tracks in the snow in the Alps

قوة تأثير الإيحاء الذهني

إلى أي صوت سنستمع؟

بقلم هاينريش آرنولد هاينريش آرنولد

0 تعليقات
0 تعليقات
0 تعليقات
    أرسل

بعد مدة قصيرة من وفاة والدي، ايبرهارد آرنولد (مؤسس حركة برودرهوف Bruderhof) وجدتُ في مكتبه مجلد قديم أصفر اللون للطبيب النفساني السويسري-الفرنسي تشارلز بودوان Charles Baudouin. وكان الكتاب يحمل عنوان "الإيحاء والإيحاء التلقائي للذهن Suggestion und Autosuggestion"، الذي كنت أقرأه في أغلب الأحيان حينما كنت أخوض غمار موضوع الأفكار الثقيلة على الضمير.

فالإيحاء في نظر تشارلز بودوان قد يمكن تعريفه بإيجاز بأنه القوة التي تدفع فكرة ما لكي تتجسّد واقعيا بسبب تأثير مشاعر وصور دخلت إلى العقل الباطني من مصدر خارجي، فهو يكتب:

إن أية فكرة سواء كانت عن المتعة أو الألم أو المشاعر عادة ما تتحول فعلا إلى تلك المتعة أو إلى ذلك الألم أو إلى تلك المشاعر...فمنظر الشمس الذي يثير فكرة الدفء، كافٍ أيضا لإضفاء إحساس الدفء؛ وعلى نقيض ذلك، يوقظ منظر الثلج وقراءة المحرار خارج المنزل فكرة البرد.

إن تأثير الإيحاء الذهني يفرض نفسه علينا في كل يوم، وفي كل الأوقات: فكلنا معرضون إلى تأثيرات تأتينا من الناس الذي يعيشون معنا على سبيل المثال أو من الذين يشتغلون معنا. وهناك أيضا نوع من التأثير الإيحائي الذي هو أكثر مكرا وخباثة من غيره – لكن له القوة نفسها – ومصدره يكون عن طريق وسائط غير حية، مثل: الكتب والمجلات والجرائد التي نقرأها والاستعراضات والأفلام التي نشاهدها والموسيقى التي نسمعها ووسائل الدعاية والإعلان التي تنهال علينا يوميا.

من الواضح أن الإيحاء الذهني يمكن له أن يكون قوة إيجابية وأيضا سلبية. لكن بشأن صراع الأفكار غير المرغوب فيها، فمن الضروري هنا أن ندرك أن قوة الإيحاء السلبية في مقدورها أن تعمل بكامل الاقتدار ضد صوت الضمير للتغلب عليه وإسكاته. وعلى نطاق أوسع، نرى قوتها السلبية واضحة جدا في المعتقدات المعاصرة للناس في قضايا تقسِّم البشر مثل قضية الإجهاض والشذوذ الجنسي، ونراها أيضا واضحة في توجّه سلوك المجتمع نحو العنف. وغالبا ما تهيّج هذه الأمور مشاعرا قوية لدى الناس بحيث يصبح من المستحيل لهم أن يتكلموا عنها تكلما موضوعيا ويفقدون المنطق السليم لأنهم تحت تأثير الأفكار الشريرة الموحاة. ويا للاختلاف الذي يمكن أن يحصل والتحسُّن الذي نناله لو استكشف كل واحد منا قلبه وتفحّص شخصيا هذه المعتقدات وهذه الآراء بدلا من أن تجرفنا وسائل الإعلام أو الخبراء بأقوالهم وبمنطقهم!

ربما نرى "روح العصر" (بالألمانية zeitgeist) بأشدّ وضوحها في ظاهرة قلّة الحياء التي يتسم بها زماننا. فهي تبين نفسها في الملابس والكتب والمجلات والفنون والموسيقى – من خلال تعابيرها الخالية من الوحدة الروحية والمنفصلة عن الخالق، ومن خلال استعطافها واستمالتها لأدنى الغرائز البشرية. ويمكن رؤيتها أيضا بمستوى أعمق في أماكن أخرى: مثل الحكومات والفساد الإداري والتجاري في الشركات، وفي تفكك الأسر والعلاقات الشخصية، وفي المدارس والجامعات، وفي وسائل الإعلام، وفي عالمي الطب والقانون، والأسوأ من كل هذا، نراها في فراغ ورياء الغذاء الروحي الذي تقدمه كنائس كثيرة جدا.

إن موقف يسوع المسيح تجاه كل هذه الأمور واضح: فهو يدين "روح العصر" وهو يفضحها بأنها روح الشيطان، "الْمُشْتَكِي الَّذِي يَتَّهِمُ إِخْوَتَنَا" (رؤيا 12: 10)، وهو "الّذي كانَ مِنَ البَدءِ قاتلاً." (يوحنا 8: 44) وبهذا فهو يدعونا إلى أن نسأل أنفسنا،

أين هو صوت الله الوديع والهادئ في وسط كل انقسامات زماننا وضجيجه؟

هذا المقال مقتطف من كتاب «التحرّر من الأفكار الأثيمة»

tracks in the snow in the Alps
هل لديك تعليق؟ تفضل وشارك المحادثة. 0 تعليقات
مساهمة من photo of J. Heinrich Arnold هاينريش آرنولد

ألا نستعد لكلمات المسيح لندعها تخترق أعماق كياننا – أم نستمر في وقاية نفوسنا منها ونقسّي قلوبنا تجاهها؟ فلا ندرك كم مرة وقفنا في طريق الله. لكن يمكننا أن نسأل الله أن يخترق أحشاءنا بكلمته الإلهية، حتى لو كانت مؤلمة.

تعرّف على المزيد
0 تعليقات