Morning over the bay

الخدمة التي يقدمها العزاب

بقلم يوهان كريستوف آرنولد Johann Christoph Arnold

0 تعليقات
0 تعليقات
0 تعليقات
    أرسل

فقالَ لَه تلاميذُهُ: "إذا كانَت هذِهِ حالُ الرَّجُلِ معَ المرأةِ، فخَيرٌ لَه أنْ لا يتَزوَّجَ". فأجابَهُم يَسوعُ: "لا يَقبلُ هذا الكلامَ إلاَّ الّذينَ أُعطِـيَ لهُم أن يَقبَلوهُ. ففي النّاسِ مَنْ ولَدَتْهُم أُمَّهاتُهُم عاجِزينَ عَنِ الزَّواجِ، وفيهِم مَنْ جَعلَهُمُ النّاسُ هكذا، وفيهِم مَنْ لا يَتزَوَّجونَ مِنْ أجلِ مَلكوتِ السَّماواتِ. فمَنْ قدِرَ أنْ يَقبَل فليَقبَلْ". متى 19: 10-12

إن نعمة الوحدة والوئام سواء كانت مع الآخرين أو مع الله، لا تتوقف بأية حال من الأحوال على الزواج. وفي الحقيقة فأن العهد الجديد (أي الإنجيل) يعلِّم بأنه يمكن الحصول على تكريس أعمق للسيد المسيح بالتخلي عن الزواج في سبيل ملكوت الله. وقد أعطى الرب يسوع وعدا عظيما للذين يتخلون عن كل شيء في سبيله، بما في ذلك هبة الزواج: فهو سيكون قريبا منهم بصفة خاصة عند رجوعه، مثلما يشهد الإنجيل:

ونَظَرتُ فرَأيتُ حَمَلاً على جَبَلِ صِهيونَ ومعَهُ مِئةٌ وأربَعةٌ وأربعونَ ألفًا ظَهَرَ اسمُهُ واسمُ أبيهِ مَكتوباً على جِباهِهِم، وسَمِعتُ صَوتًا مِنَ السَّماءِ  
مِثلَ هَديرِ المِياهِ الغَزيرَةِ أو دَويِّ الرَّعدِ الهائِلِ، وكأنَّما هوَ أنغامٌ يعزِفُها لاعِبونَ بِالقيثارَةِ، وهُم يُرنِّمونَ تَرنيمَةً جَديدةً أمامَ العَرشِ وأمامَ الكائناتِ الحيَّةِ الأربَعَةِ وأمامَ الشُّيوخِ، وما مِنْ أحَدٍ يَقدِرُ أنْ يتَعَلَّمَ التَّرنيمَةَ إلاَّ المِئةُ والأربعةُ والأربعونَ ألفًا المُفتَدونَ مِنَ الأرضِ. هَؤُلاءِ هُمُ الّذينَ ما تَدَنَّسوا بِالنِّساءِ، فهُم أبكارٌ. هَؤُلاءِ هُمُ الّذينَ يَتبَعونَ الحَمَلَ أينما سارَ، والّذينَ تَمَّ افتِداؤُهُم مِنْ بَينِ البَشَرِ باكورَةً للهِ والحَمَلِ. ما نَطَقَ لِسانُهُم بِالكذِبِ، ولا عَيبَ فيهِم. (رؤيا 14: 1-5).

والعزوبة سواء كانت بسبب هجران الشريك أو وفاته أو غياب فرص سانحة للزواج، فيمكن من خلالها الحصول على دعوة إلهية أعظم بكثير من الزواج، لو قَبِلَ العزاب فردانيتهم في أعماق قلوبهم. فبوسعهم تكريس حياتهم بطريقة خاصة للخدمة القلبية الكاملة في سبيل ملكوت الله.

