دار المحراث للنشر

آخر المقالات

هل حتى ذِكْرُها قبيح؟

كريستوف آرنولد Christoph Arnold

English

بالأمسِ كُنتُم ظَلامًا، وأنتُمُ اليومَ نُورٌ في الرَّبِّ. فَسيروا سِيرَةَ أبناءِ النُّورِ، فَإِنَّ ثَمَرَ النُّورِ يَكُونُ فِي كُلِّ صَلاَحٍ وَاسْتِقَامَةٍ وَحَقٍّ. فتَعَلَّموا ما يُرضي الرَّبَّ، ولا تُشاركوا في أعمالِ الظَّلامِ الباطِلَةِ، بَلْ ِ الأَولى أنْ تَكشِفوها. فَالأُمُورُ الَّتِي يَفْعَلُونَهَا سِرّاً، قَبِيحٌ حَتَّى ذِكْرُهَا.
أفسس 5: 8-12

لنرجع بضع سنوات إلى الوراء، حيث أوصت جماعة من المستشارين في كنيسة إنجلترا (في حزيران 1995) بحذف عبارة "يعيشون في خطيئة" كما أوصت أنَّ الشركاء غير المتزوجين، سواء كانوا من جنس مغاير للآخر أو من جنس مماثل، يجب أن "يقدم لهم التشجيع والمساندة" في أسلوب حياتهم، وأن يكون هناك المزيد من الاستعدادات للترحيب بهم في الأبرشيات الأنغليكانية (أي الكنائس الإنكليزية الرسمية). وحيث أن هذه الجماعة قد افترضت أنَّ "علاقات وأفعال الحب" بين الجنس المماثل في حد ذاتها ليست أقل قيمة من العلاقات التي تكون بين شريكين من جنسين مغايرين، لذلك اقترحت جماعة المستشارين أن يـُسمح بالتعبير عن الحب "بصور متعددة من العلاقات". ورغم أن تقريراً كهذا لم يعد مستغرباً في عالم اليوم، إلا أن ما يثير الدهشة هو سماعه من كنيسة رسمية، ومما يزيد من هذه الدهشة أن كنائس طوائف أخرى قد أكدت أفكار مشابهة.

يجب أن نحب الخاطئ، لكن يجب أيضا
أن نتكلم جهاراً ضد الخطيئة

قمت بالخدمة حديثاً في لجنة من الآباء والمعلمين في مدرسة ثانوية محلية، وكنت قادراً على ملاحظة القوة التي صارت إليها حركة قبول الجنسية المثـلية (أي اللواط والسِحاق) - وكيف أنها تسللت تقريباً إلى كل مظهر من مظاهر الحياة العامة. وكانت اللجنة الاستشارية للصحة في منطقة المدرسة خائفة خوفاً كبيراً من أن يتحول منها أو ينسلخ عنها اللوطيون والسحاقيات، حتى أنها ترددت في تعريف ماهية "الأسرة"، دع عنك اتخاذ موقف بشأن ما يسمى بالقيم الأسرية. وأخيراً حُسم الموقف في تعريف الأسرة على أنها "اثنان من الناس يرتبطان معاً" (دون الإشارة إلى ضرورة أن يكون هذان الاثنان ذكراً وأنثى!)

يخشى كثير من السياسيين ونفر متزايد من رجال الدين قول أي شيء ضد مثل هذا التعريف عن ماهية الأسرة، خوفاً أن يفقدوا أصوات الناخبين أو وظائفهم. فالقلائل جداً مَنْ يجرؤ على الوقوف للمعارضة ليقولوا "كـفـى!". هذا وبإنكارهم لتعريف الزواج الصحيح الذي هو عهد بين رجل واحد وامرأة واحدة، فهم لا يشككون في الأسرة كمؤسسة اجتماعية برمتها فحسب، بل أيضاً يتنكرون بصراحة لترتيب اللـه للخليقة. فهم يرسلون إلى أولادنا رسالة مفادها أنَّ كل الخيارات صحيحة، وأنَّ الارتباط الدائم مدى الحياة بشريك من الجنس الآخر هو مجرد خيار من بين خيارات كثيرة.

