ماذا عن الطلاق والزواج الثاني؟
كُلُّ مَنْ يُطَلِّقُ إمْرَأَتَهُ وَيَتَزَوَّجُ بِأُخْرَى يَزْنِي وَكُلُّ مَنْ يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ مِنْ رَجُلٍ يَزْنِي
لوقا 16: 18
لعل مسألة الطلاق والزواج الثاني، هي أقسى وأصعب القضايا التي تواجه الكنيسة المسيحية في عصرنا. لقد أصبح من الصعب إيجاد أزواجاً يأخذون مأخذ الجد كلام الكتاب المقدس: "فَالَّذِي جَمَعَهُ اللـه لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ" – كما يصعب إيجاد أزواجاً يؤمنون أنَّ الزواج يعني الإخلاص والأمانة بين رجل واحد وامرأة واحدة، إلى أن يفرّق الموت بينهما (متى19: 6).
قد يتصدّع رباط الزواج لكن
لن يـُحلّ أبداً
يؤمن غالبية المسيحيين اليوم أنَّ الطلاق والزواج الثاني أمران مسموح بهما أخلاقياً وكتابياً. ويجادلون أنَّه رغم أن اللـه يكره الطلاق، إلا أنه يسمح به من قبيل التـنازل نظراً لطبيعتنا البشرية الخاطئة. ويفسرون ذلك بالقول: أنه بسبب قسوة قلوبنا يمكن أن تتفكك الزيجات أو تـُحلّ. فبكلمة أخرى، أنّ اللـه يعرف ضعفنا ويقبل حقيقة أننا ونحن نعيش في عالم ساقط لا يمكننا تحقيق المثالية دائماً. وأنه بواسطة غفران اللـه يمكن للمرء دائماً أن يبدأ من جديد، حتى ولو كان زواجاً جديداً.
لكن ماذا عن الرباط المتعهد به بين اثنين والمصنوع أمام اللـه، سواء بتروٍ ومعرفة أم بغير معرفه؟.... هل يعني غفران اللـه إمكانية التنكر لهذا الرباط؟.... هل يحدث أن اللـه يسمح بالخيانة؟.... إنّ وحدة الكنيسة أبدية ولا تتغير، هكذا تماماً يكون الزواج الحقيقي فإنه يعكس هذه الوحدة ولا فكاك منه. إنني أؤمن، مثلما آمن به المسيحيين الأوائل، أنه طالما كان الطرفان على قيد الحياة لا يمكن أن يكون هناك زواج ثانٍ بعد الطلاق. فما جمّعه اللـه في وحدة الروح القدس لا يمكن أن يفرقه إلا الموت. أما الخيانة سواءٌ أكانت من أحد الشريكين أم من كليهما فلا تغيّر شيئاً من هذا. فلا حرية لأي مسيحي لأن يتزوج من شخص آخر طالما كان قرينه ما يزال حياً. لأنه لو حدث هذا لتعرض رباط الوحدة الزوجية للضياع.
يبيّن يسوع بوضوح أنّ موسى بسبب قسوة القلب قد سمح بالطلاق في ظلّ الناموس (متى19: 8)، لكن الآن، بين تلاميذ المسيح - أولئك المولودين من الروح القدس - لم تعد قسوة القلب عذراً قانونياً أو ساري المفعول. قال موسى: "مَنْ طَلَّقَ إمْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَقٍ"، لكن يسوع قال: "إِنَّ مَنْ طَلَّقَ إمْرَأَتَهُ إِلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي" (متى5: 31-32). وقد فهم التلاميذ هذا الكلام القاطع الحاسم ليسوع بوضوح كامل، كما يتضح من تعقيبهم: "فقالَ له التَّلاميذ: ((إِذا كانَت حالَةُ الرَّجُلِ مَعَ المَرأَةِ هكذا، فلا خَيرَ في الزَّواج))!" (متى19: 10). لقد أعطى موسى أذناً بالطلاق انطلاقاً من ضرورة محضة، لكن هذا لا يمكن أن يغير الحقيقة من أنّ المقصود من الزواج منذ البدء هو أن يكون سرمدياً لا فكاك منه. فلا يمكن للزواج أن يُحلّ (حتى لو تفكك)، لا من جانب الزوج الذي يهجر زوجته الخائنة، ولا من جانب الزوجة التي تهجر زوجها الخائن. فالترتيب الإلهي لا يمكن أن يُلغى بسهولة أو بخفة.