أن تحيا الحياة بمعنى الكلمة هو أن تحيا للمسيح

ينبغي على كل رجل أو امرأة على وجه الأرض ممن يريد إتباع المسيح أن يكون قد تغيّر تغيّرا كاملا بواسطته. ويتخذ هذا التحدي معنى أعمق للعزاب – مهما كان سبب عزوبتهم – وأيضا للذين يتحملون عزوبتهم في سبيل المسيح. وسيحصل شخص كهذا على علاقة متميزة مع الرب.

إن الحياة التي يعيشها الإنسان في سبيل المسيح هي حياة بمعناها الكامل،

لا يَجيءُ السّارِقُ إلاَّ ليَسرِقَ ويَقتُلَ ويَهدِمَ. أمَّا أنا فجِئْتُ لِتكونَ لهُمُ الحياةُ، بل مِلءُ الحياةِ. (يوحنا 10: 10).

ويجب علينا نحن المسيحيين أن لا ننسى ذلك أبدا؛ فهي أسمى دعوة إلهية لنا. فإذا كنا نحب المسيح العريس حقا من كل قلوبنا، فسوف ننغمر فيه تماما كما ننغمر في مياه المعمودية. وإذا كنا نحيا في المسيح، فإن محبتنا له سوف ترشد محبتنا الشريفة لإخوتنا وأخواتنا المسيحيين ولجميع الذين حولنا.

إن قصة فرنسيس الأسيزي Francis of Assisi وصداقته مع الأخت كلير Clare تبيّن بشكل رائع أهمية وعظمة المحبة الأخوية في المسيح – حتى لو لم تؤدِ الى زواج. وعندما هجره جميع الإخوة والأصدقاء، التجأ الى كلير. وفيها وجد الصديق الذي أمكنه الاعتماد عليه. وظلت كلير على وفائها له حتى بعد وفاته، واستمرَّت تحمل رسالته، برغم ما لقيته من معارضة. نرى هنا علاقة لا شأن لها بالزواج، لكنها ظلت حميمة بصدق – وهي علاقة صداقة ذات عفاف حقيقي ووحدة حقيقية في الله.

وسوف يبقى هناك رجال ونساء مثل كلير وفرنسيس اللذين بقيا بلا زواج في سبيل المسيح. ومع ذلك، علينا أن ندرك أن العطية الخاصة بعلاقة مثل هذه لا توهب للجميع:

وَإِنَّمَا الآنَ أَقُولُ هَذَا عَلَى سَبِيلِ النُّصْحِ لاَ الأَمْرِ؛ فَأَنَا أَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ النَّاسِ مِثْلِي. غَيْرَ أَنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَوْهِبَةً خَاصَّةً بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ: فَبَعْضُهُمْ عَلَى الْحَالِ وَبَعْضُهُمْ عَلَى تِلْكَ. (1 كورنثوس 7: 6-7).

لكن لا يختلف معظم الناس العزاب عن غيرهم من المتزوجين في مسألة الصراع الروحي من أجل العفاف. ذلك أن العزوبة ليست ضمانا ضد النجاسة الجنسية – لأن العفاف يتطلب يقظة مستمرة في كل قلب، ويتطلب معركة روحية يومية ضد الجسد، وموقفا حازما بوجه الخطيئة.

يسوع قادر على مَلءِ كل فراغ إذا سمحنا له بذلك

لم تعِدنا الكتب المقدسة مطلقا بأن تجارب إبليس ستزول عنا. لكن لدينا فعلا تأكيد في الإنجيل على أنه ليس من الضروري أن يكون لها القابلية على التغلب علينا:

ما أصابَتكُم تَجرِبَةٌ فوقَ طاقةِ الإنسانِ، لأنَّ اللهَ صادِقٌ فلا يُكَلِّفُكُم مِنَ التَّجارِبِ غَيرَ ما تَقدِرونَ علَيهِ، بَلْ يهَبُكُم معَ التَّجرِبَةِ وَسيلَةَ النَّجاةِ مِنها والقُدرَةَ على احتِمالِها. (1 كورنثوس 10: 13).

