دار المحراث للنشر

آخر المقالات

إلى الذين يعتزمون الزواج

كريستوف آرنولد Christoph Arnold

English

فإذا كانَ في الرِّياضَةِ البَدنِيَّةِ بَعضُ الخَيرِ، ففي التَّقوى كُلُّ الخَيرِ لأنَّ لَها الوَعدَ بالحياةِ الحاضِرَةِ والمُستقبَلْيّةِ....لا يَستَخِفَّنَّ أَحَدٌ بِشَبابِكَ، بل كُنْ قُدوَةً لِلمُؤمِنين بِالكَلامِ والسِّيرَة والمَحبَّةِ والإِيمانِ والعَفاف.
1 تيموثاوس 4: 8 وَ12

يا له من أمر مروع حين يندفع شباب اليوم بعشوائية، وبمنتهى الأنانية والسذاجة إلى إقامة العلاقات الجنسية، بل حتى إلى ما يسمونه زواجاً. وعليه فالسؤال هو: كيف إذن يمكن للشباب التعامل مع الجاذبية الطبيعية والصداقات التي تنشأ بينهم؟ .... وما هو النهج الإلهي؟ .... وكيف يحفظ الشباب والشابات أنفسهم من الإثارة الجنسية السطحية لزماننا هذا، وإيجاد علاقات طبيعية صادقة وبمطلق الحرية؟ .... وكيف لهم أن يعدّوا أنفسهم على أفضل وجه لمسؤوليات ومطالب الزواج؟....

تُرخِّص ظاهرة موعد لقاء الحب الشائعة
معنى الالتزام في العلاقات

علينا أن نبتهج فعلاً حيثما توجد علاقات صداقة بين الشباب والشابات، وحيثما توجد فرص لمعاملات إيجابية متبادلة بينهم في حياتهم اليومية. أما التخوف من احتمالية حدوث أي انزلاق فلا مبرر له في الغالب، وهو علامة تدل على عدم الثقة بهم. فالشباب يحتاجون إلى فرصاً للتواصل فيما بينهم على صعيد جماعي حيث يتسنى لهم العمل معاً أو المقاسمة أو الغناء أو الاسترخاء والمسامرة. أما الانقسام إلى مجموعات متكونة من اثنين - اثنين أو تكوين تكتلات ضمن الجماعة فهو أمر غير صحي وسليم وغير لائق: وفي الكنائس يجب على الشباب والشابات التعرّف بعضهم على بعض قبل كل شيء بصفة إخوة وأخوات. ويجب أن تكون لهم الحرية ليراهم الناس معاً دون أن يتعرضوا لأي نوع من النفاق أو التكهنات حول طبيعة صداقتهم. فإن الضغوط التي تسببها مثل هذه الأقاويل تكبح الحرية، وتتلف وتشوه كل شيء جميل في أية علاقة كانت.

إنَّ عدم النضج لدى بعض الشباب نراه يعبّر عن نفسه أنَّ "يقع في حب" مع واحدة (أو واحد) في بادئ الأمر ثم مع أخرى (أو آخر)، وهكذا ينتقل مثل النحلة التي تنتقل من زهرة إلى أخرى. إنَّ البحث عن شخص مناسب أمراً طبيعياً؛ إلا أنَّ ما لا تتحمله الكنيسة هو التكوين المتواصل لعلاقات جديدة ثم إنهائها. إنَّ الموقف العشوائي لدى بعض الشباب أو الشابات في القفز من فتاة إلى أخرى أو من شاب إلى آخر لا يمكن له أن يكون صحيحاً على الإطلاق. إنه يخدّر الضمير ويرخص معنى الالتزام في العلاقات. وموجات الجاذبية العاطفية المصاحبة لكل صداقة بين أي فتى وأية فتاة أمر طبيعي للغاية، ولكنها إن لم تكن موضوعة تحت لواء المسيح، فقد تسبب جراحات قد تطول مدى العمر.