قد يبدو لبعض القراء أنني أؤيد الكراهية تجاه أصحاب الجنسية المثلية – أي "سحق اللوطيين واجتثاثهم" كما يسمونها، لكن دعوني أؤكد لكم أني لا أنادي بكراهيتهم، لأن كل واحد فينا هو خاطئ ويقصّر كل يوم، ولا يوجد أي أساس كتابي يجعل من خطيئة اشتهاء الجنس المماثل أسوأ من غيرها من الخطايا، بل أنّه حتى السخرية من أصحاب الجنسية المثلية أو إدانة أحد ممارسيها بطريقة أكثر خشونة من أي خاطئ آخر أو النظر إليه (أو إليها) نظرة إدانة واحتقار يُعد خطيئة بحد ذاتها: نحن نعرف من البشائر (أي الإنجيل) أنه لا توجد خطيئة جنسية أيـّاً كانت بشاعتها لا يمكن غفرانها أو شفائها (أفسس 2: 3-5). ومع ذلك فنحن نعرف أيضاً أن يسوع يكره الخطيئة، رغم محبته للخاطئ كما نعرف عزمه على تحريره وافتدائه.

تأييد الجنسية المثلية معناه
إنكارٌ لقصد اللـه من الخليقة

غني عن البيان أنّ سلوك أو اشتهاء الجنس المماثل يُعَدُّ خطيئة. فهي "خطيئة ضد الطبيعة"، وضد ما خططه اللـه لخليقته، بل هي شكل من أشكال عبادة الذات وعبادة الأوثان (رومية 1: 26). وهي باعتبارها فعل جنسي بين اثنين من الجنس نفسه، فهي الخطيئة "المـُفجـِعة جداً" التي كانت لقوم لوط في سدوم وعمورة (تكوين 19: 1-29).

في سفر اللاويين 18: 22-23، يدعو اللـه جماع اللواط أنَّه رِجس، فيقول: "وَلاَ تُضَاجِعْ ذَكَراً مُضَاجَعَةَ إمْرَأَةٍ. إِنَّهُ رِجْسٌ". ونقرأ في سفر اللاويين 20: 13: "وَإِذَا إضْطَجَعَ رَجُلٌ مَعَ ذَكَرٍ إضْطِجَاعَ إمْرَأَةٍ فَقَدْ فَعَلاَ كِلاَهُمَا رِجْساً. إِنَّهُمَا يُقْتَلاَنِ. دَمُهُمَا عَلَيْهِمَا". ولندع مَنْ يقلل من شأن هذا التحريم والتحذير عن طريق تفسيرهم للأمر بالأسلوب التالي: أنَّنا الآن "لم نعد تحت الناموس بل تحت النعمة"، فلندعهم يشرحون لنا إذن لماذا لم يتجاهلوا نكاح المحارم (أي الأقارب القريبين جداً)، أو الزنا، أو البهيمية (أي الاتصال الجنسي بين الإنسان والحيوان)، أو تقديم البشر كذبيحة قُربان. والبهيمية قد أدينت في الأعداد الكتابية التالية: "وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ بَهِيمَةٍ مَضْجَعَكَ فَتَتَنَجَّسَ بِهَا. وَلاَ تَقِفِ إمْرَأَةٌ أَمَامَ بَهِيمَةٍ لِنِزَائِهَا. إِنَّهُ فَاحِشَةٌ" (لاويين 18: 23).

والعهد الجديد (أي الإنجيل) يدين أيضاً الجنسية المثلية. فيكتب بولس الرسول في رسالته إلى رومة 1: 26-28 فيقول:

"... لأَنَّ إِنَاثَهُمُ اسْتَبْدَلْنَ الاِسْتِعْمَالَ الطَّبِيعِيَّ بِالَّذِي عَلَى خِلاَفِ الطَّبِيعَةِ. وَكَذَلِكَ الذُّكُورُ أَيْضاً تَارِكِينَ اسْتِعْمَالَ الأُنْثَى الطَّبِيعِيَّ اشْتَعَلُوا بِشَهْوَتِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَاعِلِينَ الْفَحْشَاءَ ذُكُوراً بِذُكُورٍ وَنَائِلِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ جَزَاءَ ضَلاَلِهِمِ الْمُحِقَّ".