فلو ثبتنا بصبر وأمانة فسوف يعيننا الله. ولا نقصد هنا بأنه يمكننا حفظ أنفسنا بعفاف بفضل مجهودنا البشري. لأنه لا يمكننا الحصول على التحرّر والنصرة إلا بفضل قوة الروح القدس، ومن خلال مساعدة الأصدقاء الغيورين ومساعدة أفراد الأسرة.

يا إخوَتي، إنْ وقَعَ أحَدُكُم في خَطأٍ، فأقيموهُ أنتُمُ الرُّوحيِّينَ بِرُوحِ الوَداعَةِ. وانتَبِهْ لِنَفسِكَ لِئَلاَّ تَتَعَرَّضَ أنتَ أيضًا لِلتَّجرِبَةِ. ساعِدوا بَعضُكُم بَعضًا في حَملِ أثقالِكُم، وبِهذا تُتمِّمونَ العمَلَ بِشريعَةِ المَسيحِ. (غلاطية 6: 1-2).

أما الذين لا يجدون شريكا للزواج، وفي الوقت نفسه لا يحسون بأية دعوة إلهية خاصة للبقاء في عزوبة من أجل المسيح، فهناك خطر وقوعهم في فخ مرارة الاستياء والاغتياظ. فلو بقي الحنين الشديد للزواج بلا تحقيق، ولاسيما لوقت طويل، فيمكن أن يقسّي القلب. عندئذ ليس هناك غير نعمة الله القادرة على حماية النفس وتمكِّنها من مواصلة مسيرتها بفرح بالتخلي عن الزواج والحصول على سلام الروح في آن واحد.

سنثيا Cynthia وهي امرأة عازبة في عمر الأربعينيات، تقدم لنا رؤيتها عن كيفية تجنب حياة الفراغ والحصول على سعادة دائمة:

"يا ترى هل سأظل بتولا الى نهاية عمري؟" فالكثير منا يجب أن يواجه هذه الحقيقة، لكن لماذا؟ - لأننا أخترنا أن نكرس حياتنا لله أولا. فالله يحتاج الى أدوات ليست مقيدة بأسرة لكي تخدمه. لكن هل يعني هذا سعادة أقل، أو توقفا عن النمو أو انسحابا من الاتصال الكامل بالحياة؟ كلا، فهذا لا يحصل إذا كان الفرد قادرا على احتضان خطة الله لحياته بدلا من أن يثور عليها. وفي الحقيقة، فإن حياة من الخدمة المتفانية تنتظر أولئك الذين يضحون أو يرفضون الزواج ليرهنوا حياتهم لله ويبقوها تحت تصرفه كليا.

لنتأمل حياة بعض العزاب أمثال الكاتبة إيمي كارمايكل Amy Carmichael التي سافرت الى الهند كمُرسلة شابة، ولم تعرف أي نوع من الخدمة التي كان الله يريد منها. وسرعان ما صار لها ميتم يتزايد عدده، وقوامه كان من الأطفال الذين تم انقاذهم من عبودية حقيقية ومن براثن كهنة المعابد الهندوسية. أو لنتأمل الأم تيريزا التي أسست نظام رهبنة للأخوات لرعاية أفقر الفقراء في كلكتا في الهند. وقد انتشرت رهبنتها في كافة أنحاء العالم. أو لنتأمل الرسول بولس وغيره من الرسل الذين عاشوا حياة العزوبة، فقد كانت لديهم إمكانية السفر المتواصل لنشر بشرى الإنجيل.
بطبيعة الحال، أنت لست بحاجة إلى أن تصبح مرسل أو راهب أو رسول للحصول على السعادة في حياة العزوبة. فأنا شخصيا، كان من الممكن أن أشعر بمرارة الاستياء وخيبة الأمل لأني لم أتزوج، لكن بدلا من ذلك وجدت فرصا وفيرة لخدمة الآخرين على الصعيد اليومي وأينما كنت.