ويكتب الرسول بولس بالوضوح نفسه إلى أهل كورنثوس فيقول:
"وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجُونَ فَأُوصِيهِمْ لاَ أَنَا بَلِ الرَّبُّ أَنْ لاَ تُفَارِقَ الْمَرْأَةُ رَجُلَهَا. وَإِنْ فَارَقَتْهُ فَلْتَلْبَثْ غَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ أَوْ لِتُصَالِحْ رَجُلَهَا. وَلاَ يَتْرُكِ الرَّجُلُ إمْرَأَتَهُ" (1كورنثوس7: 10-11).
كما يكتب أيضاً: "الْمَرْأَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِالنَّامُوسِ مَا دَامَ رَجُلُهَا حَيّاً. وَلَكِنْ إِنْ مَاتَ رَجُلُهَا فَهِيَ حُرَّةٌ لِكَيْ تَتَزَوَّجَ بِمَنْ تُرِيدُ فِي الرَّبِّ فَقَطْ" (1كورنثوس7: 39). ويقول في الرسالة إلى رومية: "فَإِذاً مَا دَامَ الرَّجُلُ حَيّاً تُدْعَى زَانِيَةً إِنْ صَارَتْ لِرَجُلٍ آخَرَ" (رومية7: 3).
ولما كان الزنى يُعد خيانة للوحدة الزوجية العجيـبة بين رجل واحد وامرأة واحدة مِمَنْ قد أصبحا جسداً واحداً، فهو يشكل أسوأ أشكال الخداع. وعلى مجتمع الكنيسة أن يتواجه بصلابة مع الزنى، ويجب أن يدعو الزاني للتوبة وكذلك يجب أن يؤدب (1كورنثوس5: 1-5).
الوفاء والمحبة هما الحلّ للرباط المتفكِّك
حتى لو سمح يسوع بالطلاق لسبب الزنى أو الفحشاء، إلا أنَّ ذلك يجب ألا يكون أبداً نتيجة حتمية أو ذريعة للزواج مرة ثانية. فمحبة يسوع تــُصالح وتعفو. أما أولئك الذين يطلبون الطلاق فسوف ينتهي الأمر بهم دائماً وفي ضميرهم غصة مُرّة. وبصرف النظر عن مقدار الألم العاطفي الذي يسببه الشريك الخائن، فيجب على الشريك المجروح أن يكون راغباً ليغفر ويسامح. وعندما نغفر للآخرين فحينئذ فقط يكون لنا رجاء في تلقي غفران اللـه لأنفسنا (متى6: 14-15). فالمحبة الوفية لشريك الحياة، ومحبة المسيح على الأخص، هي الرد الوحيد على الرباط المتفكك.
كان كِنتْ وايـمي Kent & Amy اللذان يخدمان الآن معاً ضمن كنيسة واحدة في ولاية كولورادو مطلقَين سابقاً. وكان موقفهما يائساً إلى أقصى درجة يمكن أن يصل إليها زواج، لكن بسبب أنهما أبقيا الباب مفتوحاً أمام المسيح فقد وجد بعضهما بعضاً مرة أخرى. ويحكي لنا كِنتْ قصته فيقول:
منذ اليوم الأول، كان زواجنا ينطوي على مشاكل مهولة، وبدأنا ثلاث سنين من الانحدار في دوامة من الاضطراب الكلي. وكنت أظن أنّ الزواج مجرد فرصة للتنزه معاً والمزاح معاً. فلم يكن لدي أية فكرة عن العمل الشاق الذي يتطلبه الزواج. أخيراً أصبحتُ مجرد هيكل إنسان، بل إنني في بعض الأحيان كنت أحتقر نفسي. وحاولت أن أفعل كل الأمور "الروحية" التي اعتقدت أنها ضرورية: مثل قراءة الكتاب المقدس والصلاة والتحدث مع الآخرين. لكن جميعها بدت بلا جدوى. فلقد جئنا أنا وايمي من خلفيات متناقضة تماماً، ورغم محاولاتنا المضنية لم نقدر أن نتفاهم.