وفي رسالته الأولى إلى كورنثوس 6: 9-10، يقول الرسول بولس أيضاً:

"... أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللـه؟ لاَ تَضِلُّوا! لاَ زُنَاةٌ وَلاَ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ وَلاَ فَاسِقُونَ وَلاَ مَأْبُونُونَ وَلاَ مُضَاجِعُو ذُكُورٍ  .... يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللـه."

ويفسر الكثيرون من جديد هذه الأعداد الكتابية على إنها مجرد إدانة للاغتصاب المثلي (أي اغتصاب رجل لرجل أو امرأة لامرأة)، وأيضاً إدانة الإباحة الجنسية، وإدانة الشهوة أو السلوك المثلي الـ "غير طبيعي" لرجل (أو امرأة) غيري. ويزعمون أن ما يدينه الكتاب المقدس هو السلوك "الظالم" فقط سواءٌ أكان جنس مثلي أم غيري، لكن، أليس الأمر واضحاً عندما يتحدث بولس عن "مضاجعة الذكور" أنَّه يتحدث عن الظلم (الأذى) الذي يسببه الجنس المثلي بحد ذاته؟... فلو كانت مجرد اعتداءات الجنس المثلي وحدها هي الشريرة، فماذا إذن عن بقية ما ذكره الرسول بولس في نفس الفقرة: زناة، عبدة أوثان، فاسقون...إلخ.

وما عسى أن يكون أوضح من كلام الرسول بولس في رومة حين يسمي الجنسية المثلية (أيْ اللواط والسحاق) أنَّها "شهوة أثيمة، ونجاسة جنسية" ويضيف أنَّها "مـُخزية ومـُذِلـّة"؟... ثم ماذا عن حديـّة كلامه البيـّن ضد تسليم المرء نفسه "للفحشاء"؟ (رومة 1: 24-28). إنّ أفعال الجنسية المثلية دائماً دنسة، لأنها دائماً تشوه فكر اللـه لخليقته. وهذه الأفعال لا يمكن أن تجد لها سنداً في الكتاب المقدس على الإطلاق. ويصح كلام الإنجيل هذا حتى عندما تُجرى هذه الأفعال ضمن ما يسمونه بعلاقة "حـُبـيـّة" مديدة الحياة. فهي مثلها مثل قضايا الزنا (الغيرية) التي قد يـُنظر إليها كذلك أنَّها علاقة حـبـيـّة وقد تكون طويلة الأمد، إلّا أنَّ هذا لا يجعلها على حقّ.

من الشائع اليوم أن نسمع أناساً يتذمرون من الظلم الناشئ عن تحميل أصحاب أفعال الجنسية المثلية مسؤولية توجههم هذا أو حتى أسلوب الحياة الذي لم يختاروه لأنفسهم بالضرورة، لكن هذا مجرد ذريعة للخطيئة. فسواء أكان أصحاب الجنسية المثلية مسؤولين أم غير مسئولين عن توجههم الجنسي، فذلك ليس له صلة بسلامة أو خطأ سلوكهم. إنّ تفسير السلوك شيء، وتبرير السلوك شيء مختلف تماماً.

مهما يكن أصل أو نوع الإغراءات الجنسية
فإنه يمكن التغلب عليها

قد تكون الدوافع الجنسية لأصحاب الجنسية المثلية شديدة، لكن الحال ذاتها تنطبق على كل فرد آخر، لأن كل واحد فينا ميال "بالطبيعة" إلى فعل ما لا يجب فعله، لكن إذا آمنا باللـه، فيجب أن نؤمن أيضاً أنه قادر على إعطائنا النعمة للتغلب على أية صراعات قد يتعين علينا تحملها: "تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضُّعْفِ تُكْمَلُ" (2 كورنثوس 12: 9-10).

