Morning over the bay

ماذا عن الطلاق والزواج الثاني؟

بقلم

1 تعليقات
1 تعليقات
1 تعليقات
    أرسل
  • antony

    thank you for the help

مَنْ طَلَّقَ ا‏مرأتَهُ وتَزوَّجَ غَيرَها زَنى، ومَنْ تزَوَّجَ ا‏مرأةً طَلَّقَها زَوجُها زَنى. لوقا 16: 18

تُعتبر مسألة الطلاق والزواج الثاني على الأرجح من أصعب القضايا التي تواجه الكنائس المسيحية في عصرنا هذا. لقد أصبح من الصعب إيجاد ناس متزوجين يأخذون الكلام التالي على محمل الجد: "ما جمَعَهُ اللهُ لا يُفرِّقُهُ الإنسانُ" – أي بمعنى متزوجين يؤمنون بأن الزواج يعني الوفاء بين رجل واحد وامرأة واحدة، الى أن يفرّق الموت بينهما، كما يقول الرب يسوع:

فلا يكونانِ اثنينِ، بل جسَدٌ واحدٌ. وما جمَعَهُ اللهُ لا يُفرِّقُهُ الإنسانُ. (متى 19: 6).

قد يتصدّع رباط الزواج، لكن لا يمكن حلّه أبدا

يؤمن غالبية المسيحيين اليوم بأن الطلاق والزواج الثاني أمران مسموح بهما أخلاقيا وكتابيا. ويجادلون بأنه رغم أن الله يكره الطلاق، إلا أنه يسمح به من قبيل التنازل نظرا لحالتنا البشرية الخاطئة. ويفسرون ذلك بالقول: أنه بسبب قساوة قلوبنا يمكن أن يُفسَخ الزواج أو يُحَلّ. وبعبارة أخرى، أن الله يعرف ضعفنا ويقبل حقيقة أننا لا يمكننا تحقيق المثالية دائما ونحن نعيش في عالم ساقط. وأنه بفضل غفران الله يمكن للمرء دائما أن يبدأ من جديد، حتى لو كان زواجا جديدا.

لكن ماذا عن الرباط المتعهَّد به بين اثنين والمعقود أمام الله، سواء كان بمعرفة أو بغير معرفة؟ هل سبق أن عَنَى غفران الله إمكانية التنكر لهذا العهد؟ هل سبق أن سمح الله بالخيانة؟ لأنه مثلما وحدة الكنيسة أبدية ولا تتغير، فهكذا الحال مع الزواج الحقيقي، فهو يعكس هذه الوحدة ولا فكاك منه. وأنا أؤمن، مثل إيمان المسيحيين الأوائل، بأنه طالما كان الزوجان على قيد الحياة فلا يجوز أن يكون هناك زواج ثان بعد الطلاق. إن ما جمعه الله في وحدة الروح القدس لا يمكن أن يفرقه إلا الموت. والخيانة الزوجية سواء كانت من أحد الزوجين أو من كليهما لا تغير من هذا شيئا. فلا يوجد أي شخص مسيحي له الحرية ليتزوج من شخص آخر مادامت قرينته (أو قرينها) لا تزال حية. فرباط الوحدة الزوجية مهدّد بالضياع.

يبين الرب يسوع بوضوح أن النبي موسى قد سمح بالطلاق في ظل الناموس بسبب قساوة القلب:

فأجابَهُم يَسوعُ لِقساوَةِ قُلوبِكُم أجازَ لكُم موسى أنْ تُطلِّقوا نِساءَكُم. وما كانَ الأمرُ مِنَ البَدءِ هكذا. (متى 19: 8).

لكن الآن، بين تلاميذ السيد المسيح - أولئك المولودين من الروح القدس - لم تعد قساوة القلب عذرا مقبولا. لقد قال النبي موسى:

مَنْ طَلَّقَ ا‏مرأتَهُ، فلْيُعطِها كِتابَ طَلاقٍ.

لكن الرب يسوع قال:

أمّا أنا فأقولُ لكُم مَنْ طلَّقَ ا‏مرأتَهُ إلاَّ في حالَةِ الزِّنَى يجعلُها تَزْني، ومَنْ تَزوَّجَ مُطلَّقةً زنَى. (متى 5: 31-32).