فلهذا السبب ذاته، نحن نرفض في جماعتنا – أي في مجتمعاتنا الأخوية كافة - ظاهرة مواعيد لقاءات الحب الشائعة. بصورة عامة، فقد أصبحت هذه المواعيد في بلدنا مجرد ضرباً من ضروب اللـهو – وشعائر وعادات للجمع بين رفيق ورفيقة على أساس من الجاذبية الجسدية والعاطفية. وقد بُنيت على فهم خاطئ للصداقة وفي معظم الأحيان لا يكون لها أدنى علاقة بالحب الأصيل ولا بالوفاء. وتتركز ظاهرة مواعيد لقاءات الحب، وفي أمثلة كثيرة، على انهماك مريض في "مظهر" الفرد. وعندما تشتمل المواعيد الجنس، فإنها تخلف ورائها ضميراً مثقلاً إلى درجة كبيرة بحيث يحتاج إلى سنين طوال لشفائه.

ويسير كل من التباهي بالمظهر وسطحية العلاقات جنباً إلى جنب مع ظاهرة مواعيد لقاءات الحب الواسعة الانتشار. وهذا ما يفعله كذلك التَغَنُّج (أي التَدَلُّل وإيماءات المغازلة) – فالفرد يود لفت الانتباه لنفسه لكي يغري الشخص الآخر جنسياً. فالتَغَنُّج هذا ينمّ عن التعاسة الداخلية للفرد وفقدانه للاطمئنان والسلام النفسي، وهذا بحد ذاته يشكل إهانة لله.

أزداد في السنوات الأخيرة عدد الآباء وعدد الكنائس الذين يبحثون عن بدائل لظاهرة مواعيد الحب المعتادة. ويحاول البعض – على سبيل المثال – إحياء عادة "قديمة الطراز" تتضمن وضع مدة تعارف تودديّة (كالخطوبة) والتي تؤكد على المشاورات والمشاركات الأُسَريّة، كما تركز على أوجه النشاط التي تثري الشخصية وتقوي ما فيها من عناصر طيبة. وتشير الإحصائيات إلى أن ظاهرة مواعيد لقاءات الحب في حياة المعاهد آخذة بالتضاؤل. وكثير من المعاهد المختلطة تفضل الآن تأدية فعالياتها بنطاق جماعي للتشديد على فعالية الجماعة ككل وعلى تقدير مشاركة الفرد ضمن الجماعة. وتوجد في الحقيقة مؤشرات مشجعة فعلاً التي يتعين عليها تشجيع الآباء وخدام ورعاة الكنائس ليكونوا أكثر نشاطاً وأكثر تأثيراً.

لا تكفي المشاعر المتبادلة لبناء علاقة دائمة

كيف سيتسنى للشاب أو للشابة إيجاد الشريك المناسب إذن؟ .... مما لاشك فيه، يجب أن يكون العامل الحاسم دائماً بالنسبة للمسيحي، هو إتحاد القلب والنفس معاً في غمرة الروح القدس. ويحتاج كل من الشريكين إلى أن يتحسسا أنَّ علاقتهما تـُقرّبهما إلى يسوع، إذ أن مشيئته وحدها هي القادرة على تجميع أي اثنين معاً ممن سيصير بعضهما لبعض. فبدون يسوع وبدون الوحدة المتميّزة التي يهبها بين شخصين، لن يستطيع الشريكان التغلب على العواصف والنزاعات التي هي جزء من أي زواج، وخصوصاً عندما يُرزقا بأطفال.

وحتى عندما يكون أي شاب وشابة متأكدَين من رغبتهما في الدخول إلى علاقة ملتزمة كالخطوبة على سبيل المثال، فعليهم امتحان حبهما مدة من الزمن للتأكد؛ هل حبهما مجرد لهبة قش من الجاذبية العاطفية أم هو شيء أعمق من ذلك؟ .... مرة أخرى نقول أنَّ الجاذبية الجسدية والعاطفية أمر طبيعي، لكنها لا تشكل أساساً كافياً للزواج وتأسيس أسرة، ولا يمكنها أن تكون العامل الحاسم لإقامة علاقات ملتزمة مديدة الحياة. إن العلاقة التي تقوم فقط على هذه الأمور هي بالتأكيد علاقة ضحلة ومصيرها التمزق. ويجب أن يكون السؤال الحقيقي دائماً هو كالآتي: ماذا يريد اللـه لحياتنا ومستقبلنا معا ً؟ لأن إرادته هي الأساس الأضمن.

