Child running toward her mother

سنوات الطفل الأولى

بقلم يوهان كريستوف آرنولد Johann Christoph Arnold

اللغات المتوفرة: Deutsch ، español ، 한국어 ، English

0 تعليقات
0 تعليقات
0 تعليقات
    أرسل

دَرِّبِ الْوَلَدَ بِمُقْتَضَى مَوَاهِبِهِ وَطَبِيعَتِهِ، فَمَتَى شَاخَ لاَ يَمِيلُ عَنْهَا. سفر الأمثال 22: 6

أجمع التربويون منذ أمد بعيد على أن السنوات الخمس الأولى من عمر الطفل لديها التأثير الأكبر في تكوينه؛ فكل ما يعيشه الأطفال في هذه المرحلة ستؤثر فيهم لبقية عمرهم. وقد كتب المصلح التربوي الألماني فروبل Froebel في القرن التاسع عشر أن الحياة الروحية للإنسان تتشكل إلى حد كبير بتجارب الطفولة المبكرة. فعلاقة الطفل المستقبلية مع أولياء الأمور ومع الله ومع المجتمع ككل وحتى مع الطبيعة تعتمد بصورة رئيسية على مدى تطور نموه خلال تلك المرحلة.

وهذا ما أكدته علميّا الدراسات الحديثة. وعلى ضوء هذه الحقيقة وبسبب المسؤولية الجسيمة الملقاة على كل والد ووالدة، فمن الضروري جدا أن تجري رعاية الرباط الذي يربط بين الأب والأم والطفل الرضيع ابتداءً من الولادة. فيجب على الوالدين أن يتذكرا أن الله سبحانه تعالى هو الذي رزقهما بهذا الطفل، وأنه على عاتقهما تقع مسؤولية توجيه الطفل في المسار الذي يحقق قصد الله له سواء كان ولدا أو بنتا.

إن أهمية التفاعل مع الطفل الرضيع لا نعطيها حقها مهما شددنا عليها. لقد كانت أمي تقول دائما أن التربية تبدأ بالمهد. فيجب أن نحمل الأطفال الرضع و نُمَسِّدُهم ونداعبهم. ويجب أيضا أن نغني لهم ونحكي معهم ونبتسم لهم. فأهم من كل شيء هو أنهم يجب أن يكونوا محبوبين بمحبة غير مشروطة.

لكن يجب على الآباء الاحتراس من رؤية أطفالهم من خلال نظارات وردية اللون، لأن الحياة لا تكون مفروشة بالورود دائما. لقد رأيت حياة الشباب تتحطم لأنه عندما كانوا صغارا، لم يقدر آبائهم على أن يرفضوا لهم طلبا ويقولوا لهم "لا": لأنهم لم ينظروا إلى أطفالهم سوى على أنهم "ظرفاء" وبالتالي فشلوا في تأديبهم. فقد تأسّر هؤلاء الآباء كرهائن من قبل أطفالهم الذين أفسدهم الدلع الزائد وهم يكبرون، وصار الأولاد بعدئذ آنذاك لا قدرة لهم على تقبل أي فشل أو مشقة في حياتهم، ولا يرضون بتحمل المسؤولية عن أفعالهم.

وفيما يبدأ الأطفال بتعلم المشي ينبغي تحفيزهم وتشجيعهم بألعاب بسيطة وبقطع شعرية بسيطة للأطفال وبالأناشيد. وقدراتهم العقلية في هذه المرحلة لا تُضاهى، والشيء الذي لا يتعلمونه الآن لن يتعلموه إلا بجهود صعبة كبيرة لاحقا. ولهذا السبب يتحدث الخبراء عن "نافذة الفرص" التي لن تنفتح ثانية انفتاحا واسعا أبدا.

