orange and red paint

التوبة

هل نحتاج إليها؟

بقلم اِيبرهارد آرنولد Eberhard Arnold

0 تعليقات
0 تعليقات
0 تعليقات
    أرسل

ما هي الخطيئة؟

إنَّ القطيعة البليغة للبشر مع الله هي السبب الجذري لزيادة غرقه في الفساد بشكل أعمق وأعمق، جسميّا ومعنويا. (رومة 1: 18- 32) أما الحياة فمعناها اقتلاع كل ما هو مكبّل بالموت. فنحن مرضى بخطايانا بصورة ميؤوسة منها وسوف نموت فعلا ما لم نُحرَّرْ من الخطيئة والشرّ. (رومة 6: 20- 23) لأن الكراهية والقتل والكذب والجُبْن والغش والدنس الجنسي والانحطاط في الأحاسيس هي كلها مدمرة للحياة. وفي الوقت الذي تُبهِرُنا كل هذه الأمور بوهم خدّاع على أننا مليئون بحيوية كبيرة في الحياة نراها تعمل شيئا فشيئا على إطفاء آخر بصيص للحياة الحقيقية في داخلنا وبشكل أكيد.


هل تعتبر جميع الخطايا شكلا من أشكال المرض؟ فإذا قلنا نعم، فسنتملّص من مسؤولية اِقترافها. وذلك أمر خطير للغاية. فالبشرية اليوم معرضة للموت، وهذا يعني المرض؛ ولكن الكتاب المقدس يبيّن لنا أنّ العنصر السام والمميت في الموت هو الخطيئة، وإن لم نكن مستعبدين من قبل الخطيئة، فلن نموت. (رومة 5: 12) هذا وأنّ الخطيئة هي من عمل أيدينا. وعندما نقترف إثما فإننا نقوم بإنهاء علاقتنا وشركتنا مع الله والانضمام إلى شركة شريرة ذات قوى معادية لله.

أنَّ الخطيئة تصنع رباطا مع السمّ. وهي تدمر الحياة، وتمزق الشركة مع الله - أيْ تلك العلاقة الحيّة مع الله الذي هو الروح القدس الواهب للحياة الخَيِّرة. وحتى لو عرفنا أنّ الخطيئة مرتبطة مع المرض الذي هو موت، إلا أنّنا برغم ذلك مسئولون عن خطايانا؛ لأن الخطيئة هي من نتاج عملنا وإرادتنا المحضة.


سيكون من الخطأ أن نقول نعم لكل شيء في الحياة ونقبل به كما هو عليه. فيجب علينا اتخاذ موقف واضح حيال كلّ من ملذات الحياة وأيضا مصاعبها التي في انتظارنا على حد سواء. وبالرغم من أنّ الشرّ، وبأسوأ درجاته، قد يلعب دورا بارزا في مجرى التاريخ، لكن يجب على كل من استولى الله على قلبه أن يتخذ موقفا ضد الشرّ، فمن الواجب عليه أو عليها أن يقتلع هذا الشرّ من حياته أو حياتها ويسعى للتغلب عليه لصالح البشرية جمعاء. ولما كان هذا الموقف موقفا نضاليا ومحاربا، فهو بمثابة تأكيد أصيل وإصرار على ترجيح الحياة الخَيَّرة. لأن الحياة الصادقة لا تطيق احتضان أي شيء يؤدي إلى الزيف أو الغدر أو الكذب أو سوء النية أو جعل الأموال أو غيرها من الأشياء الخارجية تهيمن علينا. وإلا ستكون عبودية، أي استنكار جذري للحياة. هذا ولا يمكننا اِتخاذ موقف إيجابي حقيقي والتأكيد على أسمى ما في الحياة والمضي في طريق المحبة والخدمة ورفض كل نقيض لهما إلا عندما يمسك الروح القدس حياتنا بقبضته هو.


تعني التوبة أنّ الشخص يشعر بالنفور والاشمئزاز من كل حياته أو حياتها الأثيمة ومن كل خطيئة من خطاياه أو خطاياها. فتصبح الخطايا بغيضة للغاية. فالتوبة هي توجُّع ناجم عن نفور كامل عن الخطايا؛ إنها مشاعر الندم التي يحصل عليها الإنسان الذي يتمنى فيها أن يفعل كل ما في وسعه لتجنب الأشياء السيئة التي أقترفها. إنها مشاعر الهلع التي تكتنف كيان الإنسان، ومشاعر تفضيل الموت على أن يعيش ثانية مع أي من هذه الأدناس حتى بدرجاتها الطفيفة. فالتوبة هي ندامة، وهي قطيعة نفسية تامة مع الحياة الباطلة التي كانت تحاول أن تجعل من الفرد بميوله أو بميولها الشيطانية أن يحلّ محلّ الله.


تعني التوبة أننا يجب أولا وقبل كل شيء أن نعي ونقر إقرارا كاملا بفظاعة ما قمنا به، وبمقدار لعنته. ويجب علينا أن نرى بوضوح أنّ ما قمنا به هو مدمر وقاتل. أما البقية فستأتي، خطوة فخطوة.

فمن المهم عدم التحدث عن تحرّرنا في مجال واحد ما لم نكن قد تحررنا في الوقت نفسه في جميع المجالات الأخرى. ولا ينبغي لنا أن نظن أننا نتخذ موقفا حازما في الوضع السياسي أو ندعي بأننا خوالٍ تماما من الظلم الاجتماعي ما لم نكن في الوقت نفسه أحرارا من الكذب والفجور. فمن المستحيل إدانة ومقاتلة خطيئة معينة في الوقت الذي نرخى فيه ونتساهل مع غيرها.