وقد فهم التلاميذ هذا الكلام القاطع ليسوع فهما كاملا، كما يتضح من تعقيبهم:

فقالَ لَه تلاميذُهُ إذا كانَت هذِهِ حالُ الرَّجُلِ معَ المرأةِ، فخَيرٌ لَه أنْ لا يتَزوَّجَ. (متى 19: 10).

لقد أذِن موسى بالطلاق انطلاقا من ضرورة محضة، لكن هذا لا يمكنه أن يغيّر الحقيقة وهي أنه منذ البدء كان المقصود من الزواج أن يكون مؤبدا لا ينفصم. أن الزواج لا يمكن أن يُحَلّ (حتى لو تصدَّع)، لا من قِبل الزوج الذي يهجر زوجته الخائنة، ولا من قِبل الزوجة التي تهجر زوجها الخائن. فنظام الله لا يمكن أن يُلغى بِسهولة أو بِطَيش.

ويكتب القديس بولس الرسول بالوضوح نفسه الى أهل كورنثوس فيقول:

وأمَّا المُتَزوِّجونَ فوَصيَّتي لهُم، وهيَ مِنَ الرَّبِّ لا مِنِّي، أنْ لا تُفارِقَ المرأةُ زَوجَها، وإنْ فارَقَتْهُ، فلْتَبقَ بِغَيرِ زَوجٍ أو فَلتُصالِـحْ زَوجَها، وعلى الزَّوجِ أنْ لا يُطَلِّقَ ا‏مرأتَهُ. (1 كورنثوس 7: 10-11).

ويكتب أيضا:

تَرتَبِطُ المرأةُ بِشَريعةِ الزَّواجِ ما دامَ زَوجُها حيّا، فإنْ ماتَ عادَتْ حُرَّةً تتزَوَّجُ مَنْ تَشاءُ، ولكِنْ زَواجًا في الرَّبِّ. (1 كورنثوس 7: 39).

ويقول في الرسالة الى رومة:

وإنْ صارَتْ إلى رَجُل آخَرَ وزَوجُها حَيٌّ، فَهيَ زانيةٌ. ولكِنْ إذا ماتَ زَوجُها تَحر��َرَتْ مِنَ الشريعةِ، فلا تكونُ زانِـيةً إنْ صارَتْ إلى رَجُل آخَرَ. (رومة 7: 3).

ولأن الزنى هو خيانة للاتحاد العجيب بين رجل واحد وامرأة واحدة اللذين صارا جسدا واحدا، فهو يشكل أسوأ أشكال الخداع. وعلى مجتمع الكنيسة أن يتواجه بصلابة مع الزنى، ويجب أن يدعو الزاني للتوبة وكذلك يجب أن يؤدب، بحسب توجيه الإنجيل:

شاعَ في كُلِّ مكان خَبَرُ ما يَحدُثُ عِندكُم مِنْ زِنًى، وهوَ زِنًى لا مَثيلَ لَه حتى عندَ الوَثنيّينَ رجُلّ مِنكُم يُعاشِرُ زَوجَةَ أبـيهِ. ومعَ ذلِكَ فأنتُم مُنتَفِخونَ مِنَ الكِبرياءِ وكانَ الأولَى بِكُم أنْ تَنوحوا حتى تُزيلوا مِنْ بَينِكُم مَنِ ا‏رتكَبَ هذا الفِعلَ. أمَّا أنا، فغائِبّ عَنكُم بالجَسَدِ ولكِنِّي حاضِرٌ بالرُّوحِ، فحَكَمْتُ كأنِّي حاضِرٌ على الذي فعَلَ هذا الفِعلَ. فعِندَما تَجتَمِعونَ، وأنا مَعكُم بالرُّوحِ، با‏سمِ رَبِّنا يَسوعَ وقُدرَتِهِ، سَلِّموا هذا الرَّجُلَ إلى الشَّيطانِ، حتى يَهلِكَ جَسَدُهُ، فتَخلُصَ رُوحُهُ في يومِ الرَّبِّ. (1 كورنثوس 5: 1-5).