وللتأكد من ذلك، فلا يمكن قياس نمو وتطور الطفل على أساس مدى تعلمه فقط أو مقدار ما ينجزه. لأن النمو النفسي والروحي للأطفال هو بالقدر نفسه من الأهمية أيضا، وغالبا ما يكتسبونه عندما يعتمدون على أنفسهم. فالوقت الذي يقضونه لوحدهم معتمدين على أنفسهم يلعب دورا حاسما لتنمية قابلية بناء الخيال والتصورات لديهم وسيتعلم الأطفال فيه كيفية الاستمتاع دون تدخل الكبار.

فالساعات التي يقضونها في أحلام اليقظة واللعب الهادئ تغرس فيهم الشعور بالأمان وتعمل على توفير السكينة النفسية اللازمة في خضم إيقاع الحياة اليومية. لكن من ناحية أخرى، نرى، وفي كثير من الأحيان، أن الكبار يعكّرون صفاء أجواء الأطفال دون داع أو سبب ويضايقونهم بتدخلاتهم. فلا يستطيعون المرور من جانب طفل دون رفعه وحمله وتقبيله أو فعل شيئا به. وإذا رفض الطفل أو قاوم فسينجرح الكبار، والذي كان مشهدا سعيدا مجرد قبل لحظات صار الآن مشهدا من الغضب والإحباط. ويأخذ المصلح التربوي فروبل Froebel هذه الفكرة ويخطو خطوة أبعد إلى الأمام ويؤكد على أن اللعب غير المنقطع هو شرط أساسي مسبق للعمل غير المنقطع. فالطفل الذي يلعب بكامل التركيز سيصبح عندما يكبر شخصا عازما ودؤوبا ينجز العمل المكلف به ولا يتركه إلى أن ينتهي منه.

وفي كل مرة يجري فيها الاتصال مع الطفل والتحدث معه، فمن الضروري جدا أن نأخذ بنظر الاعتبار وبكامل المحبة طبيعة الطفل الداخلية عنده: مثل روحية البساطة والصدق وسرعة التأثر التي يتحلى بها، فهذا الأمر حاسم جدا وفي غاية الأهمية. فلا تعني تربية الأطفال قولبتهم في قالب معين وفقا لرغباتنا وأفكارنا الخاصة بنا. وإنما تعني مساعدتهم ليصبحوا وفقا لما هم عليه في فكر الله.

إن "التخلي" عن عقلية الكبار التي عندنا ليس أمرا سهلا أبدا. حتى أن تلاميذ السيد المسيح اصبحوا ساخطين على الوضع عندما تمّ دفع الأطفال من بينهم ليتقربوا إلى يسوع. لأنه عندما يتواجد الأطفال، فلا تسير الأمور بحسب المرام. فنرى الأثاث تُخدَّش، وتربة الزهور تُداس، والملابس الجديدة تتمزق، واللُعَب تضيع أو تنكسر. لأن الأطفال يريدون التعامل مع الأشياء ومسكها واللعب بها. فهم يريدون أن يمرحوا، وهم بحاجة إلى مكان وفرصة ليقوموا بأعمال صبيانية وشقيّة وضوضائية.

وهكذا الأمر بالنسبة للوالدين اللذين لديهما أطفال صغار، فقد تبدو السنوات الأولى مرهقة جدا في بعض الأحيان - وفي نهاية يوم طويل، فقد يبدو الأطفال حتى كأنهم مصدر إزعاج أكثر من كونهم نعمة. فه�� ليسوا دمى خزفية لامعة وجميلة بل عفاريت لا يمكن التنبؤ بما سيفعلونه بأيادٍ دَبِقة، وأنوف تسيل، وأحيانا بكاء في الليل، لكن مع ذلك، لو أحببناهم حقا، لوجب علينا الترحيب بهم كما هم عليه وعلى طبيعتهم.

child holding paper dolls of a family
هل لديك تعليق؟ تفضل وشارك المحادثة. 0 تعليقات
مساهمة من Johann Christoph Arnold يوهان كريستوف آرنولد

هناك الكثير من المقالات والكتب الإلكترونية المجانية بقلم يوهان كريستوف آرنولد عن الزواج المسيحي واِتِّباع المسيح والصلاة والبحث عن السلام.

تعرّف على المزيد
0 تعليقات