إنّ معنى الولادة الجديدة التي تكلم عنها يسوع مع الرجل الذي جاء إليه ليلا هو التوبة. (يوحنا 3: 1- وما يليها) والتوبة تعني انقلاب شامل ودقيق. فنصير بهذه الولادة الجديدة معفيين من جميع خطايانا ومخلَّصين لأن خطايانا قد غُفرت واِندحضت بفضل يسوع المسيح، ذاك المصلوب والقائم من بين الأموات. ويبدأ الانقلاب المصاحب للتوبة بتغيير حياتنا الأخلاقية تغييرا جذريّا. وما لم نقلع عن كل الشرور، فلا يكون هناك تغييرا حقيقيا، ولا توبة حقيقية. وطالما أننا نقترف الخطيئة، فنحن عبيد للخطيئة. ولكن إذا كنا مولودين من الله، فلن نُخطِئَ.


الغُفران يلي التوبة

نحن نعترف بأننا لسنا معصومين من الخطيئة ولا يمكن أن نكون بلا خطيئة. فنبقى دائما بحاجة إلى المغفرة، فلذلك يلزمنا أن نطلب المغفرة والصفح باستمرار. ومثلما نحن شخصيا نحتاج إلى المغفرة، فيجب علينا أن نغفر للآخرين أيضا. والمسيح الذي جاء من السماء إلى الأرض لمساعدتنا، سيهبنا القوة لمسامحة الآخرين.

لذلك فالرسالة التي يتعين علينا أن نعلنها هي كالآتي: من الممكن التحرّر من سيطرة جسدنا وشهواته علينا، وكذلك من عنادنا، وسيمكّننا هذا ال��حرّر عندئذ من حبّ الآخرين حبا كبيرا يجعلنا نغفر لهم من كل قلوبنا جميع سيئاتهم نحونا. وبهذا ستتجدد قلوبنا، وسيكون حتى موقفنا بشأن العدل حقاني، لأنه سيكون مطابقا لعدل ملكوت الله.


لقد وهب يسوع روحه القدوس إلى الوحدة التي تتحلّى بها الكنيسة المقدسة، أيْ وحدة الرسل، من أجل تمثيل ملكوته، وقد وهبها بصلاحيات كاملة. وقد مكّنت صلاحيتهم التي تخولهم الحلّ والربط - أيْ منح الغُفران أو مسكه - مكّنت الناس من التحرّر تماما ليتسنى لهم دخول ملكوت الله. هذا وأنّ الضمير يموت بدون مغفرة الخطايا. ولا يمكن لأحد أن يرى ملكوت الله بدون مغفرة خطاياه. وقد عُهِد إلى كنيسة الله (وهي أية كنيسة موحّدة في الإيمان والحياة) بسلطان مغفرة الخطايا، الذي يسري مفعوله على ضمائر كل البشر؛ وباعتبار هذا السلطان من مهام الكنيسة والامتياز الذي تتمتع به لمصلحة يومنا الحاضر وجيلنا الحالي، فقد وُهِبت الكنيسة المقدسة حياة مماثلة لحياة يسوع ومماثلة لحياة ملكوته المستقبلي.

دعونا نشكر الله على مغفرة الخطايا. فبدونها لا يمكننا المثول أمام الله يوما واحدا؛ وبدونها لا يمكننا العيش في مجتمع مسيحي ليوم واحد. وبدون مغفرة الخطايا لا يكون هناك لا فرحا ولا محبة، لأن الذي قد غُفِر له كثيرا هو الوحيد الذي يحب كثيرا. (لوقا 7: 47) فلنشكر الله ونحمده على أنّ سرّ الغفران المقدس حيّ بيننا. فلنصلِّ من أجل أن تساعدنا قوة الروح القدس وتقوينا لنغفر ونسامح، في كل ساعة وكل لحظة، مهما أساءوا إلينا الآخرين ومهما ظلَّ قصورنا البشري موجود معنا. ولا يمكننا أن نسأل الله ليغفر خطايانا إلا إذا كنا قد غفرنا لجميع الذين أخطئوا بحقنا. (متى 6: 12)

 

هذا المقال مقتطف من كتاب "ثورة الله"

sun shining on a city
هل لديك تعليق؟ تفضل وشارك المحادثة. 0 تعليقات
مساهمة من Eberhard Arnold اِيبرهارد آرنولد

يقول اِيبرهارد آرنولد، أننا نلمس فعلا في داخلنا جبروت الصليب وقدرته على خلق مجتمع مسيحي أخوي، مثلما نلمس في الوقت نفسه جبروت يسوع المسيح. لكن مع ذلك فإننا نجد أيضا في داخلنا كل ما يعارض المجتمع المسيحي، ويجب أن نكون على دراية تامة بهذه الحقيقة. فنحن ناس اجتماعيون تارة وغير اجتماعيين تارة أخرى. ثم إننا ضعفاء وأنانيون أيضا، ويوجد فينا ذاك الصراع ما بين الثقة وعدم الثقة، حيث جميعنا يؤمن ولا يؤمن...ولا يمكنك أن تعيش حياة دينية بصورة واقعية ما لم تدرك أن هذا الصراع موجود باستمرار.

تعرّف على المزيد
0 تعليقات