لقد سمع كل منا بالقول: "ما في داخل الإنسان هو المهم"، لكن، هل نحن فعلاً نصدّق ذلك؟ فإننا جميعاً قد حكمنا، بوعي أو بغير وعي، على الآخرين على أساس مظهرهم. ففي المجتمعات التي نسمع فيها عبارات مثل "يا لها من شابة جذابة جداً"، أو "يا له من شاب وسيم"، وما إلى ذلك، فيفترض بنا التوقف لبرهة للتمعُّن بأية رسائل حاذقة ومبطنة نقوم بإرسالها لأولئك الذين لا يوصفون بهذه الأوصاف.

ونرى مسألة الحكم على الناس على أساس مظهرهم (أو ما يعرف بالتمييز المظهري) نراها تـَهمّ بالأخص الشباب الذين يعتزمون الزواج. فقد تنتقي الفتاة أكثرهم وسامة من حولها، وقد ينتقي الشاب أجمل فتاة في المجموعة، لكن ماذا عن علاقتهما بعد عشر أو عشرين سنة من رحلة الحياة؟ هل سيواظأنَّ على حبهما عندما يصير الرجل أصلع، أو عندما تصير المرأة بدينة أو تكسو التجاعيد وجهها؟ من المؤكد أن الجاذبية الجسدية جزء من أية علاقة، لكنها لا يمكن أن تكون أساساً لعهد من الولاء والحب يطول مدى الحياة. وقد عبر عن ذلك النبي أشعياء عندما قال: "... كُلُّ جَسَدٍ عُشْبٌ، وَكُلُّ جَمَالِهِ كَزَهْرِ الْحَقْلِ. يَبِسَ الْعُشْبُ ذَبُلَ الزَّهْرُ..." (أشعياء 40: 6-7).

ليس من السهل أن نرى بعيني الفؤاد، خصوصاً عندما نكون في مقتبل عمرنا. ومع ذلك علينا التضرع لله ليهبنا مثل هذه البصيرة المهمة. فإنْ كنا نفتح قلوبنا لحكمة اللـه، فسنرى جمالاً في كل شخص نقابله، ونحب كل واحد كرفيق مخلوق على صورة اللـه.

لقد عرفتُ روز Rose منذ كانت ما تزال صبية صغيرة. فعندما بلغتْ سن الشباب قابلت توم Tom ووقعت في غرامه. و توم هذا مُقعد يعاني من اختلال دماغي شديد، وقد قضى حياته كلها في كرسي متحرك، ورغم ذلك تزوجا، ولهما الآن طفلان رائعين. فقد كان توم في عيني روز أروع رجل في العالم. فقد لا يرى الآخرون سوى نواحي عجزه، لكن روز رأت جمال نفسه.

وهناك زوجان آخران بريطانيّ الولادة ضمن جماعتنا التي تعيش حياة مشتركة - المجتمع الأخوي - هما فيكتور وهيلدا Victor and Hilda الذين عمّرا لغاية التسعينات، وحيث قد تزوجا في عمر العشرينات، فقد ظلا في حب عميق إلى النهاية. لم تكن هيلدا جميلة بالمعنى السائد في العالم: وقد أحدودب ظهرها بشكل حاد عندما بلغت السبعين، وأصيبت برعشة عصبية شوه الجانب الأيمن من وجهها. ومع ذلك كانت دائماً في عيني فكتور كما يقول هو "أميرتي". فقد تأسس حبهما على شيء أعمق بكثير من المظهر.

في غضون السنوات الثلاثين التي قضيتها في عمل تقديم المشورة للمتزوجين الشباب، شاركني الكثيرون بأفراحهم وصراعاتهم، ومع ذلك فلازلت أتأثر كثيراً في كل مرة يأتي إليّ أحد الشباب في ثقة ليفتح قلبه لي بما يمرّ به في حياته. منذ وقت قريب كتبتْ إليّ امرأة تدعى كيت Kate تخبرني عن كيفية نمو علاقتها مع أحد الشباب ويدعى آندي Andy. وكل من كيت وآندي عضوين في مجتمع كنيستنا الأخوي ويشتركان في نشاطات مجموعة شباب مجتمعنا العزاب. ولم يكونا سوى ناس عاديين، ولكن عندما صارت علاقتهما تنمو بإطراد فقد وُهِبوا عطية متميّزة، ألا وهي أساساً متيناً لسعيهما المشترك. تكتب كيت فتقول:

