Morning over the bay

لا يَحسُنُ أنْ يكونَ آدمُ وحدَهُ

نعمة الزواج المقدسة

بقلم يوهان كريستوف آرنولد Johann Christoph Arnold

1 تعليقات
1 تعليقات
1 تعليقات
    أرسل
  • toufik 04

    موضوع جيد شكرا

وقالَ الرّبُّ الإلهُ: "لا يَحسُنُ أنْ يكونَ آدمُ وحدَهُ، فأَصنعُ لَه مَثيلاً يُعينُه"... فأوقَعَ الرّبُّ الإلهُ آدمَ في نَومِ عميقٍ، وفيما هوَ نائِمٌ أخذَ إحدى أضلاعِهِ وسَدَ مكانَها بِلَحْمِ. وبنى الرّبُّ الإلهُ اَمْرأةً مِنَ الضِّلعِ التي أخذَها مِنْ آدمَ، فجاءَ بِها إلى آدمَ. فقالَ آدمُ: "هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظامي ولَحمٌ مِنْ لَحمي هذِهِ تُسَمَّى اَمرأةً فهيَ مِنْ اَمرِئٍ أُخذَت". تكوين 2: 18 وَ 21 - 23

ليس هناك أصعب من تحمُّل الوحدة. لقد قيل أن المساجين المسجونين في حبس انفرادي يفرحون عند مشاهدتهم للعنكبوت، فقد رأوا على الأقل "شيئا" ينتمي الى عالم الأحياء. لقد خلقنا الله لنكون كائنات اجتماعية متقاسمة. في حين نرى عالمنا المعاصر مجردا من العلاقات تجريدا فظيعا. فقد عمل التقدم التكنولوجي على إفساد المجتمع وتدهوره في مجالات متعددة من الحياة. وجعل الناس يبدون غير ضروريين شيئا فشيئا.

وبينما أصبح كبار السن يوضعون في أماكن منعزلة أو بيوت للعناية الشخصية، وبينما اُستُبدِل عمال المصانع بالإنسان الآلي، وبينما صار الشباب من الجنسين يبحثون عاما بعد عام عن عمل هادف وله معنى وقع الناس ضحية اليأس وخيبة الأمل من جراء ذلك. وأخذ بعضهم يعتمد على مساعدة أخصائيّ العلاج الطبيعي أو الأطباء النفسانيين، في حين أخذ آخرون يبحثون عن سبيل للهروب من الواقع المرير كالإدمان على الكحول أو المخدرات أو الانتحار. وبسبب القطيعة مع الله ومع الآخرين، يعيش الآلاف من الناس في يأس صامت غير منظور ويرزحون في بيوتهم تحت وطأة الفشل.

إن العيش بعزلة عن الآخرين، يقتل هذه الوحدة وهذا الوئام ويؤدي الى اليأس. ويكتب الراهب الأمريكي توماس مرتون Thomas Merton (وهو من أشهر الكتّاب الكاثوليكيين في القرن العشرين) فيقول:

إنّ اليأس هو أقصى التطرف لمحبة الإنسان لذاته. ويحدث هذا عندما يدير المرء ظهره عمدا لكل المساعدات التي تقدم له رغبة منه في تذوق قمة عفونة الضياع...

فاليأس هو ذروة استفحال الكبرياء لدى الإنسان، بدرجة بالغة ومتعنِّتة بحيث أنه يفضّل اِختيار البؤس الكامل من جراء الغضب وخيبة الأمل على قبول السعادة من يدي الله، لأن هذا القبول يعني الإقرار بأن الله هو فوق الجميع وليس في مقدورنا أن نقرر مصيرنا بأنفسنا (بل بعونه فقط). غير أن الإنسان المتواضع بحقّ لا ييأس، لأن الإنسان المتواضع لم يعد فيه مكان لرثاء الذات والشفقة على النفس. 3

نرى هنا أن الكبرياء لعنة تؤدي الى الموت. أما التواضع فيؤدي الى المحبة. والمحبة هي النعمة العظمى الموهوبة للبشر؛ إنها دعوتنا الإلهية الحقيقية. إنها بمثابة قول "نعم" للحياة، و "نعم" للمجتمع المسيحي الأخوي الكليّ المشاركة. ثم إن المحبة وحدها هي الكفيلة بتحقيق اشتياق إنساننا الداخلي.

