Morning over the bay

الجنس وعالم اللّذّة

ما فكر الله لأحاسيسنا البشرية؟

بقلم يوهان كريستوف آرنولد Johann Christoph Arnold

اللغات المتوفرة: lietuvių ، English

0 تعليقات
0 تعليقات
0 تعليقات
    أرسل

فكُلُّ ما خَلَقَ اللهُ حسَنُ، فما مِنْ شيءٍ يَجِبُ رَفضُهُ، بَلْ يَجبُ قَبولُ كُلِّ شيءٍ بِحَمدٍ، لأنَّ كلامَ الله والصَّلاةَ يُقدِّسانِهِ. (اقتباس من الإنجيل، 1 تيموثاوس 4: 4 – 5)

يتحدث الكتاب المقدس عن القلب باعتباره مركز الحياة الروحية للإنسان. ففي القلب تتخذ جميع القرارات، ويثبّت الاتجاه الذي يختار نوع الروح الذي سنتبعه وسنعيش وفقا له:

أنا الرّبُّ أفحَصُ نيَّاتِ القُلوبِ وأمتَحِنُ مشاعِرَ البشَرِ، فأُجازي الإنسان بِحسَبِ طُرُقِهِ، بِحسَبِ ثمَرَةِ أعمالِهِ. (إرميا 17: 10).

لكن قد خلقنا الله أيضا ككائنات تحب المُتع واللذات. فكل شيء ندركه بحواسنا ينتمي إلى دائرة الحس واللذة، بما في ذلك الجاذبية الجنسية. خُذ مثلا أريج زهرة أو نسيم عذب أو ابتسامة الطفل الأولى فكلها تجلب لنا السرور. لقد وهبنا الله نعمة عظيمة في حواسنا، وإذا استخدمناها في حمده وتقديم الإكرام والمجد له، فبوسعها أن تقدم لنا سعادة عظيمة.

ولكن مثلما يقدر التمتّع باللذة على أن يقرّبنا من الله فإنه يقدر أيضا على أن يضلِّلنا ويأخذنا عن جادة الصواب، بل حتى يقدر على أن يأتي بنا إلى الظلمات الشيطانية. فغالبا ما نميل إلى ما هو سطحي، ويفوتنا ما قد يهبه الله من جبروت وقوة إذا كان لدينا نظرة عميقة. وغالبا، وحينما نتعلق بشراهتنا في التلذُّذ بحواسنا وملذاتنا، ننسى ما يخصّ الله، وتفوتنا إمكانية أن نعيش العمق الكامل لإرادته المقدسة.

الفرح الدائم لا يكمن في حواسنا بل في الله

لو رفضنا الحواس الحيّة التي عندنا وكرهناها، لأصبحنا كمن يرفض الله وما صنعته يداه،

والرُّوحُ صَريحٌ في قَولِهِ إنَّ بَعضَ النّاسِ يَرتدُّونَ عَنِ الإيمان في الأزمِنَةِ الأخيرَةِ، ويَتبَعونَ أرواحًا مُضلِّلَةً وتَعاليمَ شَيطانِيَّةً، لِقومِ مُرائِينَ كَذّابينَ اكَتوَت ضَمائِرُهُم فماتَت، يَنهَوْن عَنِ الزَّواجِ وعَنْ أنواعِ مِنَ الأطعِمَةِ خَلَقَها الله ليَتناوَلَها ويَحمَدَهُ علَيها الّذينَ آمنوا وعَرَفوا الحَقَ. (1 تيموثاوس 4: 1-3).

فلا يريد الروح القدس أن نرفض الجسد أو طاقاته العاطفية. لكن يجب علينا أن لا ننسى أن الشيطان يسعى لتخريب كل شيء طيب وخيّر؛ إنه كذاب يلوي عنق الحقّ، ويتقنص دائما أية فرصة لإخداعنا، ولاسيما في هذا المجال.

غني عن البيان، أن النفس تنجذب إلى الله بواسطة الروح، لكنها دائما تكون مرتبطة بما هو طبيعي أو مادي بواسطة الجسد. وأمور الجسد ليست في عداء مع الروح، ويجب أن لا تُحتقر أبدا. لكن العدو الحقيقي هو الشيطان، الذي يحاول جاهدا وبصفة مستمرة أن يحارب النفس البشرية ويفصلها عن الله تعالى. فإرادة الله هي أن كل جزء في الحياة - روح ونفس وجسد - نضعها تحت سلطانه لأجل خدمته،

فإذا أكَلتُم أو شَرِبتُم، أو مَهما عَمِلتُم، فاعمَلوا كُلَّ شيءٍ لِمَجدِ اللهِ. (1 كورنثوس 10: 31).