وصارت الحالة لا تُطاق حتى أننا قررنا أن ننفصل، ونبدأ في إجراءات الطلاق. كان هذا ضد تربية كنيستي تماماً، لكنني شعرت أنَّني ساقط في فخ يائس وعليّ أن أخرج منه. ومع ذلك أستمر العذاب حتى بعد أن قررنا الطلاق، عذاب بلا انقطاع. فقد أصبحتُ مرهقاً نفسياً لدرجة أنه كانت تمر بي أيام أقوم في الصباح منهوك القوى لا يمكنني حتى أنْ أُزَرِّرُ قميصي. ونظراً لعجزي في مجاراة الأمور فقد استقَلْتُ من عملي كقسيس. وكانت ايمي طوال هذه المدة مدمّرة نفسياً تماماً. كنت أعرف أنها كانت تود أن تكون الأمور مختلفة، لكن بالنسبة لي كان الأمر ساحقاً ومربكاً جداً. وبالرغم من تعهداتنا للمسيح وتعهداتنا أيضاً أحدنا للآخر، إلا أنّنا ضعنا كلانا كليّاً.
وكمحاولة لعلاج آلامي عدت إلى العمل. فقد أدركت أنني سأدخل في أوقات عصيبة ومريرة إذا سمحت لنفسي أن أصير عاطلاً أو أتورط في علاقة أخرى. لذلك عملت وعملت، وعملت. وأنا أعتقد أنَّني وايمي حاولنا أن نثق باللـه في قرارة نفسنا، لكنني شخصياً بيني وبين نفسي كنت أقسم يومياً ألا أعود إليها مرة ثانية. وفي كل مرة كنا نحاول فيها التحدث لتصفية الأمور، كان الحديث ينتهي بالمشاجرة. إذ كان وضعنا ميئوساً منه.
لقد وصلت إلى حد لم أعد أستطيع فيه حتى اللجوء إلى اللـه. فقد أصبح كل شيئاً لا فائدة منه، وميتاً: وتوالت أسئلة اليأس والشك "هل بقي شيء يستدعي الاهتمام؟... ولماذا كنت أعمل بجد أصلاً؟... من الذي كنت أحاول خداعه؟... لماذا الاستمرار في محاولة فعل إرادة اللـه إذا كان لم ينتج عنها أي شيء طيب؟...
وفي وقت متأخر من إحدى الليالي، وعندما فرغت من العمل، شدّ نظري منظر القمر الساطع والنجوم المتلألئة في كبد السماء. وشيء ما اختطف قلبي، وشعرت من جديد بجبروت اللـه ورحمته. وما هي إلا ثوانٍ حتى أجهشتُ بالبكاء. وفي وسط عذابي ويأسي بدأت أشعر ربما أول مرة في حياتي بكل من حاجتي الحقيقية وأيضاً محبة اللـه الكبيرة والغير المشروطة. وبالرغم من عدم وفائي لوعودي لله ولزوجتي، إلا أنَّ اللـه أكد لي أنه ما زال وفياً معي وأنه لم يتخلَ عني. وكانت تلك الليلة نقطة تحول حقيقية في حياتي. فقد بدأ شيء في داخلي يتغير بواسطة معجزة النعمة الإلهية.