 

خلقنا الله لنعيش مع الآخرين

ومن أجل الآخرين

لقد غرس الله في كل منا شوقا غريزيا يشتاق الى تحقيق شبه مقارب له، فقد غرس فينا شوقا يحثنا على المحبة وعلى المجتمع الحقيقي وعلى الوحدة. ويشير يسوع المسيح في صلاته الأخيرة الى أهمية هذا الشوق:

"إجعَلْهُم كُلَّهُم واحدًا ليَكونوا واحدًا فينا، أيُّها الآبُ مِثلَما أنتَ فيَّ وأنا فيكَ، فيُؤمِنَ العالَمُ أنَّكَ أرسَلْتَني". (يوحنا 17: 21).

لا أحد يمكنه أن يحيا حياة حقيقية بدون محبة: وهذا ما يريده الله لكل فرد بأن يلعب دور الله "المحب" للآخرين. فكل شخص مدعو ليحب وليساعد الذين من حوله نيابة عن الله:

وقالَ قايينُ لِهابيلَ أخيهِ: "هيَّا لِنَخرُج إلى الحقلِ". وبَينَما هُما في الحقلِ هجمَ قايينُ على هابيلَ أخيهِ فقَتَلَهُ. فقالَ الرّبُّ لِقايينَ: "أينَ هابيلُ أخوكَ؟" قالَ: "لا أعرِفُ. أحارِسٌ أنا لأخي؟" فقالَ لهُ الرّبُّ: "ماذا فَعَلْتَ؟ دَمُ أخيكَ يصرُخ إليَ مِنَ الأرضِ". (تكوين 4: 8-10).

إن الله يريد منا إقامة علاقات قلبية منفتحة بعضنا مع بعض، ومساعدة بعضنا لبعض بدافع المحبة. ولا يوجد طبعا أي شك في أننا لو أحسسنا بما ينبض في قلوب إخواننا ��و أخواتنا في مجتمع كنيستنا لأمكننا عندئذ مساعدتهم، لأن "المساعدة" التي نقدمها موهوبة من قبل الله نفسه. كما يقول القديس يوحنا الرسول، "نَحنُ نَعرِفُ أنَّنا انتَقَلنا مِنَ الموتِ إلى الحياةِ لأنَّنا نُحِبُّ إخوَتَنا. مَنْ لا يُحِبُّ بَقِيَ في الموتِ" (1 يوحنا 3: 14). فحياتنا لا تكتمل إلا عندما تتوهج فيها المحبة وتصبح مجرَّبة ومثمرة.

يخبرنا يسوع بأن أعظم وصيتين هما أن نحب الله بكل قلبنا ونفسنا وقوتنا، وأن نحب القريب مثل نفسنا (معنى القريب أخونا الإنسان). ولا يجوز فصل هاتين الوصيتين إحداهما عن الأخرى: فلابد لمحبتنا لله أن تعني دائما محبتنا للقريب. فلا يمكننا إقامة علاقة مع الله إن كنا نتجاهل الآخرين،

فعلَينا أن نُحِبَّ لأنَّ اللهَ أحَبَّنا أوَّلاً. إذا قالَ أحدٌ: "أنا أُحِبُّ اللهَ" وهوَ يكرَهُ أخاهُ كانَ كاذِبًا لأنَّ الّذي لا يُحِبُّ أخاهُ وهوَ يَراهُ، لا يَقدِرُ أنْ يُحِبَّ اللهَ وهوَ لا يَراهُ. وَصِيَّةُ المَسيحِ لنا هِيَ: مَنْ أحَبَّ اللهَ أحَبَّ أخاهُ أيضًا (1 يوحنا 4: 19-21).

فطريقنا الى الله عليه أن يكون عن طريق إخوتنا وأخواتنا البشر، أما في الزواج فيكون عن طريق شريك الحياة.