وفي التحدث جهاراً ضد الجنسية المثلية، يجب أن نتذكر دائماً أنه بالرغم من أنّ الكتاب المقدس يدين سلوك الجنسية المثلية، إلا أنه لا يعطينا مطلقاً إذناً أو ترخيصاً لإدانة الناس الذين يتورطون فيها. ونحن كمسيحيين لا يمكننا أنْ نتغاضى عن إنكار الحقوق الأساسية لأي إنسان مهما كان السبب. فمن السهل جداً أن ننسى أنّ الكتاب المقدس لديه الكثير ليقوله ضد الكبرياء والانتفاخ، والطمع والجشع، والكراهية والضغينة، والبرّ الذاتي (أيْ عدم حاجتنا لله)، أكثر مما لديه عن الجنسية المثلية. ومع ذلك، يجب أن نظل نقاوم دائماً تخطيط أولئك الذين يحاولون إعادة تعريف الجنسية المثلية على أنها "أسلوب حياة اختياري" - خصوصاً وإنها تؤثر على دعم تشريع الزواج المثـلي (بين اثنين من الجنس نفسه) - فضلاً عن الجهود الرامية لإجبار الجماعات الدينية على قبول أصحاب الجنسية المثلية كأعضاء في جماعاتهم بل حتى كقساوسة (1كورنثوس 5: 11).

من الضروري أيضاً أن نميز بين الميل أو "الـتـوجـّه" إلى اشتهاء الجنسية المثلية من جهة، وبين ممارسة الجنسية المثلية كأسلوب حياة فعّال من جهة أخرى. فقد ينشأ الـتـوجـّه عن طريق مؤثرات نفسية، أو بيئة اجتماعية فاسدة، بل ربما يكون سببه (حسب رأي بعض العلماء) تكوين وتركيب جيني وراثي، غير أن ممارسة الجنسية المثلية واتخاذها كأسلوب حياتي، فهي من اختيار الشخص نفسه. أما الجدال في المسألة التي تزعم بأنّ الشخص لا حول له ولا قوة في اختياره للوقوف إلى جانب الخطيئة أو ضدها والاِدعاء بأنّ الذنب هو ذنب حضارتنا أو النشأة الأسرية أو الجينات فهذا المنطق معناه إنكار لمفهوم حرية الإرادة للشخص.

وحتى في حالة كونها "تـوجـّه" فإن الجنسية المثلية هي حالة خاصة تتميز بتعمق جذورها، وأولئك الذين يصارعون معها يستحقون الشفقة والمساعدة. لذلك نحن بحاجة إلى أن نكون في أهبة الاستعداد لقبول الرجل (أو المرأة) المصاب بالجنسية المثلية في معشرنا وأيضاً إلى أنْ نقف معه - بصبر وبمحبة، وفي الوقت نفسه يجب أن يكون لنا موقفاً واضحاً يرفض التساهل مع استمرارية ارتكاب الخطيئة. وفوق كل شيء، فإنّ أولئك الـمٌـثقَّلين بعبء الجاذبية نحو الجنس المماثل يُفترض بنا تنبيههم وتذكيرهم بخطة اللـه الأصلية للخليقة، ومساعدتهم ليروا على أنّ لا رجل فعلاً كامل ولا امرأة فعلاً كاملة بدون الآخر.

لقد قمتُ بعمل تقديم المشورة لناس كثيرين ممن قد جاهدوا مع إغواء الجنسية المثلية. ففي بعض الأحيان كان يبدو موقف الشخص ميئوساً منه، لكنني وحسبما رأيتُ أنه حتى ذاك الراسي لمدة طويلة في حياة اللواط “gay lifestyle” يمكن بالحقيقة مساعدته. وسواء كافح اللوطي (أو السحاقية) ضد الإغواء أم لا، فهناك حقيقة لا تتغيّر، ألا وهي: أنه إذا التجأ الشخص إلى يسوع بعزم ثابت، فبالإمكان حينئذ مساعدته وتحريره؛ أما إذا كان منقسماً في صميم قلبه، فلا تنفعه حتى أقوى الجهود لمقاومة الإغواء بل ستَعُوقُه نفسياً. وحتى نظرة مختلسة واحدة نحو الفساد تبيـّن أن الشخص ليس عازماً عزماً أكيداً - ويقول يسوع أنّ مثل هذه النظرة تُعد زِنى في القلب. فالتحرر الذي يدوم لا نلقاه إلا في تصميم حاسم.