وكنت أتمنى لو كانت هناك معجزات كثيرة لتعيدنا أنا وايمي ثانية معاً، لكن لم يحدث أي شيء من هذا القبيل. فقد استرجعنا علاقتنا ثانية عن طريق قدر كبير من العمل الشاق. فلم يكن الالتئام والعودة إلى الإتحاد سريعاً؛ بل أستغرق ذلك عامين. فقد تحتّم علينا إجراء الكثير من الحديث معاً، وكثير من المسامحة والغفران.
ولكن عندما فتح بعضنا قلبه لبعض زال قدر كبير من الألم والانفعال الذي كان موجوداً من قبل. وأخيراً، كان اللـه منقذنا، وليس سواه. فكان هو مَنْ أعاننا لكي نبقي الباب مفتوحاً له وبعضنا لبعض – على الرغم من ضعفنا. وكان هو مَنْ نجانا من الأكذوبة المنصوبة في مثل ظروفنا، وهي محاولة حل مشاكلنا على أفضل صورة بواسطة إيجاد شخص آخر نقترن به، مِمَنْ هو أكثر ملائمة.
وما يزال زواجنا يمر عبر مناطق وعرة. وربما يستمر في ذلك. فنحن ما نزال نختلف كثيراً أحدنا عن الآخر. أما إذا ركزتُ طويلاً في ضعفي أو في ضعف ايمي فستصبح تجربة مغرية لي لمحاولة إيجاد مهرب، لكن أمانة اللـه تربطنا معاً وتحفظ حبنا واحدنا للآخر. إنَّ أمانة اللـه هذه هي التي تحفظ نظري مثبتاً عليه وتحفظ عهدي.
بطبيعة الحال، ليس كل صراع زوجي ينتهي نهاية سعيدة مثلما حدث مع كنت وايمي. فكثيراً ما يحدث حتى في جماعتنا – المجتمع المسيحي الذي يعيش حياة مشتركة – أن يصبح أحد شركاء الزواج خائناً، ويتركنا، ومن ثم يطلق زوجته (أو تطلق زوجها) ويتزوج ثانية. وفي كل مرة تقريباً كان الشريك المتروك يقرر أن يبقى في مجتمع الكنيسة أميناً لعهود عضويته ولعهود الزواج. ورغم أن هذا من الناحية الطبيعية خيار مؤلم - ويكون الألم مضاعفاً في حالة وجود أطفال - لكن هذا جزء من تكاليف التلمذة (أي إتباع طريق يسوع). فإنْ آمنا باللـه فسيعطيننا القوة على الثبات.
عند كل زواج يحدث في جماعتنا التي تعيش حياة أخوية كليّة المشاركة، يُسأل الشريكان هذا السؤال :
أخي، هل ستمتـنع عن إتـّباع زوجتك - وأختي، هل ستمتـنعين عن إتـّباع زوجك - فيما هو باطل؟ وإذا تحول أحدكما عن طريق يسوع وأراد أن يهجر الكنيسة وخدمة اللـه ضمن المجتمع المسيحي الكليّ المشاركة، هل ستضع دائماً الإيمان بمعلمنا يسوع الناصري ووحدة الروح القدس فوق مستوى زواجك، وكذلك في حال تواجهك مع السلطات الحكومية؟ أسألك هذا لعلمي أنَّ الزواج يكون مبنياً على الرمل، ما لم يــُبـنَ على صخرة الإيمان، أي الإيمان بيسوع المسيح.
ورغم أن هذا السؤال قد يقع موقعاً صعباً لدى البعض إلا أنّه يحتوي على حكمة بالغة. ويمكننا القول أنَّه مجرد ينبهنا بالخَيار الموجود أمام كل منا، نحن الذين ندعي بأننا تلاميذ يسوع المسيح: هل نحن مستعدون أن نتبع يسوع مهما كانت التكاليف؟... ألم يحذرنا هو نفسه قائلاً: "مَنْ جاءَ إليَّ وما أحبَّني أكثرَ مِنْ حُبِّهِ لأبـيهِ وأُمِّهِ واَمرأتِهِ وأولادِهِ وإخوتِهِ وأخواتِهِ، بل أكثَرَ مِنْ حُبِّهِ لِنَفسِهِ، لا يَقدِرُ أنْ يكونَ تِلميذًا لي"؟ (لوقا14: 26).
