Gebhard Fugel, The Pentecost Sermon

ما هي الكنيسة؟

هل تتطابق حياة كنائسنا مع حياة الكنيسة الرسولية؟

بقلم يعقوب يوسف Yacoub Yousif

0 تعليقات
0 تعليقات
0 تعليقات
    أرسل

أخبَرَنا صديقنا يوران عن تاريخ الكنيسة، وأحاطنا علما أيضا بالتعاليم الباطلة لدى طوائف عديدة. وأرانا العديد من الفقرات في تعاليمهم التي لم تكن متطابقة مع الإنجيل.

أما أنا فقد تفاجأت بتلك الأخبار. وأخذت أقضي وقتي في البحث بعمق وبتروٍ لتقصّي الحقائق، بالإضافة إلى قراءة الكتاب المقدس قراءة مستفيضة، لأن هذا الموضوع كان يهمني كثيرا، وصار يشغلني لأن الكنيسة في نظري هي أهم وأقدس شيء على الأرض. لذلك عزمت على أن أعرف كيف أرادها المسيح، بسبب كثرة الطوائف والجماعات المسيحية، وأخذت أتساءل: «ما هي الكنيسة؟»

كنت أعلم بأن الروح القدس كان مصدر إلهام للمسيحيين الأوائل، غير أنني اكتشفت كيف تحوّلت الكنيسة تدريجيا وبحلول القرن الميلادي الرابع إلى كنيسة مؤسساتية إكليروسيّة وصارت بعد ذلك ترضى بمساومات عديدة. واتّحَدت الكنيسة مع الدولة تحت أمرة الإمبراطور قسطنطين الأول عندما صار مسيحيا وقتذاك، وأنهى اضطهاد المسيحيين.

فمنذ ذلك الوقت انخرطت الكنيسة في السياسة وتخلت عن موقفها المسالم اللاعنفي. وبالحقيقة، تم تشريع قانون، بحلول عام 416م، لا يسمح للناس بالخدمة في الجيش ما لم يكونوا مسيحيين، أي تماما بعكس ما كان موقف المسيحيين في القرون الثلاثة الأولى. لذلك، صار أعداء الإمبراطورية الرومانية أعداء للديانة المسيحية. وصارت المسيحية جزءا من الجبهة السياسية والعسكرية بين الشرق الأوسط والغرب، لأن الغرب صار يُنظر إليه على أنه مسيحي. وما نزال ندفع ثمنا باهظا بسبب ذلك الانخراط.

ورأينا بوضوح أيضا أن طبيعة حياة مجتمعات الكثير من الكنائس الحالية لا تختلف، سوى في شكل الطقوس والصلوات والليتورجيا. أما عندما يتركون الكنائس ويذهبون إلى بيوتهم فليس هناك فرق بين حياتهم وحياة بقية الناس من غير المسيحيين. أي بمعنى لا توجد مشاركة تامة، فكل فرد له حسابه المصرفي وأمواله وأملاكه الخاصة به، ولا توجد التزامات حياتية مؤبدة بخدمة الجماعة المسيحية، لأن كل فرد له حياته الخاصة وأولوياته الخاصة، كما لا توجد أية خدمات اجتماعية جادة ضمن الجماعة، ولا يوجد تعاون جاد وتضافر جهود في سبيل تربية وتنشئة أبناء الجماعة المسيحية تنشئة سليمة وطاهرة. وهذا لا يشمل الكنائس في السويد فحسب بل أيضا في أماكن عديدة في العالم.

بالتأكيد هناك مسيحيون ملتزمون التزاما روحيا عميقا في كافة الطوائف، لكن عندما يتعلق الأمر بموضوع المقاسمة والتكريس الكاملين للحياة، فنرى مجرد قلة من الناس على استعداد لاتخاذ هذه الخطوة. على أن تلك الخطوة كانت من السمات الضرورية جدا لتغيير حياة الإنسان التائب في الكنيسة الأولى في أورشليم.