الوفاء والمحبة
هما العلاج لرباط الزواج المتصدِّع

من الجدير بالذكر أنه حتى لو كان الرب يسوع يسمح بالطلاق لسبب الزنى أو الفحشاء، إلا أن ذلك يجب أن لا يكون أبدا نتيجة حتمية أو ذريعة للزواج مرة ثانية. لأن محبة الرب يسوع المسيح تصالح وتغفر. أما الذين يسعون إلى الطلاق فسوف يحسون دائما بغصة استياء مرّة في ضميرهم. ومهما يبلغ الألم النفسي الذي يسببه الشريك الخائن يجب على الشريك المجروح أن يكون مستعدا ليصفح ويغفر. ولن يكون لنا رجاء في مغفرة الله لخطايانا الشخصية إلا عندما نغفر للآخرين، كما قال لنا الرب يسوع:

فإنْ كُنتُم تَغفِرونَ لِلنّاسِ زَلاّتِهِم، يَغفِرْ لكُم أبوكُمُ السَّماويُّ زلاّتِكُم. وإنْ كُنتُم لا تَغفِرونَ لِلنّاسِ زلاّتِهِم، لا يَغفِرُ لكُم أبوكُمُ السَّماويُّ زلاّتِكُم. (متى 6: 14-15).

إن المحبة الوفيّة لشريك الحياة، ولكن بالأخص للسيد المسيح، هي العلاج الوحيد لرباط الزواج المتصدِّع.

إن الزوجين كِنتْ وايمي Kent & Amy اللذان يخدمان حاليا معا ضمن كنيسة واحدة في ولاية كولورادو الأمريكية، كانا مرة أحدهما مطلّق من الآخر. وكان وضعهما يائسا الى أقصى درجة يمكن أن يصل إليها زواج. لكن لأنهما أبقيا الباب مفتوحا أمام المسيح فقد تمكن أحدهما أن يعود إلى الآخر ثانية. ويحكي لنا كِنتْ قصته فيقول:

منذ اليوم الأول، كان زواجنا ينطوي على مشاكل هائلة، وبدأنا ثلاث سنين من الانحدار في دوامة من الاضطراب الكلي. وكنت أظن أن الزواج مجرد فرصة للتنزه معا والاستمتاع معا. فلم يكن لدي أية فكرة عن العمل الشاق الذي يتطلّبه الزواج. أخيرا أصبحتُ مجرد هيكل إنسان، بل إنني في بعض الأحيان كنت أحتقر الحياة. وحاولت القيام بجميع الأمور "الروحية" التي يُفترض أن يقوم بها المرء في ظروفي: مثل قراءة الكتاب المقدس والصلاة واستشارة الآخرين. لكن جميعها بدت بلا جدوى. فلقد جئنا أنا وايمي من خلفيات متناقضة تماما، ورغم محاولاتنا المضنية لم نقدر أن نتفاهم.

وتفاقم الألم بدرجة كبيرة حتى أننا قررنا أن ننفصل، ونبدأ في إجراءات الطلاق. وكان هذا عكس تربية كنيستي تماما، لكنني شعرت بأنني محاصر في فخ يائس وعليّ أن أخرج منه. وبالرغم من أننا قررنا الطلاق إلا أن العذاب النفسي ظل مستمرا. وأصبحتُ مرهقا نفسيا لدرجة أنه كانت تمر بي أيام أنهض في الصباح منهوك القوى ولا يمكنني حتى أن أزرّر قميصي. ونظرا لعجزي في مجاراة الأمور فقد اِستقَلت من عملي كقسيس. وكانت ايمي طوال هذه المدة مدمَّرة كليا. وكنت أعرف أنه كان بودها أن تتحسن الأمور، لكن كان الأمر بالنسبة لي أكبر من طاقتي لأتحمله وأتعامل معه. وبالرغم من تعهداتنا للمسيح وأحدنا للآخر، فقد ضعنا كلانا تماما.

وكمحاولة لعلاج آلامي لجأت الى العمل. فقد أدركت أنني سأصبح خاملا وكسولا لو اخترت البطالة أو لو دخلت في علاقة أخرى. لذلك أخذت أعمل وأعمل وأعمل. وأنا أعتقد بأنني وايمي حاولنا أن نثق بالله في قرارة نفسينا ونتوكل عليه، لكنني شخصيا كنت أقسم يوميا بيني وبين نفسي أن لا أعود معها مرة ثانية. وفي كل مرة حاولنا فيها التحدث لتصفية الأمور، كان الحديث ينتهي بالمشاجرة. لقد كان حالنا ميؤوسا منه.