إذا أخذ الزوجان هذا التحذير بجدية، فإن ذلك قد يسبب انشقاقاً، لكن قدسية رباط زواجهما سوف تُصان حقاً. فالموضوع هنا ليس الزواج في حد ذاته فحسب بل هو الرباط الأعمق، رباط الوحدة بين اثنين متحدين في المسيح وفي روحه القدوس (1كورنثوس7: 15-16). فكلما ظَلَّ الرجل (أو المرأة) مخلصاً لشريكه - بصرف النظر عن عدم أمانة ذاك الشريك - شَهد للوحدة الزوجية المقدسة في المسيح. هذا وأنّ أمانة اللـه الأبدية وكنيسته لا تساهمان إلّا إلى تجديد عهود الزواج وتجديد الأمل دائماً وأبداً. وقد رأيناها نحن أكثر من مرة، إذ يمكن لوفاء أحد الزوجين أن يؤدي إلى عودة الزوج الغير مؤمن إلى يسوع، وإلى مجتمع الكنيسة، وإلى الزواج والأسرة.
وقصة هاوارد وآن التي ذكرتها لكم في الفصل السادس عشر من كتاب "الجنس والله والزواج" تعتبر مثالاً على ذلك. فحتى عندما عاد هاوارد وسقط في الخطيئة ثانية، لم تَهتزِزْ التزامات زوجته آن نحو المسيح والكنيسة. ومع أنها أبتْ الانصياع إلى مراوغة زوجها هاوارد بتركه لمجتمع الأخوة، إلا أنها لم تدينه، لكنها وعوضاً عن هذا استدرجته بهدوء نحو الصراع من أجل التوبة ومن أجل بداية جديدة وصافية. وعلى الأرجح، وكنتيجة لثبات وصبر الزوجة آن تمّ استعادة كل من زواجهما وأيضاً إيمان زوجها هاوارد.
الوفاء الحقيقي هو ليس مجرد
عدم التورط في الزنى
لما كان اللـه يكره الطلاق، فإنه سيدين أيضاً كل زواج خالٍ من المحبة وكل زواج هامد تسري فيه برودة الموت، وهذا يجب أن يكون تحذيراً لكل منا. فكم منا يا ترى قد كان فاتر القلب أحياناً أو غير مُحِب لشريكة حياته (أو شريك حياتها)؟... وكم عدد الآلاف من الأزواج، وبدلاً من أن يحب بعضهما بعضاً، يقتصر الأمر على أنهما مجرد يتواجدان تحت سقف واحد؟... إنّ الوفاء الحقيقي هو ليس مجرد عدم التورط في الزنى، بل يجب أن يكون ارتباطاً وعهداً في القلب والنفس. وكلما فقد الزوجان العهد القلبي بينهما وعاشا حياة متوازية (لا تؤدي إلى التلاقي)، أو عمت القطيعة بينهما، اِنتظرهما الانفصال أو الطلاق وراء الباب.
ومهمة كل مجتمع من مجتمعات الكنيسة هي محاربة روح الزنى حيثما تطل برأسها. وأنا لا أقصد هنا الزنى كمجرد فعل جسدي؛ ففي الحقيقة والواقع، فإن كل شيء في داخل الزواج يؤدي إلى ضعف الحب، أو الوحدة والوئام، أو الطهارة، أو يعوق روح الوقار المتبادل، يعتبر زنى، لأنه يغذي وينمي روح الزنى. ولهذا السبب سمّى اللـه عدم إخلاص شعب إسرائيل بالزنى (ملاخي2: 10-16).
في العهد القديم يستخدم الأنبياء الإخلاص في الزواج بمثابة صورة تمثل أمانة اللـه مع شعبه إسرائيل، شعبه المختار - عروسه (هوشع3: 1). وبطريقة مماثلة يشبّه الرسول بولس الزواج بعلاقة الوحدة بين المسيح العريس، وكنيسته العروس. فلا يسعنا التأمل في مسألة الطلاق والزواج الثاني إلا في ظل روحية هذه الصور الكتابية المقدسة.