لا يوجد في المجال الحسّي واللذة أي شيء خطأ في حد ذاته. بالإضافة إلى ذلك، فإن كل شيء نفعله، سواء المشي أو النوم هو اختبار حسّي بدرجة ما. ولكن، ولكوننا مصنوعين على صورة الله، ولسنا مجرد حيوانات، فالمطلوب منا هو أكثر من ذلك.

عندما يقع اثنان في الحب، فإن الفرح الذي يعتريهما في بادئ الأمر يكون على صعيد الأحاسيس: فينظر أحدهما إلى عيني الآخر، ويسمع أحدهما صوت الآخر وهو يتكلم، وكلاهما يجدان بهجة في لمس يد الآخر أو حتى في دفء اقتراب أحدهما من الآخر. وطبعا يذهب ما يعيشانه إلى ما هو أبعد من مجرد النظر أو السمع أو المشاعر، لكنه ومع ذلك فإن بدايته تكون على صعيد الأحاسيس.

على أن الحب البشري لا يجوز له أبدا أن يظل عند هذا المستوى، وينبغي له أن يذهب إلى ما هو أعمق كثيرا من ذلك. لأنه عندما تصبح اللذة غاية في حد ذاتها، فإن كل شيء يبدو عابرا ووقتيا، وترانا نندفع للسعي لإشباع ذواتنا في تجارب أزيد وأكثر متعة، كما يحذرنا الإنجيل:

فأقولُ لكُم وأشهَدُ في الرَّبِّ أنْ لا تَسيروا بَعدَ الآنَ سِيرَةَ الوَثَنيِّينَ الّذينَ يُفكِّ��ونَ باطِلاً، وهُمْ في ظَلامِ بَصائِرِهِم وجَهلِهِم وقَساوَةِ قُلوبِهِم غُرَباءُ عَنْ حَياةِ اللهِ. فلمَّا فقَدوا كُلَّ حِسٍّ استَسلَموا إلى الفُجورِ، فانغَمَسوا في كُلِّ فِسقٍ ولا يَشبَعونَ. (أفسس 4: 17-19).

وعندما نبذل جهودنا في تسميم أحاسيسنا، فإننا سرعان ما ننهك ونخرّب مقدرتنا على استلام الطاقة الضرورية للحياة. وسنفقد أيضا قدرتنا على تذوّق أية تجربة روحية سامية. وقد أخبرني رجل أعرفه، وهو متزوج منذ أكثر من 30 عاما، قال:

عندما تزوجتُ من زوجتي، أردت منها في بادئ الأمر أن ترتدي ملابسا أنيقة ومغرية. وكان ذلك في أيام انتشار «موضة» الميني جيب، حيث كانت في نظري تبدو رائعة فيه. ولم أدرك حينذاك الأذية التي سببها موقفي هذا، لها ولغيرها من الرجال ولي شخصيا. فكنت بالحقيقة ومن خلال عملي هذا أشجع النظرة الشهوانية التي أدانها الرب يسوع المسيح بشكل قاطع. ولم ندرك هذا لا أنا ولا زوجتي إلا بعد فترة لاحقة، فتحرّرنا عندئذ من التشديد المريض على المظهر الخارجي الجسدي، وتطلعنا إلى المزيد من العلاقات الأصيلة.

لن نكون قادرين على أن نعيش أمور هذه الدنيا بكل ملئها ما لم نسلم أنفسنا، بما في ذلك حواسنا، ونخضعها بوقار لله. لقد رأيت أمثلة كثيرة كيف أن الناس الذين يركزون اهتمامهم في إمتاع حواسهم تكون حياتهم ضحلة وبلا هدف. فعندما تتحكم حواسنا فينا، نَتدمَّرُ نفسيا ونصاب بالحيرة والالتباس. ولكننا مع الله، يمكننا رؤية وتلمُّس ما هو أبدي في الأحاسيس. وبفضله يسعنا إشباع أعمق اشتياق للقلب لما هو أصيل ودائم.

عندما نسلم الناحية الجنسية لله فإنها تصبح نعمة.

إن اللذات والأحاسيس، بكونها هبة من عند الله، تظلّ سرّا غامضا؛ أما بدون الله فتفقد سرّيتها وتتنجس. وهذا ينطبق بالأخص على مجال الجنس برمته. فكل ما يتعلق بالحياة الجنسية له حرمته البالغة، والتي يخفيها كل واحد منا عن الآخرين بصورة غريزية. إن الجنس هو سر كل إنسان، وهو شيء يؤثر على الكيان الداخلي للإنسان ويعبر عنه أيضا. وإن كشف أي شيء في هذا المجال إنما يكشف النقاب عن حرمة الفرد وما هو شخصي، ويفسح الطريق أمام شخص آخر للتدخل في سر الإنسان. من هنا نرى أن موضوع الجنس - رغم أنه إحدى العطايا الإلهية العظمى - فإنه أيضا يكون موضوعا للعار والعيب. فنحن نستحي من أن نكشف سرنا للآخرين. وهناك سبب لهذا: فمثلما استحى آدم وحواء من عريهما أمام الله تعالى لأنهما علما أنهما قد سقطا في الخطيئة، فنحن كذلك، كل واحد فينا يعلم بطبيعته الخاطئة. إن الاعتراف بهذا لا يعبر عن خلل اضطراب عقلي غير سليم كما يزعم كثيرين من علماء النفس. بل هو الردّ الغريزي لكي نستر ما هو مقدس وموهوب من قبل الله، وهو اعتراف يجب أن يقود كل شخص إلى التوبة.