إذا امتلأنا من محبة الله فسوف لا نكون وحيدين لمدة طويلة أبدا أو منطويين على نفسنا، فسنجد دائما شخصا نقدم له أعمال المحبة والخدمة. وسيكون الله وأخونا الإنسان دائما موجودين قريبين منا. وكل ما علينا القيام به هو البحث عنهما. لقد جاءني منذ مدة قريبة أحد الشباب من مجتمعنا المسيحي ليشاركني بفرحته التي اكتشفها حديثا وهي مساعدة الآخرين. كان شان Sean يعيش في مدينة بولتيمور الأمريكية ويعمل كمتطوع لبناء المنازل للمحرومين الذين يفتقرون الى المأوى. وكان يظن أن عمله هذا يكفي لشفاء غليله. ولكنه عندما كان يعود الى بيته في نهاية النهار، لم يكن يعرف ماذا يفعل، فيقول:

وجدت روحي تضعف وتفرغ عند قضاء وقتي أمام شاشة التلفزيون. وسرعان ما أخذت بهجة الحياة التي في داخلي تتلاشى. وقد أخبرني أحد الاشخاص وقتذاك عن وجود برنامج مسائي للمساعدة في تدريس الأطفال المشردين في المدينة، فقد كانوا يفتشون تفتيشا يائسا عن متطوعين. لذلك قررت تجريب هذا العمل. وهاءنذا الآن أقدم المساعدة في هذا المجال في كل مساء. ولا أصدق كيف قد تغيرت نظرتي للحياة كليا. فلم اكن أعلم سابقا على الإطلاق كم كان يترتب عليّ تقديم أعمال المحبة والخدمة إلى هؤلاء الأطفال.

عندما نعاني من الشعور بالوحشة أو العزلة، فالسبب يرجع على الأغلب الى أننا شخصيا لا نريد أن نحب الآخرين بل نريد أن يحبنا الآخرين. إن السعادة الحقيقية تأتي من خلال إبداء المحبة للآخرين. فالشيء الذي يلزمنا هو أن نسعى الى مجتمع من المحبة مع أخينا الإنسان باستمرار أي بمعنى إقامة علاقات أخوية قلبية معه، ويجب على كل منا ان يصير معينا كأخ أو كأخت في سعينا هذا. فلنسأل الله تعالى ليفتح قلوبنا المغلقة على هذه المحبة، عالمين أننا لا نقدر على الحصول عليها إلا في اتضاع الصليب.

 

يمكن لكل شخص أن يكون أداة

لمحبة الله

في قصة خلق آدم وحواء، يتضح بجلاء أن الرجل والمرأة قد خُلقا لكي يعين ويسند ويكمل أحدهما الآخر. وحتما كانت فرحة الله كبيرة وهو يحضر المرأة الى الرجل، والرجل الى المرأة! ولكوننا جميعنا مخلوقين على صورة الله وشبهه، فينبغي لنا لقاء الآخرين بالفرح والمحبة سواء كنا متزوجين أو عزاب.

فبإحضار حواء الى آدم أظهر الله لجميع البشر دعوتهم الحقيقية؛ وهي أن يكونوا مساعدين يكشفون محبة الله للعالم. وبتقديم ابنه الحبيب لنا، يسوع، فإن الله الآب يبين لنا أنه لن يتركنا وحيدين أو بدون عون. فقد قال يسوع بنفسه، "لن أترُكَكُم يتامى، بل أرجِـعُ إلَيكُم" (يوحنا 14: 18). ثم إن السيد المسيح يوعدنا قائلا أنّ "مَنْ قَبِلَ وصاياي وعَمِلَ بِها أحَبَّني. ومَنْ أحَبَّني أحَبَّهُ أبـي، وأنا أُحِبُّهُ وأُظهِرُ لَه ذاتي" (يوحنا 14: 21).

فمن يفهم عمق هذه الكلمات، وعظمة الأمل الذي تقدمه إلى عالمنا المضطرب؟ وعسى أن يتأكد كل من هو وحيد ومن فقد عزيمته ومن خاب أمله أن الله لن يتخلى عنهم أبدا. ولن يكونوا وحيدين أبدا حتى لو لم يتمكوا من إيجاد أية صداقة بشرية. فإذا لم يتخلوا عن الله، فلا يتخلى الله عنهم أبدا.