فأنا أزور نزلاء السجن المحلي كل أسبوع تقريبا. وفي زيارتي الأخيرة وجدت النساء متحمسات لقراءة وتأمل الكتاب المقدس، فقرأنا قصة السامري الصالح وتحدثنا عن تطبيقاتها اليومية. وبعد مناقشة عمن تقدر أو لا تقدر أن ترنم، اشتركنا جميعنا في ترنيم الترانيم الروحية لزنوج أمريكا والتراتيل الكنسية مثل "الرب الغالي Precious Lord" و "النعمة المدهشة Amazing Grace".

ولا داعي إلى أن أذكر أنه ليس كل مساء كان مُرضيّا بهذه الطريقة. فالشعور بالوحدانية يمكن الإحساس به كواقع ملموس في حياة أي شخص عازب. وقد يقع من جرائها في فخ الإشفاق الكئيب على الذات، لكنه مثل أية تجربة أخرى من تجارب إبليس، حيث يمكننا رفضها. وتنصحنا الكاتبة المسيحية اليزابيث اليوت Elisabeth Elliot في كتابها "العاطفة والعفاف Passion and Purity"، فتقول: "اِقبلي وحدانيتكِ. فهي مرحلة واحدة، وما هي سوى مرحلة واحدة على طريق الرحلة التي تحضرك الى الله. وهي لا تدوم دائما. قدمي وحدتك كقربان إلى الله، مثلما قدم الصبي الصغير الأرغفة الخمسة والسمكتين إلى يسوع. لأن الله قادر على تحويلها الى ما هو صالح للآخرين. وأهم من كل شيء، افعلي أي شيء لغيرك!"

وهنا نجد الحل لهذه المشكلة: وهو الخدمة المقدمة الى الآخرين. فالخدمة مهما كان نوعها يمكنها أن تؤدي الى حياة سعيدة يرتاح لها الضمير سواء كانت تعليما أو تمريضا أو تقديم النصح والمشورة أو زيارة المسجونين. وهناك فيض كبير من المتألمين في العالم في حاجة ماسة الى لمسة إضافية من أعمال المحبة، ونحن العزاب أحرار بطريقة فريدة لتولّي مهمة خدمتهم.

أن عملية نكران الأمنيات الشخصية ليست سهلة أبدا، وأحيانا تلقي عبئا ثقيلا للغاية على الشخص. لكن عندما يتنازل العزاب عن أمنياتهم وأحلامهم كليا في سبيل الله، فسوف يملأ الرب يسوع الفراغ الذي قد يشكل عبئا عليهم. لأنهم سوف يتذكرون كيف اختتم يسوع المسيح حياته على الصليب وسوف يجدون عندئذ سرورا في تحمل العزوبة كقربان له. أما الذين يستمرون في اشتياقهم الى الزواج، بالرغم من أن الله لم يهبه لهم، فلا يمكنهم الحصول على هذا السرور أبدا. إن الزواج نعمة عظيمة، لكن الانتماء كليا للمسيح وبقلوب غير منقسمة هي نعمة أعظم.

في نهاية المطاف، علينا أجمعين أن نكون على أهبة الاستعداد ليستعملنا الله كيفما يشاء وأن يكون لنا قناعة ورضا في كل حال نكون فيها، كما يعلمنا الإنجيل:

ولا أقولُ هذا عَنْ حاجَةٍ، لأنِّي تَعَلَّمتُ أنْ أقنَعَ بِما أنا علَيهِ. فأنا أَعرِفُ أنْ أعيشَ في الضِّيقَةِ، كما أعرِفُ أنْ أعيشَ في السَّعةِ، وفي جميعِ الظُّروفِ اختَبَرتُ الشَّبَعَ والجوعَ، والفَرَجَ والضِّيقَ، وأنا قادِرٌ على تَحمُّلِ كُلِّ شيءٍ بِالّذي يُقوِّيني. (فيليبي 4: 11-13).