وقرأتُ في الإنجيل في سفر أعمال الرسل 2: 44–47 أن المسيحيين الأوائل:

كانوا يُداوِمونَ على الاستِماعِ إلى تَعليمِ الرُّسُلِ وعلى الحياةِ المُشتَركَةِ وكَسْرِ الخُبزِ والصَّلاةِ. وتَمَّت عجائِبُ وآياتٌ كثيرةٌ على أيدي الرُّسُلِ، فاَستَولى الخَوفُ على جميعِ النُّفوسِ. وكانَ المُؤمِنون كُلُّهُم مُتَّحِدينَ، يَجعَلونَ كُلَّ ما عِندَهُم مُشتَركًا بَينَهُم، يَبيعونَ أملاكَهُم وخَيراتِهِم ويَتقاسَمونَ ثَمَنها على قَدرِ حاجَةِ كُلِّ واحدٍ مِنهُم. وكانوا يَلتَقونَ كُلَّ يومٍ في الهَيكَلِ بِقَلبٍ واحدٍ، ويكسِرونَ الخُبزَ في البُيوتِ، ويَتَناولونَ الطَّعامَ بِفرَحِ وبَساطةِ قَلبٍ، ويُسبِّحونَ اللهِ، وينالونَ رِضى النّاسِ كُلِّهِم. وكانَ الرَّبُّ كُلَ يومِ يَزيدُ عَددَ الّذينَ أنعمَ علَيهِم بالخلاصِ.»

لذلك، نرى في الإنجيل أن الكنيسة ينبغي أن لا تكون مجرد مسألة اجتماع يوم الأحد. فكان المسيحيون الأوائل يواظبون على الاجتماع يوميا. وعلى الرغم من أنهم كانوا يلتقون في الهيكل، إلا أن بعضهم التقى في بيوت بعض، وتعاونوا في نشاطاتهم المختلفة – وتشاركوا في جميع ممتلكاتهم وأملاكهم. ولم أرَ طبعا مثل هذه الحياة في الكنائس التي كنت أرتادها.

وقد وضّح لنا السيد المسيح الفرق بين علاقة الدم وعلاقة الإيمان. وعندما قال أحد الحاضرين في الجمع الذي كان يسوع المسيح يكلمه أن أسرة يسوع واقفة في خارج الدار تريد رؤيته، أجابه يسوع قائلا: « ‹مَنْ هيَ أُمّي، ومَنْ هُمْ إخْوَتي؟› وأشارَ بيدِهِ إلى تلاميذِهِ وقالَ: ‹هؤُلاءِ هُمْ أُمّي وإخوَتي. لأنَّ مَنْ يعمَلُ بمشيئةِ أبي الّذي في السَّماواتِ هوَ أخي وأُختي وأُمّي.› » (متى 12: 46–50) أي بمعنى أن إخوتي الحقيقيين هم الذين يقاسمونني الإيمان، وليس بالضرورة أولئك الذين لدينا معهم علاقة دم.

وتحلّى المسيحيون الأوائل بوعي كامل بأهمية الخدمات الاجتماعية. فلم يكن بينهم لا غني ولا فقير، لأن كل شيء كان مشتركا. فأحزنتني كثيرا رؤية الفروقات الشاسعة في الطبقات الاجتماعية والاقتصادية في الكنائس التي كنت أرتادها.

وفي القرون الميلادية الثلاثة الأولى، استاء مرة الإمبراطور الروماني الوثني وتكدَّر من أن المسيحيين لم يكتفوا بتقديم الرعاية لإخوانهم من المسيحيين الفقراء فحسب وإنما قدموها حتى إلى الوثنيين الفقراء كذلك. غير أني لم أرَ سوى وعي ضئيل جدا بموضوع الخدمات الاجتماعية في الأوساط المسيحية. فأفرادها لا يهتمون سوى بخلاصهم الذاتي، ولا يقدمون الرعاية للحاجات الدنيوية للذين من حواليهم. وإن القديس يعقوب الرسول وبّخ الكنيسة بهذه الكلمات:

ماذا يَنفَعُ الإنسانَ، يا إخوَتي، أنْ يَدَّعيَ الإيمانَ مِنْ غَيرِ أعمالٍ؟ أيَقدِرُ هذا الإيمانُ أنْ يُخلِّصَه؟ فلَو كانَ فيكُم أخٌ عُريانٌ أو أُختٌ عُريانةٌ لا قوتَ لهُما، فماذا يَنفَعُ قَولُكُم لهُما: «إِذهَبا بِسَلامٍ! استَدفِئا واشبَعا»، إذا كُنتُم لا تُعطونَهُما شيئًا مِمّا يَحتاجُ إلَيهِ الجَسَدُ؟ وكذلِكَ الإيمانُ، فهوَ بِغيرِ الأعمالِ يكونُ في حَدِّ ذاتِهِ مَيتًا. (يعقوب 2: 14–17)