عندما لا يفعل مجتمع الكنيسة شيئاً لرعاية وتعزيز زيجات أعضائه، كيف يمكنه أنْ يدّعي براءته عندما تـنهار هذه الزيجات؟... وعندما تتحاشى الكنيسة الشهادة أنَّ: "ما جمَعَهُ اللهُ لا يُفرَّقُهُ الإنسانُ"، فكيف تتوقع إذن من أعضائها المتزوجين أن يبقوا على عهدهم الزوجي مدى الحياة؟...
في تأملنا لهذه الأسئلة يوجد مزلقين يجب أخذهما بنظر الاعتبار: أولاً، لا يمكننا مطلقاً الموافقة على الطلاق؛ والثاني، يجب ألّا نعامل أبداً أولئك الذين يضطرون إلى المرور بمعاناة عذاب الطلاق بحرفية الشريعة أو بالقسوة. ففي رفضنا للطلاق لا يمكننا رفض الشخص المطلق، حتى لو تزوج ثانية. ويجب أن نتذكر دائماً أنه بالرغم من أن يسوع يتحدث بصرامة ضد الخطيئة، لكنه لا يعوزه أبداً الحنان والشفقة. ولأنه يتوق أن يأتي بكل خاطئ إلى الخلاص والشفاء، لذلك يطلب التوبة عن الخطيئة. وينطبق الشيء نفسه على كل زواج صديع.
من الواضح أننا يجب ألّا ندين الآخرين أبداً، لكن في الوقت نفسه علينا أن نكون أمناء للمسيح فوق كل اعتبار. وعلينا احتضان كامل الحقّ الإلهي الذي يوافينا به يسوع - وليس فقط تلك الأجزاء من هذا الحقّ التي تبدو مناسبة لاحتياجاتنا (متى23: 23-24). من هنا فإننا، في مجتمع كنيستنا، لا يجوز لأي عضو أن يطلق ويتزوج ثانية مادام الشريك الآخر على قيد الحياة؛ وبالمثل لا يُسمح لأي شريكين قد طلّقَا وتزوجا ثانية أن يصبحا أعضاء كاملين وهما ما يزالان يعيشان في علاقة زوجية باطلة. إنّ الزواج الثاني يضاعف خطيئة الطلاق، ويعوّق إمكانية المصالحة مع الشريك الأول. فموقفنا هو للوفاء الزوجي المديد الحياة. ولا يوجد موقف آخر يتوافق مع الحب الحقيقي ومصداقية الزواج سوى هذا الموقف.
يحتاج الأمر إلى إعادة اكتشاف أهمية الالتزام في الزواج. ونحن قد بدأنا تواً في رؤية ومواجهة الأضرار التي يسببها الطلاق لأولادنا. ذلك أنه فيما يخص الأولاد، عدا البالغين منهم، يعتبر الطلاق عدواً لا يمكن "التغلب عليه". فقد أظهرت الدراسات الحديثة أن غالبية الأولاد الذين يلجأ والديهم إلى الطلاق يعانون من القلق، والقصور، والخجل وعدم الثقة بالنفس. ويظلّون إلى ما بعد تصدّع الرباط بين الأبوين بعشر سنوات يعانون من مشكلات نفسية مثل الخوف والكآبة والسلوك المعادي للمجتمع.