يجب أن لا نظنّ أبدا أن الله لا يحبنا. فمثل هذا الظنّ هو من الشيطان.

مما لاشك فيه، أنه بغض النظر عن مقدار التكريس الذي يقدمه العازب، فهو (أو هي) سوف يظل يختبر لحظات وأيام بل حتى أسابيع من الحزن والصراع الروحي. لأن إدراك الشخص بأن كل من الزواج والأولاد صاروا بعيدي المنال يجلب معه دائما غصة الشوق وطابعا من الشعور بالخسارة. لكن بدلا من المكوث في هذه المشاعر، فمن الأفضل (حتى لو كان أصعب) التطلع الى الله والالتفات الى الإخوة والأخوات في الكنيسة. يكتب بونهوفر Bonhoeffer (وهو القسيس الألماني المعروف الذي سجنه هتلر في الثلاثينيات من القرن الماضي) فيقول:

إن الألم هو ملاك مقدس، وهو يرينا الكنوز التي لولاه لظلت مدفونة الى الأبد؛ فبفضله أصبح كثير من الرجال والنساء أعظم مما لو كانوا قد مرّوا بكل أفراح العالم. فلابد أن يكون الأمر هكذا، وهذا ما أُذكِّر به نفسي باستمرار ولاسيما وأنا في ظروفي الحالية. فمن الضروري أن يبقى ألم المعاناة وألم الحنين موجودين اللذين يمكن الإحساس بهما غالبا حتى جسديا، ولا يمكننا بل ولسنا في حاجة الى تلطيفه بالكلام. لكننا نحتاج الى أن ننتصر عليه في كل مرة، وبالتالي فهناك حتى ملاك أكثر قداسة من ملاك الألم؛ ألا وهو ملاك البهجة بالله.

يمكن تقبّل العزوبة إما كعبء أو كدعوة سامية

ينبغي على العازبين والعازبات أن لا يقعوا في فخ القطيعة مع الناس وإبعاد أنفسهم عن الحياة وعن محبة الناس بسبب مرارة الاستياء. وعليهم أن لا يخنقوا أطيب الخصال في نفوسهم، ولا يستسلموا للأحلام أو الشهوات التي لا يمكن إشباعها. ويجب عليهم أن لا يدعوا الأوهام والتخيّلات التي تدور حول الذات أن تعيق كل ما وهبه الله لهم من أن يزهر في حياتهم. فلو أمكنهم أن يقبلوا عزوبتهم كنعمة إلهية أو كدعوة إلهية متميزة، لما سمحوا لأي قدر من طاقتهم أو محبتهم أن يضيع سدى من دون أن يستعملوه. فستشبع أشواقهم بالعطاء: وبسيول المحبة التي تجري بعيدا عن ذواتهم، وباتجاه السيد المسيح والكنيسة. كما يقول الرسول بولس:

غَيرُ المُتَزوِّجِ يَهتمُّ بأمورِ الرَّبِّ وكيفَ يُرضي الرَّبَّ، والمُتَزَوِّجُ يَهتَمُّ بأمورِ العالَمِ وكيفَ يُرضي امرأتَهُ، فهوَ مُنقَسِمٌ. وكذلِكَ العَذراءُ والمرأةُ الّتي لا زَوجَ لها تَهتَمّانِ بأُمورِ الرَّبِّ وكيفَ تَنالانِ القَداسَةَ جسَدًا ورُوحًا، وأمَّا المُتَزوِّجةُ فتَهتَمُّ بأُمورِ العالَمِ وكيفَ تُرضي زَوجَها. أقولُ هذا لِخَيرِكُم، لا لأُلقيَ علَيكُم قَيدًا، بَلْ لِتَعمَلوا ما هوَ لائِقٌ وتَخدُموا الرَّبَّ مِنْ دونِ ارتِباكٍ. (1 كورنثوس 7: 32-35).