ثم أن هناك مسألة المعمودية. فنرى في إنجيل السيد المسيح للعهد الجديد أن الناس تم تعميدهم بناء على إعلانهم لشهادة الإيمان المسيحي، أي بمعنى، أنهم كانوا ناس بالغين أدركوا بشاعة حياتهم الأثيمة، وتابوا عنها، ومن ثم جرى تغطيسهم بالماء كعلامة على نيل الغفران. فلماذا تعمّد الكنيسة الأطفال الصغار؟ ألا ينتمي الأطفال إلى ملكوت الله سلفا؟ لقد قال السيد المسيح: «دَعُوا الأطفالَ يَأتونَ إليَّ ولا تَمنَعوهُم، لأنَّ لأمثالِ هَؤلاءِ مَلكوتَ اللهِ. الحَقَّ أقولُ لكُم: مَنْ لا يَقبلُ مَلكوتَ اللهِ كأنَّهُ طِفْلٌ لا يَدخُلُهُ.» (لوقا 18: 16–17) إن تلاميذ السيد المسيح لم يعمّدوا أطفالا؛ فكانوا لا يعمدون سوى أولئك التائبين من آثامهم والقادرين على إعلان إيمانهم المسيحي بالله. لذلك، كنت أتساءل لماذا كانت الكنائس تعمّد الأطفال.

وهناك سؤال مهم جدا وهو عن موضوع تفشي الخطيئة بين أبناء الكنيسة. فغالبا ما يتغاضى القساوسة عن ممارسات أبناء رعيتهم، ولا يواجهونهم بها مثل: اِغتياب ونميمة وملابس غير محتشمة وحتى علاقات غير شريفة. فبالرغم من أن بعض القساوسة كانوا بالحقيقة يتكلمون جهرا، لكن لم يكن هناك أي وعود فيما بين المؤمنين تلزمهم بأن يجابه بعضهم بعضا. ويحضَّنا القديس يعقوب الرسول على محاسبة إخواننا وأخواتنا من المؤمنين في الكنيسة على أفعالهم، قائلا: «فليَعلَمْ أنَّ مَنْ رَدَّ خاطِئًا عَنْ طريقِ ضَلالِهِ خَلَّصَ نَفسًا مِنَ الموتِ وسَتَرَ كَثيرًا مِنَ الخَطايا.» (يعقوب 5: 20)

ويعلمنا الإنجيل أن كل من يبغي الاستمرار في حياة الخطيئة فمن الضروري استبعاده من عِشرة الكنيسة. وتخبرنا الرسالة إلى العبرانيين: «لأنَّ مَن يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُه ويَجلِدُ كُلَّ ابنٍ يَرتَضيهِ.» (عبرانيين 12: 6) فلو أحببنا إخوتنا المسيحيين بحق لفعلنا كل ما هو ضروري لاستعادتهم إلى محفل الجماعة المسيحية عن طريق التوبة. ويتطلب هذا أحيانا وقتا من الهدوء والسكينة الروحية – وهذا ما يعرف بالتأديب الكنسي. وهو ليس عقابا بل وقتا يجري فيه تأمُّل ما قد حصل في حياة الشخص من أمور باطلة بغية تحقيق بداية جديدة. غير أني لم أجد كنيسة تمارس هذا الأمر.

أما موضوع خطيئة الطلاق والزواج الثاني، فتكلم يسوع المسيح عنها تكلما واضحا لا تشوبه شائبة، حيث قال: «مَنْ طلَّقَ اَمرأتَهُ وتَزوَّجَ غَيرَها زنى علَيها، وإنْ طَلَّقتِ اَمرأةٌ زوجَها وتَزوَّجت غيرَهُ زَنَت.» (مرقس 10: 11–12) فالطلاق والزواج الثاني (بعد طلاق) غير مسموح بهما في كنيسة يسوع المسيح، لكن، ومع ذلك، لاحظت وجود الكثير من حالات الطلاق في الكنائس.

