنا. هذا وأن التسميات ليست مهمة بل طبيعة الحياة هي التي تهم. وقد قال لنا بعض الناس أننا مجانين كوننا تركنا السويد ومستوى معيشته الراقية. لأنه كانت هناك ضمانات اقتصادية واجتماعية متعددة وجيدة. بالإضافة إلى جودة مساكنها وكل شيء فيها. فتعجبوا لماذا تركنا كل هذا لنذهب ونعيش ببساطة في مجتمعات برودرهوف المسيحية حيث ننذر فيه الفقر، ونقدم نذورنا المؤبدة! ومنذ تلك اللحظة فصاعدا وبسبب الفرحة تشجعتُ وأصبحت مستعدا للذهاب لأي سلطة حكومية كانت لأعلن عن موقفي السلمي ورفضي لحمل السلاح والاشتراك في الحروب وقتل الناس، مهما كانت العواقب، لأن إيماني رأيته متجسّدا في كنيسة بأكملها، بل هناك كنائس كثيرة تسمى كنائس السلام Peace Churches. وكل ما نضحيه هو لا شيء، أفلا تستحق الحياة في سبيل ملكوت الله ذلك؟

وفي زماننا الحاضر يوجد العديد منالجماعات المماثلة ممن تعمل وتصلي من أجل الوحي ذاته، وهو: "أن يتدخل الله في حياتنا ويرينا لمحة بسيطة عن ملكوته القادم إلى الأرض." فكل الذين وجدوا طريقهم إلى المجتمعات المسيحية المتعددة ومن ضمنها مجتمعات حركة برودرهوف، من ألمان وانكليز وأمريكان وأمريكان لاتينيين وأفريقيين وكوريين وعرب وآشوريين وغيرهم لهم الاشتياق نفسه الذي لي، وللكثيرين من الناس بالتأكيد على اختلاف معتقداتهم: وهو العيش بسلام وفرح وأخوّة، وهؤلاء كلهم هم مجرد ناس عاديين لهم حاجاتهم ومعاناتهم، مثلي مثلك. لكن في حياة مسيحية مشتركة كهذه، أي في حياة مسيحية كاملة، حيث الكفاح وتغير القلوب فيها يومي، سيلقى الإنسان دعما وعزاء وشفاء لمختلف أمراضه الروحية مثل الكبرياء أو التباهي أو الصراعات الروحية، لكن ينعدم هذا الدعم الروحي والاقتصادي والاجتماعي في مجتمع كنيسة لا يعيش في شركة عميقة.

لذا وجدتُ هذه الحياة الطوعية هي أفضل شافية عملية تجسّد رسالة يسوع المسيح بأكملها، وتجعلنا نعيش في أجواء ملكوت الله الآتي. وقد أفاضتنا أنا وزوجتي ببهجتها وأعطتنا دفعة إلى الأمام. وجعلتنا نطرح جانبا كل التفسيرات اللاهوتية لإباحة مختلف أنواع المساومات، وشجعتنا للمضي في خطى يسوع سوية مع الآخرين وفي طريق الصليب والآلام، ونتمناها لكل الناس ليعيشوا كإخوة أينما كانوا. وأدركتُ أنه من الممكن لأية جماعة أو لأية كنيسة كانت أن تكون بأكملها مسالمة وتنبذ العنف والقوة والسلاح وتكون من دعاة السلام قولا وفعلا، وذلك من خلال مطالبتها ومواجهتها لأفرادها قبل كل شيء بالعيش وفقا لوصايا الله. وكانت هذه الحياة مثل انفجار مفرح هائل في قلبي، وتجسّد اشتياق السنين كلها التي عشتها. وهي مثل الجوهرة الثمينة التي تستحق بيع كل شيء من أجلها، لشرائها.

أخوكم يعقوب
فرد من أفراد
مجتمعات برودرهوف المسيحية
Bruderhof

The dove of peace قصة عراقي pdf
مساهمة من Yacoub Yousif يعقوب يوسف

يكتب عن قضايا الساعة لا سيما عن مسائل العنف والمغفرة والسلام. وعلى الرغم من عراقيته إلا أن شعاره «محبة جميع الناس». وهو عضو في الحركة المجتمعية المسالمة الدولية برودرهوف Bruderhof.

تعرّف على المزيد
7 تعليقات