ولا تقدم الأُسَر البديلة (التي تتضمن زوجة أب أو زوج أم) حلّاً أو جواباً شافياً. فالبنية الأصلية للأسرة لا يمكن استعادتها، رغم ما قد يبذله المرء من محاولات شاقة لتقليدها. والواقع أنّ الأطفال الذين يعيشون مع أب بديل (زوج أم)، أو أم بديلة (زوجة أب)، ووالديهم على قيد الحياة، يبدون أكثر تزعزعاً وأكثر خوفاً من الأطفال الذين يعيشون في بيوت لم يبق فيها سوى أحد الأبوين. وهكذا يشبّ جيل من الأولاد بدون والدين يقتدوا بهم ليكونا مثالاً صالحاً لهم - بل إن كثيرين من الأطفال حتى ليس لهم والدان حقيقيان على الإطلاق. وعندما يصيرون شباباً وتكون لهم نوايا حسنة مثلهم مثل غيرهم من الشباب اليوم، فأين سيجدون المساندة حين يعتزمون الزواج وتأسيس أسرة؟
كل شيء مستطاع عند اللـه
بطبيعة الحال، لو أننا نريد تجنب الطلاق، فيترتب على مجتمعات الكنائس إذن أن تقدم لأفرادها الإرشاد والدعم العملي قبل أن ينهار زواجهم بوقت طويل (عبرانيين10: 24 و 12: 15). وحتى إن لم يكن هناك سوى إشارات طفيفة تدلّ على أنَّ الزواج في خطر، فمن الأفضل أن يكون المرء أميناً ومنفتحاً بشأنه. أما إذا ساءت علاقة الزوجين كثيراً جداً، فقد يتطلب الأمر إلى توفير مكاناً لهما من قِبل الجماعة ووقتاً كافياً ليستعيدا وئامهما ثانية. وفي موقف كهذا، أو الموقف الذي يصبح فيه أحد الشريكين متعدياً ومؤذياً جسدياً، فإن الانفصال المؤقت قد يكون ضرورياً. وإذا تمَّ ذلك، فيتعين على مجتمع الكنيسة أن يجد سبلاً ملموسة لمساعدة كلا الطرفين - في طلب التوبة أولاً، ثم في إيجاد الثقة المتبادلة وأيضاً الغفران الضروري لاستعادة الزواج.
من المحزن أن نرى نُدرة وجود الوفاء في مجتمع اليوم، حتى أصبح يُنظر إليها على أنها فضيلة "بطولية". ألا يجب أن تكون من المسلمات باعتبارها الأساس الوطيد لإيماننا؟ (غلاطية5: 22). ونحن كأتباع للمسيح، ألا يجب على كل منّا أن يكون راغباً في البقاء وفيّاً وصابراً في السراء والضراء ولحد الموت، في سبيل المسيح وفي سبيل مجتمع كنيسته، وفي سبيل زوجته - أو زوجها؟... فبهذا العزم والتصميم فقط يمكننا أن نرجو أن نبقى أوفياء لعهود زواجنا.
إنّ طريق التتلمذ للمسيح طريق ضيق، لكن من خلال الصليب يمكن لأي شخص يستمع إلى كلام يسوع أن يضعها موضع التنفيذ العملي (متى5: 24). إذا كان تعليم يسوع عن الطلاق والزواج الثاني صعباً، فما ذلك إلا لأن الكثيرين في أيامنا لم يعودوا يؤمنون بقدرة التوبة والمغفرة. وكذلك لأننا لم نعُد نؤمن أنَّ ما جمعه اللـه معاً، يمكن بنعمته أن يظل متماسكاً؛ وأنه كما يقول يسوع: "وأَمَّا اللهُ فإِنَّه على كُلِّ شيءٍ قَدير". (متى 19: 26)
يجب ألا يكون هناك شيء شاق علينا، عندما يكون من متطلبات الإنجيل (متى11: 28-30). فإذا نظرنا إلى تعاليم يسوع عن الطلاق والزواج الثاني بهذه الروحية فسوف نرى أنه تعليم ينطوي على وعد عظيم، وأمل، وقوة. أنه تعليم فيه البرّ أعظم بكثير من تعليم الأخلاقيين والفلاسفة. إنه برّ الملكوت، وهو مؤسَس على حقيقة القيامة والحياة الجديدة.
هذا المقال من كتاب "الجنس والله والزواج"
والآن جاء دورك، أخبرنا عن رأيك بالمقال:
ردود القراء
كُنْ أول من يرسل رأيه!