وفي الرسالة نفسها وفي آية سابقة، يشير الرسول بولس الى بركة أخرى للعزوبة: وهي التحرر من الرعاية والقلق على الزوج أو الزوجة والأطفال، خصوصا في أوقات الضيق. فيقول:

وإذا تَزَوَّجْتَ فأنتَ لا تُخطِئُ، ولكِنَّ الّذينَ يَتَزوَّجونَ يَجدِونَ مَشقَّةً في هُمومِ الحياةِ، وأنا أُريدُ أن أُبعِدَها عَنكُم (1 كورنثوس 7: 28).

والأرامل شأنهن في ذلك شأن غير المتزوجات، فإنهن قادرات أيضا على خدمة الكنيسة والمحتاجين في أحيان لا يسع للمتزوجة فعلها. ويقول بولس الرسول:

أمَّا الأرمَلَةُ حَقّاً، وهِيَ الّتي لا مُعيلَ لها، فرَجاؤها على اللهِ، تُصَلِّي وتَتضَرَّعُ إلَيهِ ليلاً ونهارًا. (1 تيموثاوس 5: 5).

وفي الكنيسة الأولية في أورشليم، عُينت الأرامل لخدمة الفقراء أو عهدت إليهن بمسؤوليات أخرى، مثلما هو مدون في أحد كتابات المسيحيين الأوائل:

ينبغي على المشرف حتى في أصغر مجتمع من مجتمعات الكنيسة أن يكون رفيقا للفقراء، ولابد أن يكون هناك أرملة واحدة على الأقل لتتحمل مسؤولية التأكُّد – ليلا ونهارا – من أنه لا يوجد شخص مريض أو محتاج قد تمّ إهماله.

لكن يا له من أمر محزن عندما نرى اليوم أن الأرامل والعزاب من رجال ونساء، هم في حد ذاتهم مهمَلين ووحيدين في أكثر الأوقات! ولعل الكنيسة تكون دائما على استعداد لتلبية حاجات مثل هؤلاء الناس:

فإذا تألَّمَ عُضوٌ تألَّمَت معَهُ جميعُ الأعضاءِ، وإذا أُكرِمَ عُضوٌ فَرِحَتْ معَهُ سائِرُ الأعضاءِ. (1 كورنثوس 12: 26).

ويجب علينا الآن لاسيما في ظل انهيار الأسرة وتفككها أن نجد وسائلا جديدة لكي نظهر للعزاب والأرامل في مجتمع الكنيسة محبة وعناية إضافية وأن نفتح أبواب أسرنا لكي تحتضنهم وتضمّهم إليها لكي لا يبقون وحيدين بدون أسرة ينتمون إليها، بالإضافة إلى ضرورة جعلهم ينخرطون في فعاليات الأسرة والكنيسة بشكل فعال ومؤثر. ولا يعني هذا الضغط عليهم لإيجاد شريك حياة، ثم نرثي لهم إذا لم يجدوه – فهذا لن يؤدي إلا الى زيادة آلامهم. لكن اظهار المحبة لهم يعني الترحيب بمواهبهم وخدماتهم في مجتمع الكنيسة، وتسليمهم مهام مفيدة، وشدّ عزائمهم الى الحياة الروحية للكنيسة لكي يحسوا بسعادة الروح.

كلنا مدعوون إلى المحبة مهما كانت أحوالنا الشخصية

ينبغي علينا نحن المتزوجين أن ندرك أن سعادتنا هي نعمة إلهية مجانية التي يجب أن نقاسم الآخرين بها. لذلك علينا أن نتشوّق إلى إبداء المحبة لمن يصارع مع مشاعر الوحدة والعزلة. وأهم من كل شيء هو أنه ينبغي علينا أجمعين، سواء كنا متزوجين أو عزاب، أن نتذكّر أن فرح روحنا الحقيقي ورضا النفس نحصل عليهما عن طريق خدمة بعضنا لبعض بروحية المؤازرة والتآخي والمجتمع الأخوي. فنحن مدعوون الى محبة تعطي بلا قيد أو شرط - وليس الى محبة بخيلة يتصف بها زواج مريح، ولا الى محبة منغمسة بالإشفاق على الذّات التي يعزل الإنسان فيها نفسه عن الآخرين.