كان سعينا وبحثنا عن مشيئة الله تجربة روحية حامية منذ البداية. وقد أقترب بعضنا من بعض اقتراباً وثيقاً، خصوصاً عن طريق قراءة الكتاب المقدس والصلاة معاً. ومع ذلك يمكنني القول أنَّ صراعنا الأكبر كان في محاولـتـنـا للتخلي عن مفهومنا العاطفي والرومانسي عن الحب، لأنه يشغل حيزاً صغيراً بالحقيقة. كان حديـثـنا أحياناً ينزل لمستوى الجاذبية البشرية، لكن تأثيراته كانت مدمرة لأنه كان يقوّض ما قد اختبرناه معاً على مستوى روحي داخلي... لكن عندما حرصنا على إبقاء اللـه وأجواءه في محور لقاءاتـنا صار يفهم ويحس كل منا بالآخر وبأكثر وجدانية.

ولما شرعنا في معرفة أحدنا للآخر معرفة أفضل، ورأينا الإخفاقات والصراعات اليومية لكل منا، صرنا أيضاً قادرين على توبيخ وتشجيع بعضنا لبعض. وعليه صار يحس كل منا بـتـقـربـه من اللـه. إنني أرى الآن وبوضوح كيف أن العلاقة لا تتأسس مرة واحدة وإلى الأبد، بل يجب بنيانها يومياً – حجرة فحجرة – وبإيمان ثابت. وأنا ممنونة جداً على الوقت الذي قضيناه أنا و آندي في تبادلنا للصراحة في الحديث، ليتسنى لنا بناء أساساً متيناً فعلاً. وأشعر بالعرفان أيضاً من أن الطريق لم تكن مفروشة بالورود، لأن لاشيء ذو قيمة يأتي بدون صراع.

إن قصة آندي وكيت قصة مشجعة؛ إذ نرى أنه حتى في زماننا هذا ما يزال ممكناً للشباب أن يأخذوا مسألة العلاقة بينهما مأخذ الجدية للدرجة التي يسعون فيها وضع اللـه فوق أي شيء آخر. وهنا علينا تذكّر قول يسوع في هذا السياق، "أطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللـه وَبِرَّهُ وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ".

إذا كان الإيمان هو الأساس المتين الوحيد للزواج المسيحي فيترتب على ذلك وجوب تقديم الشريكين عهوداً بالالتزامات نحو المسيح والكنيسة أولاً قبل تقديم أي عهد بالتزام أحدهما نحو الآخر. ونرى هنا جسامة أهمية التأكيد على معمودية البالغين التائبين، لأن المعمودية تــُعـد واحدة من أعظم العطايا التي يمكن للمرء خوضها، لكونها بمثابة الاعتراف بالتوبة عن الذنوب ولكونها بمثابة عهداً لضمير صاف مع اللـه، بل يمكنني القول أنه بدون المعمودية لا يوجد أساس آمن لزواج مسيحي.

وطبعاً لا يجوز تعميد أحد لأجل الزوج أو الزوجة أو الأطفال (لوقا14:26). كذلك لا يجوز أن تختلط الرغبة في المعمودية بمشاعر الرغبة في شريك معين بقصد الزواج. ولكي تأخذ المعمودية معناها الحقيقي، فإنها يجب أن تكون كالختم على التوبة الجادة، وعلى الاهتداء، وعلى الإيمان.

تتطلب العلاقة السليمة الوقت والعناية

يقول يسوع إننا لا نقدر على خدمة سيدين (متى 6: 24). ويعلّمنا أنَّنا عندما نثق في اللـه وحده، ونتكل عليه اتكالاً كاملاً فسوف يسدّ كل احتياجاتنا، بما في ذلك حاجتنا إلى شريك حياة أو شريكة حياة. "أطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللـه وَبِرَّهُ وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ" (متى6: 33). هذه النصيحة ليست مهمة جداً لأولئك الذين قد انشغلوا بمسألة الزواج بطريقة غير صحيحة فحسب بل هي مهمة أيضاً لكل منا.