لقد جمع الله آدم وحواء ليشفيهما من العزلة وليحررهما من الانفرادية، وهذا ما يريده الله كذلك لكل رجل وامرأة يجمعهما في الزواج. غير أن الزواج في حد ذاته لا يقدر أن يخلق الالتئام والوئام. فما لم نثبت في المسيح لن نأتي بأي ثمر. فعندما نحب المسيح، الذي هو وحده سندنا ورجاؤنا وحياتنا، سوف نطمئن بأن أحدنا سيتعرف على الآخر وسيحبه. أما إذا عزلنا أنفسنا داخليا وروحيا عن المسيح فلا يسير أي شيء سيرة حسنة. فهو الوحيد الذي يوحِّد ويجمِّع كل شيء، وهو الذي يفتح لنا الأبواب على مصراعيها لنلتقي مع الله ومع الآخرين، ثلما يشهد عنه الإنجيل:

كانَ قَبلَ كُلِّ شيءٍ وفيهِ يَتكوَّنُ كُلُّ شيءٍ. هوَ رأسُ الجَسَدِ، أي رأْسُ الكَنيسَةِ، وهوَ البَدءُ وبِكرُ مَنْ قامَ مِنْ بَينِ الأمواتِ لِتكونَ لَه الأوَّلِيَّةُ في كُلِّ شيءٍ، لأنَّ اللهَ شاءَ أنْ يَحِلَّ فيهِ الملءُ كُلُّهُ وأنْ يُصالِحَ بِه كُلَّ شيءٍ في الأرضِ كما في السَّماواتِ، فبِدَمِهِ على الصَّليبِ حُقِّقَ السَّلامُ (كولوسي 1: 17-20).

 

الله منبع الحب الحقيقي وهدفه

إن الزواج هو ليس أسمى هدف للحياة التي نعيشها، وإنما محبة الله هي الأسمى لكل من العزاب والمتزوجين. فعندما يكون صدرنا متأجّج بمحبة الله ووصاياه أولا ثم ومن بعدها تأتي محبة الإخوة والأخوات في مجتمع الكنيسة فسنعكس عندئذ صورة الله انعكاسا أكثر بهاء ولمعانا وكمالا. أما في الزواج المسيحي الحقيقي، فيعمل الزوج على توجيه زوجته وأولاده الى الله وليس الى نفسه. وبالطريقة نفسها ستدعم الزوجة زوجها كمعينة له، فيوجّهان معا أولادهما الى توقيرهما هما الاثنان كأب وكأم، ويقودانهم معا الى محبة الله باعتباره خالقهم.

أن يكون الشريك معينا لشريكه الآخر نيابة عن الله، هو ليس مجرد التزام بل أيضا نعمة. فيا للاختلاف الذي سنلمسه في علاقاتنا لو أعدنا اكتشاف هذه النقطة! نحن نعيش في وقت يسيطر عليه الخوف وعدم الثقة أينما ذهبنا. فأين هي المحبة، تلك المحبة التي تبني المجتمع المسيحي والكنيسة؟

هناك نوعان من المحبة: الأول، محبة تتسم بنكران الذات وتتجه بشكل غير أناني نحو الآخرين وخيرهم، والثاني، محبة تملكية ومقتصرة على محبة الذات. يقول القديس أوغسطينوس Augustine (أحد آباء الكنيسة البارزين 354 – 430 م):

"المحبة هي كيان روح الإنسان، وهي يد روحه أيضا، فعندما تمسك روحه بشيء ما لا يمكنها أن تمسك بشيء آخر، فلو أرادت مسك شيئا يعطى لها فعليها أن تضع جانبا ما تمسك به". 4

إن محبة الله لا تبتغي شيئا لنفسها، فهي تعطي ذاتها وتبذل نفسها لأن في ذلك سرورها.

والمحبة تتأصّل دائما في الله. فعسى الله أن ينعم علينا بقوة محبته لتملك علينا من جديد. فهي ستقودنا الى الآخرين لنشاركهم حياتنا في السراء والضراء. بل وأكثر من ذلك، ستقودنا الى ملكوت الله. فالمحبة هي سرّ ملكوت الله الآتي.

 

هذا المقال مقتطف من كتاب "الجنس والله والزواج"

a couple strolls toward an orange sunset
هل لديك تعليق؟ تفضل وشارك المحادثة. 1 تعليقات
1 تعليقات