لذلك فمن الأهمية القصوى أن يحاول الناس غير المثقلين بالجنسية المثلية أن يتفهموا الحاجة الداخلية الرهيبة لأولئك المثقلين بها. هذه الرغبة الجنسية التي في غير موضعها، غالباً ما تنشأ من حنين جارف إلى علاقة محبة صادقة مع الآخرين. إنّ كثيرين من المصابين بالجنسية المثلية لم يعرفوا في حياتهم محبة مرحبة غير مشروطة من الذين ينتمون إلى نفس جنسهم. ففي بلادنا وفي البيوت التي "بلا آباء" يوجد فراغ كفيل باستحداث مشاعر الجنسية المثلية لدى الأطفال. وكما نعلم، ففي حضارتنا، المدفوعة بعوامل المنافسة والرغبة في السيطرة، فمن السهل أن يشعر بعض الناس أنَّهم متروكون؛ وقد يلتفتون نتيجة لذلك إلى الجنسية المثلية.

لقد عرفتُ هاورد Howard وزوجته آن Ann منذ انضمامهما إلى مجتمعنا الأخوي لجماعتنا منذ عقدين من الزمان، ولكني لم أفهم عمق صراع هاورد فهماً كاملاً إلا حديثاً. فقد أُسيء معاملة هاورد في طفولته من قبل عمه ولقي الإهمال من أبيه الانتهازي، وتعرّض إلى السخرية من أقرانه لنقص في قدرته الرياضية، الأمر الذي أدى إلى أن يحس وهو يترعرع بعدم وجود مَنْ يفهمه وأنَّه ليس في مكانه. وكم تعطّش إلى جذب انتباه أبيه أو الرجال الآخرين أو الأولاد من عمره. غير انه، وبمرور الوقت، وفي منتصف عمر المراهقة، أصبح يمارس اللواط. ورغم أنّ هاورد لا يلوم نشأته فيما يتعلق بالخيارات التي صنعها في حياته فيما بعد، إلا أن قصته يجب أن تحذر كل أب وكل أم لما قد يحدث عندما يشب الأطفال دون التمتع بالرعاية الأسرية والحنان الأسري.

إلا أنَّ قصة هاورد أكثر من مجرد تحذير. إنها تحمل شهادة قوية لقدرة قوة المسيح على قهر الظلام؛ ولأهمية التوبة؛ ولقدرة الغفران الشافية؛ وتحمل أيضاً شهادة عن السرور الذي يمكن لكل واحد منا اختباره. يكتب هاورد فيقول:

عندما وصلتُ إلى سن السادسة عشر بدأت في العبث مع الأولاد الآخرين. ولم يمض وقت طويل حتى سمحت للرجال الكبار أن "يجروا تجاربهم" عليّ. وكانت هذه الممارسات الجنسية تثيرني كثيراً، لكنها كانت تتركني أشعر بذنب عظيم. ولم أكن قادراً على مصارحة أي واحد بكل ما كنت أمرّ به، بل أنني حتى كذبت مرة على أبي عندما واجهني مباشرة وسألني: "هل لديك مثل هذه المشاعر؟"

وعند وصولي إلى سن الحادية والعشرين، كنت قد فعلت في الواقع كل أفعال الجنسية المثلية الممكنة، ولا شيء أشبعني. كانت لقاءاتي مع الرجال عديمة الجدوى؛ فكنت أفضل مشاهدة الصور الداعرة وأخلق نزوات خاصة لنفسي. ولم أحاول مطلقاً أن أتواجه وبكل بأمانة مع مسألة انجذابي نحو الرجال، مبرراً ذلك أنَّه شيء "لا يمكنني تغييره". وحتى عندما راجعت مرة أحد الأطباء النفسيين بسبب بعض الإجهاد في العمل لم أذكر له أي شيء شخصي. فكنت مقتنعاً: أنَّه لا فائدة من التحدث مع أي شخص؛ سوف لا يفهمني أحد، ويستحيل تـَغـيـيري أيضاً.