أنا لا أرتجي من أي شاب أن يتخلى عن الزواج، كما فعل الرسول بولس؛ فإن الدعوة الإلهية للعزوبة (التــَبــَتــُّلْ) يجب أن تـنبع من الداخل، لكن إن لم يكن الزواج من مقاصد اللـه للشخص (وهذا يصعب تمييزه غالباً) فإن كلاً منا يجب أن يكون على استعداد لصرف النظر عنه (فيلبي 3: 8). فعندما يشرق نور يسوع في حياتنا، سنلقى قوة لازمة للتفاني من أجله بأصالة بحيث يجد كل شيء في حياتنا حصته الصحيحة.

هناك اعتقاد يجد قبولاً واسعاً وهو أن أكثر العلاقات صحة هي تلك التي تكون أكثرها خصوصية (أي محصورة بين شخصين)، غير أنَّنا وعلى النقيض من ذلك نرى أن الخطبة والزواج هما من اهتمامات مجتمع الكنيسة بأكمله، ولا تقتصر على الأفراد المعنيين بها. لذلك فإنه في المجتمعات الأخوية لجماعتنا، وعندما يشعر الشباب والشابات بعضهم يقترب من بعض، فإنهم يتوجهون أولاً إلى والديهم ومرشديهم الدينيين. فمنذ تلك اللحظة توضع علاقتهما تحت رعاية الكنيسة. ولا ينظر شبابنا إلى هذه الخطوة على أنها عبء ثقيل، ولا يشعرون أنهم تحت وصاية أحد، بل على العكس، فهم يشعرون بالعرفان من أجل إمكانية الحصول على الإرشاد في هذه الأمور لأن المزيج من عدم النضج والنجاسة يجلب المآسي للكثيرين.

لاشك أن هذه الطريقة تبدو أكثر ملائمة في محيط جماعة على درجة كبيرة من الالتزام، وعلى كل زوجين أن يرتأيا كيفية تطبيق هذا على موقفهما. وقد يكون من الصعب على البعض فهم الغرض من طلب الإرشاد والتوجيه. وقد ينفر آخرون من الفكرة كليّاً. ومع ذلك فإن درس انفتاح المرء على من يثق فيهم، هو درس جدير أنَّ ينال ما يستحقه من اهتمام.

لقد تقابل كل من رَيّ Ray وخطيبته هِلين Helenأول مره في مجتمعاتنا الأخوية لجماعتنا. ويحكي لنا رَيّ قصتهما فيقول:

في ليالي السبت، كنت أعود مبكراً من العمل خصوصاً لأني لم أكن أعمل في محل الملابس الشهير Armani Exchange إلى ساعات متأخرة، فكنت أذهب للنادي مع حفنة من الأصدقاء. أو ربما كنت أذهب إلى الشارع الثالث في سانتا مونيكا، أو مجرد أقود سيارتي إلى منطقة الجسر للتسكع هناك. كان هذا المشهد نادراً ما يتغير، عدا البنات. لم يكن هناك شيء جديّ، أو أيّة علاقة "جارية" – وإنما مجرد من يقاسمني دفع حساب المشروب في الحانات أو من يرقص معي في طابق صالة الرقص. وأحياناً كنت أقابل من ظننت أنَّه شخص متميز، ممن وددت رؤيته أكثر من مرة. كنا نتبادل أرقام هواتفنا، ونرتب لعشاء وسينما. وكان كل شيء يبدو بريئاً وهيناً إلى حد كبير.

فهذا كان الأسلوب الذي كنت أنظر فيه إلى الأمور وقتذاك قبل أن أتعرف على هِلين بثلاث سنوات.