إن المقصد من الاتحاد الجنسي هو أن يكون تعبيرا وتجسيدا لرباط الحب الدائم الذي لا ينفصم. إنه يمثل أسمى تسليم كامل من شخص إلى شخص آخر، لأنه يشتمل على الكشف المتبادل لأكثر الأسرار عزة وحرمة من جانب كل شريك. أما الانخراط بأي نشاط جنسي مهما كان نوعه بدون الاتحاد برباط الزواج فيعتبر تدنيسا ونجاسة وانتهاكا لتلك الحرمة. والممارسة الشائعة الخاصة «بالتجربة الجنسية» قبل الزواج، حتى مع شريك قد عزم الشخص الزواج منه، ليست أقل هولا وفظاعة، وبإمكانها تدمير الزواج المستقبلي بشدة. فلا يحقّ إزالة برقع الحرمة بين أي رجل وامرأة بدون بركة الله والكنيسة في إطار الزواج:

لِيَكُنِ الزَّواجُ مُكَرَّمًا عِندَ جميعِ النّاسِ، وليَكُنْ فِراشُ الزَّوجِيَّةِ طاهِرًا، لأنَّ اللهَ سَيَدينُ الفاجِرينَ والزُّناةَ. (عبرانيين 13: 4).

ولكن حتى ضمن إطار الزواج، فإنه ينبغي وضع موضوع الحرمة الجنسية كله تحت سلطان السيد المسيح، إذا أريد له أن يثمر ثمارا طيبة. ثم إن التناقض بين الزواج الذي مركزه المسيح، والزواج الذي يكون الجسد بؤرة تركيزه، موصوفا على أفضل وجه من قبل القديس بولس الرسول في رسالته إلى أهل غلاطية، يقول:

وأمَّا أعمالُ الجَسَدِ فهِيَ ظاهِرَةٌ: الزِّنى والدَّعارَةُ والفجورُ وعِبادَةُ الأوثانِ والسِّحرُ والعَداوَةُ والشِّقاقُ والغَيرَةُ والغَضَبُ والدَّسُّ والخِصامُ والتَّحزُّبُ والحسَدُ والسِّكرُ والعَربدةُ وما أشبَهُ. وأُنبِّهُكمُ الآنَ، كما نَبَّهْتُكمُ مِنْ قَبلُ، أنَّ الّذينَ يَعمَلونَ هذِهِ الأعمالَ لا يَرِثونَ مَلكوتَ اللهِ. أمَّا ثمَرُ الرُّوحِ فهوَ المَحبَّةُ والفَرَحُ والسَّلامُ والصَّبرُ واللُّطفُ والصَّلاحُ والأمانَةُ، والوَداعَةُ والعَفافُ. وما مِنْ شَريعَةٍ تنهى عَنْ هذِهِ الأشياءِ. والّذينَ هُم لِلمَسيحِ يَسوعَ صلَبوا جَسَدَهُم بِكُلِّ ما فيهِ مِنْ أهواءٍ وشَهواتٍ. (غلاطية 5: 19-24).

إن الذين ينظرون إلى الشهوة الجنسية كنظرتهم إلى النهم والشراهة في مجال الأكل، لا يفهمون الأهمية المتميزة الكامنة في المجال الجنسي. فعندما نستسلم لإغراءات الشهوة والنجاسة الجنسية، فأننا نتنجس بطريقة تختلف تماماً عما تسببه شراهة البطن، بالرغم من أن هذه الشراهة قد أدانها الرسول بولس أيضا. فالشهوة والنجاسة الجنسية تجرحاننا في صميم القلب والكيان. إنهما تهاجمان القلب في اللب والصميم. فكلما سقطنا في نجاسة جنسية، وقعنا فريسة للشر الشيطاني وفسد كياننا كله. ولا يمكننا أن نتحرر عندئذ إلا بتوبة نصوحة واهتداء.

عكس النجاسة هو ليس التزمّت

أن نقيض النجاسة الجنسية والشهوانية الجنسية هو ليس تكلُّف الحشمة والاستعفاف المفرط أو التزمُّت الخلقي أو التقوى الكاذبة. فما أشد تحذير الرب يسوع لنا من هذه الأمور!