ونحن كمسيحيين، نعلم أن المحبة الحقيقية في أكمل صورها وُجِدت في يسوع. وكثيرون منا تأثروا بالسيد المسيح أو دعاهم أو سخرهم. لكن هذا لا يكفي. فعلى كل فرد منا التضرع لله لاختبار المسيح شخصيا - وفي أعماق قلوبنا. وعلينا أن نضعه نصب أعيننا، وننظر إليه وحده، لكي نتمكن من رؤيته على حقيقته، ولكي لا يأخذنا الإعياء وتهبط عزيمتنا ومعنوياتنا:

ناظِرينَ إلى رَأسِ إيمانِنا ومُكَمِّلِهِ، يَسوعَ الّذي تَحَمَّلَ الصَّليبَ مُستَخِفّاً بِالعارِ، مِنْ أجلِ الفَرَحِ الّذي يَنتَظِرُهُ، فجَلَسَ عنْ يَمينِ عَرشِ اللهِ. فكِّروا في هذا الّذي احتَمَلَ مِنَ الخاطِئينَ مِثلَ هذِهِ العَداوَةِ لِئَلاَّ تَيأَسوا وتَضعُفَ نُفوسُكُم. (عبرانيين 12: 2-3).

إن الحياة أمدها قصير على الأرض، كما يحذرنا الرسول بولس من أن العالم في هيئته الحاضرة زائل:

أقولُ لكُم، أيُّها الإخوةُ، إنَّ الزَّمانَ يَقصُرُ. فلْيكُنِ الّذينَ لهُم نِساءٌ كأنَّ لا نِساءَ لهُم، والّذينَ يَبكونَ كأنَّهُم لا يَبكونَ، والّذينَ يَفرَحونَ كأنَّهُم لا يَفرَحونَ، والّذينَ يَشتَرونَ كأنَّهُم لا يَملِكونَ، والّذينَ يَتعاطَوْنَ أُمورَ هذا العالَمِ كأنَّهُم لا يَتعاطَوْنَ، لأنَّ صورَةَ هذا العالَمِ في زَوالٍ. (1 كورنثوس 7: 29-31).

فالذي نحن في أمس الحاجة إليه في وقتنا هذا هو السيد المسيح، ولكن ليس كمجرد مرشد أو صورة أمام أعيننا. فيجب علينا أن نجعل منه قوة حيّة في حياتنا اليومية. فقد قال:

جِئْتُ لأُلْقِيَ نَاراً عَلَى الأَرْضِ، وَكمْ أتمنَّى أنّ تَكونَ إشتَعلتْ! (لوقا 12: 49).

فأين هو المكان الذي يتجلّى فيه المسيح على حقيقته بأوضح تجلٍ، كما كان وكما سيبقى؟ فيجب علينا البحث عنه مع إخوتنا وأخواتنا المسيحيين. ويجب علينا أن نتضرع لكي يتجلّى المسيح في وسطنا اليوم وكل يوم. بالإضافة إلى أنه يجب علينا أن نصلي من أجل الجُرأة للشهادة عنه أمام الآخرين كما هو على حقيقته، الذي فيه رقة ووداعة وتواضع، لكن أيضا حقّ ووضوح وعدم مساومة. يجب علينا أن لا نضيف أو نحذف أي شيء. ذلك هو جوهر فضيلة القلب الموحد (غير المجزأ) وجوهر الخدمة التي يقدمها العزاب.

هذا المقال من كتاب "الجنس والله والزواج"

closeup of white rose
هل لديك تعليق؟ تفضل وشارك المحادثة. 0 تعليقات
0 تعليقات