لقد نشأ كل منـّا (أنا وهِلين) في جماعة المجتمع الأخوي. وقد تعرف بعضنا على بعض في سن المراهقة، ورغم أنه كان لدى كل منا مشاعر نحو الآخر، إلا إننا لم نكشف عن هذه المشاعر. وبعد الدراسة الثانوية افترقنا. فاتجهت هي إلى المعهد، ومن بعدها انضمت إلى المجتمع الأخوي؛ أما أنا فانتقلت إلى "العالم"، لكن بعد ستة أشهر من التقشف كمتطوع في دول أخرى، ومن ثم دراسة فصلين في الجامعة في بلدتي، وعاماً من التجول في جنوب كاليفورنيا، حاصرني أخيراً الإحساس الذي كان يُناكِدني من أن حياتي أضحت مهزلة. وكان عليّ الإقرار بما حاولت إنكاره مدة طويلة – وهو أن فراغاً هائلاً وفتوراً كـانـا يـتـقـنـعـان وراء موقفي المتصلب الكاذب. ولم يتمكن أسلوب حياتي من إشباع توقي للكمال، لأن مقابلاتي مع الآخرين، وبالأخص النساء، كانت سطحية في أفضل الأحوال. وفي أسوأ الأحوال كانت مدمرة.

وأدركتُ بوضوح أول مرة في حياتي حاجتي الماسة إلى القوة الشافية التي لا يقدر على منحها سوى المسيح. عرفت أنني لا يمكن إيجاد هذا من ذاتي بل أحتاج إلى مساندة الآخرين ممن أثق فيهم، لذلك التمست العودة إلى البيت – أي إلى المجتمع الأخوي. ولاقتناعي من تصميمي لجعل اللـه محوراً لحياتي، فقد عهدت نفسي للرب وللإخوة والأخوات في المجتمع الأخوي الذي يعيش حياة مشتركة.

عندئذ صار من واجبي أن أحيط والديّ وراعي كنيستي علماً بمشاعري نحو هِلين، وقد نصحوني أنَّ أدع الأمور تسير سيراً طبيعياً حتى يأتي الوقت المعين من اللـه. فكانوا يؤكدون على النقطة التالية: "لو أن علاقتك هذه هو ما يقصده اللـه لك، فسوف يتمّ الأمر ولن يسع لأحد الوقوف في طريقه"، لكنهم في الوقت نفسه شجعوني إلى التوجه إليها مباشرة والتحدث معها.
وفعلت كما قالوا لي، ولم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى أحسس كلانا أنَّبثاق شيء جديد بيننا. ولم يجرؤ أحد منا على تسميته " حباً " في ذلك الوقت – لكنه كان فعلاً حباً جديداً وثميناً للغاية. ومع تحول الأسابيع إلى أشهر، شعرنا برابطة عميقة تنمو بيننا. كنا نقضي أوقات كثيرة معاً، أحياناً بمصاحبة أسرة كل منا، وأحياناً على مسؤوليتنا. كنا نتأمل ملياً في موضوعات الإيمان، أو نقرأ الكتاب المقدس أو نصلي، أو مجرد نجلس معاً في هدوء. بعدئذ، وعندما انتقلتُ إلى مجتمع أخوي شقيق آخر صار يكتب بعضنا الرسائل لبعض كل يوم تقريباً.

وبينما كانت صداقتنا تتوطد وتتعمق، زادت صراحتنا، لكننا تعلمنا أن الثقة تحتاج وقتاً. ففي بداية الأمر، تكشـّف لنا شيئاً بمثابة الرؤيا عندما أدركنا أنَّ كل منا عنده نقائص. فقد آذى أحدنا الآخر، وأحياناً كنا حتى نخون الحب الذي كان يتخذ شكلاً بيننا. ومع ذلك، كلما كان بعضنا يتحصّن في ضيق نظره ويتعنّد مع بعض، كان أهالينا ورعاة الكنيسة يقفون لنا للمساعدة في توجيهنا لنجتاز أزماتنا.

لاشك أن الإفضاء بكل شيء بصراحة مطلقة كان أحياناً أمراً مؤلماً بل ومحرجاً خصوصاً عندما لا تسير الأمور بسلاسة. والنصيحة التي يمكن أن يعطيها لنا والدينا أو غيرهما من أعضاء الكنيسة لم تكن دائماً تقع منا موقعاً حسناً، ولكن ما أن اكتشفنا القيمة الهائلة لوجود ناس جديرين بالثقة نأتمنهم أسرارنا، أدركنا أن اللـه كان يقدم لنا فرصة لكي تـُكشف علاقتنا على حقيقتها في بيئة مهيأة لتقديم المساندة والعون لنا.