الويلُ لكُم يا مُعَلِّمي الشَّريعةِ والفَرّيسيّونَ المُراؤونَ تُطَهِّرونَ ظاهِرَ الكأسِ والصَّحنِ، وباطنُهُما مُمتلِـئٌ بِما حصَلتُم علَيهِ بالنَّهبِ والطَمَعِ. أيُّها الفَرِّيسيُّ الأعمى طَهِّرْ أوَّلاً باطنَ الوِعاءِ، فيَصيرَ الظَّاهِرُ مِثلَهُ طاهرًا. الويلُ لكُم يا مُعَلِّمي الشَّريعةِ والفَرّيسيّونَ المُراؤونَ أنتُم كالقُبورِ المبـيَضَّةِ، ظاهرُها جميلّ وباطِنُها مُمتَلئٌ بعِظامِ الموتى وبكُلِّ فسادٍ. وأنتُم كذلِكَ، تَظهَرونَ لِلنّاسِ صالحينَ وباطِنُكُم كُلُّهُ رِياءٌ وشَرٌّ. (متى 23: 25-28)

من الضروري أن يكون فرحنا بما تتلذذ به أحاسيسنا صادقا وحرّا. ويقول عالم الفيزياء والرياضيات والفيلسوف الفرنسي باسكال Pascal: «إن مشاعر العشق نجدها أقوى عند من يريد التّنكُّر لها». فعندما تُكبح الشهوانية الجنسية بالإكراه الخلقي وليس بالتأديب النابع من فيض القلب، فما لها إلا أن تجد سُبلا جديدة من الكذب والتقنُّع والانحراف، كما يبين لنا ذلك الإنجيل:

«لا تَلمَسْ، لا تَذُقْ هذا، لا تُمسِكْ ذاكَ»، وهِيَ كُلُّها أشياءُ تَزولُ بالاستِعمالِ؟ نعَمْ، هِيَ أحكامٌ وتَعاليمُ بشَرِيَّةٌ، لها ظَواهِرُ الحِكمَةِ لِما فيها مِنْ عِبادَةٍ خاصَّةٍ وتَواضُعِ وقَهرٍ لِلجَسَدِ، ولكِنْ لا قِيمَةَ لها في ضَبطِ أهواءِ الجَسَدِ (كولوسي 2: 21-23).

في زماننا الفاسد الذي لا يعرف العيب، تزداد صعوبة تنشئة الأولاد على توقير بالغ الحس لله سبحانه تعالى ولكل ما خلقه. لذلك، يتحتم علينا أن نبذل ما في وسعنا أكثر من ذي قبل لتنشئة أولادنا بالطريقة التي تجعلهم ينمون ليصيروا رجالا ونساء ملتزمين بحياة الطهر والنقاء - سواء تزوجوا كبالغين أو لم يتزوجوا.

ويجب أن نحرص على أن لا يتحدث أولادنا بدون وقار أو احترام عن الأمور الجنسية. لكننا في الوقت نفسه لا يمكننا تجنب الموضوع. ونحتاج بالأحرى إلى تنمية روح الوقار والاحترام لدى أولادنا. فينبغي علينا تعليمهم على فهم مغزى وقداسة الجنس وفقا للترتيب الإلهي، ونركز بشدة على أهمية حفظ أجسادهم طاهرة وغير دنسة، من أجل هدف وحيد وهو الزواج. فيجب أن يتعلموا الإحساس - مثل ما نتعلمه نحن الآباء - بأن الجنس لا تتحقق جميع أبعاده إلا في زواج طاهر ومقدس بحسب الترتيب الإلهي، وعندئذ يعطي أعظم متعة.

يفرح الله عندما يختبر أي زوجين شابّين اتحادا كاملا: أولا، اتحاد الروح ثم القلب ثم النفس ثم الجسد. وعندما يرفع الرجل والمرأة النقاب عن الجنس في وقار أمام الله تعالى، وفي علاقة معه، وفي ظل الوحدة الموهوبة منه، فإن اتحادهما يمجد الله. ويتعين على كل زوجين أن يسعيا إلى هذا الوقار لأنه «هنيئًا لأنقياءِ القُلوبِ، لأنَّهُم يُشاهِدونَ اللهَ» (متى 5: 8).


هذه المقالة مقتطفة من كتاب «الجنس والله والزواج»

a couple strolls toward an orange sunset
هل لديك تعليق؟ تفضل وشارك المحادثة. 0 تعليقات
مساهمة من Johann Christoph Arnold يوهان كريستوف آرنولد

هناك الكثير من المقالات والكتب الإلكترونية المجانية بقلم يوهان كريستوف آرنولد عن الزواج المسيحي واِتِّباع المسيح والصلاة والبحث عن السلام.

تعرّف على المزيد
0 تعليقات