وماذا عن التدخُّل في السياسة ومتاهاتها ومساوماتها وألاعيبها؟ لقد فهمت أن كلام السيد المسيح كان واضحا بخصوص الفرق بين قادة هذا العالم وقادة كنيسته المقدسة. لقد قال:

تَعلَمونَ أنَّ رُؤساءَ الأُممِ يَسودونَها، وأنَّ عُظماءَها يتَسلَّطونَ علَيها، فلا يكُنْ هذا فيكُم. بلْ مَنْ أرادَ أنْ يكونَ عَظيمًا فيكُم، فلْيكُنْ لكُم خادِمًا. ومَنْ أرادَ أنْ يكونَ الأوَّلَ فيكُم، فلَيكُنْ لكُم عَبدًا: هكذا اَبنُ الإنسانِ جاءَ لا ليَخدِمَهُ النّاسُ، بلْ ليخدِمَهُم ويَفدي بحياتِهِ كثيرًا منهُم. (متى 20: 25–28)

فيقول يسوع المسيح هنا أن على المسيحيين أن لا يتدخلوا في سياسات هذه الدنيا. فقيادتهم من نوع مختلف. فكل من أراد الخدمة بأسلوب المسيح، ينبغي أن يصبح خادما، وليس رئيسا، سواء كان كاهنا أو قسيسا أو شماسا أو علماني كمؤمن عادي.

فجميع الحكومات في هذا العالم، سواء كانت ديموقراطية أو ديكتاتورية، تختلف عن نهج الكنيسة، التي تتسم بالوحدة والإجماع والاتفاق التام للآراء، لاسيما في مواضيع الحياة المهمة التي طرحها الإنجيل.

وبالرغم من أن الديموقراطية أحسن من الدكتاتورية نسبيا، إلا أن الديموقراطية ليست أفضل من الديكتاتورية جوهريا. فبالدكتاتورية، تهيمن فئة صغيرة على فئة كبيرة. أما بالديموقراطية فتهيمن فئة كبيرة على فئة صغيرة. لذلك نرى، أنه في كلا النظامين، لا يوجد وئام تام وكامل بين الناس. ولهذا السبب نرى عدم وجود شفاء وفرح وإرضاء لجميع الناس حتى في النظام الديموقراطي.

فللكنيسة دعوة إلهية تختلف عن دعوة الحكومات الدنيوية. فيستخدم الله الحكومات الأرضية للحفاظ على القانون والنظام، ويستخدم دولا لتحاكم دولا، لذلك لا ينكر المسيحيون دور الحكومات وفقا لترتيب الله؛ فلهذا السبب هناك توصيات في الإنجيل لاحترام أولئك أصحاب الرئاسات الزمنية. غير أن هذا ليس دور الكنيسة. وقد توضح لي هذا الموضوع بعد قراءتي لكتاب اِيبرهارد آرنولد Eberhard Arnold «ثورة الله» الذي يحتوي فصلا كاملا عن موضوع موقف المسيحي تجاه الحكومات.

وأخيرا كيف يحق للمسيحي حمل السلاح والاشتراك في القوات المسلحة؟ ألم يوصِّنا المسيح بمحبة أعدائنا؟ فكيف نحبهم ونحن نقتلهم؟ إذ نرى إنجيل السلام في معارضة مباشرة مع الروح الحربية. وكان لهذا الموضوع أهمية خاصة عندي، وذلك بسبب كل ما شهدته في الجيش والحرب في العراق.

لذلك بحثتُ بموضوعية عن الحقيقة، وخرجت بنتيجة مفادها أن الكنيسة تتسم بالروحية الجماعية المتضامنة وليست بالروحية الفردية المنعزلة، فهي لا تتكون من مجرد عدد من الأفراد المؤمنين «المخَلَّصين» وإنما من جماعة مؤمنة متحدة يتعاون أفرادها بعضهم مع بعض ويسعون معا إلى ملكوت الله ومبادئه، ويجاهدون في سبيل تجسيد نظام جديد من حياة الوحدة والنقاوة والسلام. وقد غمرني هذا الاستنتاج بالفرح، لأنه جسّد بالحقيقة الاشتياق الكامن في روحي لسنوات.

هذا المقال مقتطف من كتاب «غمدت سيفي»

Pentecost Sermon painting by Gebhard Fugel 1863-1939 موعظة يوم العنصرة، بريشة جيبهارت فيوكل Gebhard Fugel
هل لديك تعليق؟ تفضل وشارك المحادثة. 0 تعليقات
مساهمة من Yacoub Yousif يعقوب يوسف

يكتب عن قضايا الساعة لا سيما عن مسائل العنف والمغفرة والسلام. وعلى الرغم من عراقيته إلا أن شعاره «محبة جميع الناس». وهو عضو في الحركة المجتمعية المسالمة الدولية برودرهوف Bruderhof.

تعرّف على المزيد
0 تعليقات