والآن ومع اقتراب عرسنا أنا وهِلين، نشعر بالعرفان لمساعدة الآخرين الذين أرشدونا إلى المسيح. فبدونهم، كنا وعلى الأرجح، لا أنا ولا هِلين وجد سبيله إلى قلب الآخر. وقد علمنا أنَّنا عندما نحيى علاقة وجدانية كهذه وبدون ضغوط الجنس إنما هي عطية نادرة وخصوصاً في عصرنا هذا. ونعلم أيضاً أنه بصرف النظر عما يخبئه لنا المستقبل، فإن المسيح سوف يظل مرشدنا وقائدنا.

توضح لنا قصة رَيّ وهِلين الأهمية الحيوية لكل اثنين يعتزمان الارتباط، أن يأخذا قدراً كبيراً من الوقت ليصلا إلى معرفة أحدهما الآخر وجدانياً قبل أن يصنعا عهداً بينهما. فعندما يسعى اثـنان إلى الزواج، فمن الأولويات الأساسية التي يجب عليهما الجهاد من أجلها هي اكتشاف كل ما هو من اللـه لدى الآخر. وهناك فيض من الفعاليات الرزينة والمفيدة التي يتسنى لهما أداؤها لهذا الغرض: كالقراءة أو رحلات السير الطويلة أو تبادل الزيارات الأسرية أو الاشتراك معاً في مشاريع الخدمة لمجتمعهما الأخوي. أما المراسلة بينهما، فهي وسيلة طيبة أيضاً للتعرف على الطرفين بمستوى أعمق على أنَّ المراسلة في بادئ الأمر يجب ألا يتخللها أية التزامات أو عهود، بل كما من أخ لأخته أو العكس (أي أخوة بالمسيح). ويعتبر الكلام عن مشاعر غزل الحب العاطفي وانتماء بعضهما لبعض في غير وقته في تلك المرحلة، لأن كلام كهذا ماله سوى تشويش وتعتيم البصيرة اللازمة لاتخاذ قرار الالتزام المستقبلي، لأن السؤال الحاسم هو: أهذا حقاً ما يريده اللـه لنا أم لا؟

نحن نشجع كل شريكين من الشباب في مجتمعاتنا الأخوية أن يشاركا كل من والديهما أو رعاة كنيستهما برسائلهما والتجرؤ لطلب الإرشاد. بالطبع لا يعني هذا أن رعاتنا يتحكمون في العلاقة أو يحددون نتائجها، وإنما هم يقدمون الزاد والدعم والإرشاد الروحي. لا يسع المرء إلا أن يتعجب كم من الزيجات يمكن أن يتيسر إنقاذها، لو أن الشأنَّ والشابات وفي كل مكان لديهم التواضع للتوجه إلى والديهم (أو إلى أي زوجين أكبر سناً يثقان بهما) طلباً للنصح والإرشاد، حتى لو لم تكن بهذه الطريقة المحددة التي ذكرناها.

نقول مرة أخرى أنَّ العلاقة الصحيحة لا يمكن الاستعجال بها. إنها مثل الزهرة التي يجب إعطاءها الوقت المعين من اللـه لكي تتفتح، وليس بإجبارها على أمل الإزهار مبكراً. إذا أردنا للزواج أن يدوم فعلينا بنيانه على أساس مبني بعناية مرهفه.

الذي يعول عليه أكثر في قرار الزواج
هو إرادة اللـه

إن الصدق أمر جوهري في كل علاقة حقيقية. فإذا لم يشعر كل من الشخصين بازدياد تقرّب بعضهما من بعض، ومن اللـه، فيجب أن يكونا صريحين بشأن هذه العلاقة. وهنا يجب على الكنيسة أيضاً أن تهتم اهتماماً كافياً أنَّ تكون صادقة وصريحة مع أعضائها – لمساعدة الشخصين في التبصّر: أبعضهم من نصيب بعض، أم لا؟.... وأيضاً التمعّن مليـاً: هل تجني صداقـتـهم ثماراً طيبة؟.... لاشك أنه حتى لو لم يُعطَ أي وعد، فإن إنهاء علاقة ما أمر مؤلم، لكن نهاية مؤلمة أفضل كثيراً من ألم لا نهاية له، في علاقة تقود إلى الضياع.