وتزوجتُ من أول امرأة جامَعـْـتـُها. وقد أحبتني آن وقبلت ما عرفته عني. لقد تحدثنا عن مشاعرنا الشخصية، لكن ليس قبل أن يمضي عامان على زواجي منها حتى استجمعتُ كل شجاعتي لأفضي إليها بسري الخطير. فبطبيعة الحال كان رد الفعل لديها أنها ذُهِلت من شدة الدهشة. فلم تقدر أن تفهم كيف كان ذلك ممكناً. وأخبرتها عن طفولتي وعن الأفكار والشهوات التي كانت عبء ثقيل عليّ. وأوضحت لها أنني أريد التخلص من هذه الأشياء، وقد قبلت هذا الكلام وبدا لها أمل في أن أتغيّر. ومع ذلك سقطتُ في لقاءات متقطعة مع رجال آخرين في مناسبات عديدة كثيرة، وكانت دائماً تغفر لي.

لقد رأيت كثير من المصابين بالجنسية المثلية في ذلك الوقت يخرجون من "سْريّـتهم"، ليكشفوا عن أسلوب حياتهم للأسرة والأصدقاء ومحاولين أن يجدوا القبول. أما أنا ففزِعتُ من هذا، لأني كنت متأكداً أنني لن أجد قبولاً. والواقع أنني لم أرِد القبول من صميم قلبي؛ بل كنت أريد معونة للتغلب على مشكلتي. أخيراً حكيت قصتي لمرشد ديني علماني وثقتُ فيه. وقد ساعدني هذا المرشد لأجد القدرة على أن أعلن موقفي ضد الجنسية المثلية أمام جماعة صغيرة من الناس كنت أعرفها وأشعر أنني قريب منها. وقد صُدِمتْ هذه الجماعة في البداية، لكنهم ما لبثوا أن قدموا لي دعماً كبيراً، عالمين أنَّ لديهم صراعات كذلك. وكان هذا بداية طريقي إلى الشفاء، لكن مجرد بداية.

وبعد ذلك انضممتُ أنا وزوجتي إلى جماعة المجتمع الأخوي التي تعيش حياة مشتركة بإحساس أننا قد وصلنا إلى مكان يمكن أن نلقى فيه السلام الحقيقي والشفاء. وكان هذا صحيحاً إلى حدّ بعيد، لكن في بعض الأحيان عندما كنت أشعر بالضعف والكآبة، كنت أستسلم لنظرات الشهوة وأفكار الإثم، والتي كادت تعود بي إلى طرقي القديمة أحياناً. وصار واضحاً أنني لا أستطيع التغلب على مشكلاتي بقوتي البشرية الذاتية. ورغم ذلك خدعت نفسي بالاعتقاد أنَّني قادر، كما أقنعت زوجتي أنَّني على ما يرام. وفي تلك الأثناء كنت أسد الباب في وجه كلام يسوع عن النظرة الشهوانية. وتخدّر ضميري أكثر فأكثر. وتغلظ قلبي أكثر فأكثر.