سيكون أي اثنين من الشباب جاهزَين للخطوبة في حالة واحدة فقط ألا وهي عندما يتأكد كل منهما على حدة وفي ظل نصائح الأهل والرعاة وبعد وقت من الزمن أنَّ بعضهما فعلاً ينتمي لبعض لمديد الحياة. فلا يكونان جاهزين فعلاً لعقد رباط دائم للحياة ما لم يشعرا بأعماق قلبيهما أنَّ الشريك الآخر هو من نصيبهما، وأنَّ اللـه وحده هو الذي يجمعهما.

فإذا تمَّت الخطوبة، سيريد كل خطيب وخطيبة المشاركة التامة في حبهما والتعبير عنه بنشاط في الأخذ والعطاء. فقلوبهما تـنوي جعل الآخر سعيداً ولا ينقصه شيئاً، وهما على استعداد لصنع أي شيء لتحقيق هذا الأمر، لكن، وبرغم ذلك، يجب على مثل هؤلاء الشركاء إدراك أن قوة الحب أكبر بكثير من ذاتهم، ويتعين عليهم التضرع لله يومياً ليقويهم، ليحافظوا على ضبط أنفسهم.

لابد من تجنب العناق الطويل والمداعبة والتقبيل فماً لفم، بالإضافة إلى تجنب كل شيء آخر قد يؤدي إلى التهيج الجنسي. فالرغبة في الاقتراب الجسدي بين شريكين أمر طبيعي، لكن بدلاً من أن يحوما حول هذه الرغبة، فالأجدر بالخـطيـبـيـن تركيز جهديهما في الشروع في معرفة أحدهما الآخر بألفة ومودة على المستوى الروحي، وفي تنمية محبتهما ليسوع ولمجتمع الكنيسة.

عندما يبدأ شريكان في التعرف بعضهما على بعض، فإن سيطرة المشاعر الجنسية تمنع تطور العلاقة على أساس سليم. بمجرد مجيء الجنس على المسرح فأنه يسرق المشهد. إنَّ الإثارة الجنسية تتجه نحو التصاعد بطبيعتها؛ فإذا حدث أن بدأت لا يمكن للمرء أن يرضى بالتراجع. عندما يـُهيـّج شخصين أحدهما الآخر جنسياً، فإنهما يتورطان في نوع من أنواع المقدمات التي تسبق الجماع. وسواء اعترفا بذلك أم لا، فإنهما يعدان أنفسهما عاطفياً وجسدياً للاتصال الجنسي. عندئذ سيكون أمامهما خيارين فقط: إما إكمال السير في هذا الطريق إلى نهايته، أو أن يتوقفا عند تلك النقطة والتخبط بإحباط المشاعر الناتج عن عدم المضي في الإثارة إلى درجة الإشباع. فلا يمكن للرغبات المشتعلة في داخلهما أن تــَشبع دون خطيئة. وعليه، فإن الذهاب إلى منتصف الطريق أمر ضار ومؤذ؛ لأنه يتعارض مع بناء حرمة زوجية عزيزة ودائمة.

والزواج الذي يبدأ بضمير مثقل بخطيئة غير معترف بها هو زواج يقام على أساس غير رصين، ولا يمكن تصحيحه إلا بالاعتراف بالخطيئة والتوبة. وتعتمد صحة الزواج على الأرض التي ينمو فيها. فإذا وُضعت بذرته في تربة الطهر والإيمان، فلابد أن يحمل ثمراً طيباً وينال بركة اللـه.

حاولوا مسك الروح وليس الحرف من الذي أكتبه. فتشوا عما بأعماق قلب الآخر، وتوجهوا إلى المسيح بثقة مطلقة لالتماس الجواب لجميع تساؤلاتكم. أيها العزيزين، تيقِنَا من أنّ الرب لن يفشل أبداً في إرشادكما إرشاداً صافياً.

هذا المقال من كتاب "الجنس والله والزواج"

 


والآن جاء دورك، أخبرنا عن رأيك بالمقال:


ردود القراء

كُنْ أول من يرسل رأيه!

for those considering marriage