واستمرت آن في ثقتها بي، ورزقنا اللـه بولدين. ومع ذلك وبرغم هذه البركات غرقتُ أعمق وأعمق. ثم حدث في أحد الأيام أن صديقاً اكتشفني أنظر إلى صور داعرة. ورغم أني في البداية حاولت الكذب للتخلص من الموقف، لكني أخيراً وجدت الشجاعة لأعترف بخطيئتي، أمام كل من زوجتي وأمام الإخوة والأخوات في جماعتنا. والآن أصبح "كل واحد يعرف"، وتوقعت بين لحظة وأخرى أن "أًطرد من المجتمع". وبالرغم من عدم تغاضي أحد عن سلوكي، إلا أنني لم أحس أنَّني كنت مُدانْ. والرجال الذين ظننتهم أنهم سيشمئزون مني، فجأة نظروا إليّ بإخلاص وبعيني المحبة الأخوية الحقيقية. وابتدأ قلبي الصلب يذوب...

انفصلنا أنا وآن لمدة عدة أسابيع حتى يمكنني أن أتمعن بحالي واصفّي بالي من جديد. وفي غضون هذه المدة ظلّت آن وفية لعهدها مع مجتمع الكنيسة وعهدها معي. لقد قالت لي فيما بعد: "عندما تزوجنا لم يكن لدينا أية فكرة عما سيواجهنا في المستقبل. لقد تعهدنا أن نظل أمناء لله ولمجتمع الكنيسة ولأحدنا للآخر، في السراء والضراء. فلم يكن لدينا أية فكرة عن الوعد الذي نعد به، لكنني متيقنة من أن هذا الوعد هو الذي سترنا. وهذا الوعد هو الذي لمّ شملنا ثانية".

وكانت آن على حق طبعاً لأنه بفضل نعمة اللـه فقط كنت قادراً على إدراك شدة حاجتي لأن أكون طاهراً كلياً، ولأن أفتح قلبي بطريقة أوسع مما فعلت من قبل، وأن أصحح كل فعل خاطئ أو كل موقف متأصل من الماضي. لقد رأيت كيف كانت أنانيتي ترقد عند جذور مشكلتي. وشيئاً فشيئاً بدأت عبوديتي للظلام تندحر.

وعندما كانت توبتي تتعمق، صار قلبي أكثر ابتهاجاً من ذي قبل، وصار ذهني أكثر تحرراً. وأخيراً عدت إلى زوجتي وأولادي. والآن أصبح بعضنا أقرب إلى بعض كأسرة أكثر مما كنا عليه من قبل. واللعنة التي عشت معها كل حياتي قد تحولت الآن إلى بهجة عارمة. فقد أعطاني المسيح هبة الضمير الصافي - وليس هناك هبة أسمى منها. وذلك يعطيني شجاعة لمواجهة أي شيء قد يأتي في المستقبل. وأعلم أن الشيطان سيجرّبني عدة مرات بقية عمري، لكني أعلم أيضاً أن لي منفذاً خلال التجربة. فبإمكاني تلقي المعونة من خارج نطاق قدرتي البشرية.

إنَّ التحرر الحقيقي ممكن لكل رجل ولكل امرأة، إلا أن الأمر متروك لنا: أنؤمن بهذه الحقيقة أم لا؟ (غلاطية5: 1). يجب أن تنبهنا قصة هاورد وآن بألا ندّعي أنَّ النصر أمر سهل، لأنه قد لا يكون كذلك. فمقابل كل شخص قد نال الشفاء، يوجد العشرات من الذين عليهم أن يصارعوا مع التجارب عدة سنوات، والبعض عليه أن يصارع إلى نهاية عمره، ولكن، أيخـتـلف الأمر عما يحدث مع بـقـيـتـنـا؟.... حسبما يبدو، لا نجد كثير من المسيحيين لم يحصلوا على نتيجة عندما صلّوا لله لتحريرهم من خطيئة أطبقت بخناقها عليهم. غير أنَّه من الضروري ألا نشك أبداً بوجود أملاً لكل منا للشفاء والعودة لله لأننا مخلوقين على صورة اللـه (عبرانيين 9: 14). وفي نهاية المطاف سيحررنا المسيح إذا سلمنا أنفسنا له (رومية 5: 5).

 

هذا المقال من كتاب "الجنس والله والزواج"

 


والآن جاء دورك، أخبرنا عن رأيك بالمقال:


ردود القراء

كُنْ أول من يرسل رأيه!

for those considering marriage