لقد وصلت الى حد لم أعد أستطيع فيه حتى الالتفات الى الله. فقد أصبح كل شيء لا فائدة منه، وميتا: وتوالت أسئلة اليأس والشك، "هل بقي شيء يستدعي الاهتمام؟ ثم لماذا كنت أعمل بكل هذه المشقة أساسا؟ ومن الذي كنت أحاول خداعه؟ ولماذا الاستمرار في محاولة العمل بمشيئة الله إذا كان لم ينتج عنها أي شيء صالح؟

لكن في وقت متأخر من إحدى الليالي، وعندما فرغت من العمل، شدّ نظري منظر القمر الساطع والنجوم المتلألئة في كبد السماء. وشيء ما اختطف قلبي، وشعرت من جديد بجبروت الله ورحمته. وما هي إلا ثوانٍ حتى أجهشت في البكاء. وفي وسط كل آلامي ويأسي بدأت أشعر ربما لأول مرة في حياتي بحاجتي الحقيقية وبمحبة الله الواسعة غير المشروطة. وبالرغم من عدم وفائي بوعودي لله ولزوجتي، ألا أن الله تعالى أكد لي أنه ما زال وفيا لي وأنه لم يتخل عني ولم يقطع أمله فيّ. وكانت تلك الليلة نقطة تحول حقيقية في حياتي. فقد بدأ شيء في داخلي يتغير بفضل معجزة النعمة الإلهية.

وكنت أتمنى لو كانت هناك معجزات كثيرة لتجمعنا أنا وايمي ثانية. لكن لم يحدث شيء من هذا القبيل. فقد عاد أحدنا إلى الآخر عن طريق بذل الكثير من الجهود الشاقة. فلم تكن عملية الالتئام ولمّ شمل الأسرة فورية؛ بل استغرقت عامين. لأنه كان يترتب علينا أن نحكي معا بخصوص الكثير من الأمور، وأن يغفر ويسامح أحدنا الآخر كثيرا. ولكن كلما كنا نحكي مع بعض ويفتح أحدنا قلبه للآخر كان يزول قدر كبير من العذاب والحواجز النفسية التي كانت موجودة من قبل. وأخيرا، نجانا الله وحده، وليس سواه. فهو الذي أعاننا لكي نبقي الباب مفتوحا له وأحدنا للآخر - بالرغم من ضعفنا البشري. وهو الذي نجانا من فخ الاكذوبة المنصوبة لنا في مثل ظروفنا، التي مفادها أن أفضل طريقة لحلّ المشاكل هو عن طريق إقامة علاقة مع شخص آخر أكثر ملائمة من الأول.

ولا يزال زواجنا يمر عبر مناطق وعرة. وربما لن تنتهي المناطق الوعرة. بالإضافة إلى أننا – أنا وزوجتي - لا نزال نختلف كثيرا أحدنا عن الآخر. ولو ركّزت تفكيري زيادة عن اللزوم في نقاط ضعفي أو نقاط ضعف زوجتي فسوف لا أتحمل الوضع وسوف أهرب وبالتالي سوف ننفصل، لكن الشيء الذي يجمعنا ويحافظ على الحب بيننا هو وفاء الله وإحسانه. وهذا الوفاء الإلهي هو الذي يحفظ نظري مثبتا على مشيئته ويجعلني ملتزما بوعودي.

بطبيعة الحال، ليس كل صراع زوجي ينتهي نهاية سعيدة مثلما حدث مع الزوجين كِنتْ وايمي. ففي كنيستي على سبيل المثال، سبق وأن حدث عدة مرات أن يصبح أحد الأزواج خائنا ويطلّق شريكه ويهجر مجتمع الكنيسة ويتزوج ثانية. وفي كل مرة تقريبا كان الشريك المتروك يقرر أن يبقى في مجتمع الكنيسة وفيا بعهد عضويته في الكنيسة وبعهد الزواج. وبالرغم من أن هذا القرار يعتبر خيارا مؤلما طبعا - ويكون الألم مضاعفا في حالة وجود أطفال – لكنه جزء من الثمن الباهض الذي يدفعه المسيحي عندما يسير في طريق المسيح. فإن آمنا بالله، فسوف يهبنا القوة على الثبات.

عند كل زواج يحدث في مجتمعات كنيستنا، يُسأل الشريكان هذا السؤال الذي صاغه جدي ايبرهارد آرنولد Eberhard Arnold - القسيس الألماني الذي ناهض السياسة التعسفية للحكومة النازية في ألمانيا (وهو علامة لاهوتي ومؤسس حركة برودرهوف المسيحية Bruderhof للحياة المسيحية المشتركة):

أخي، هل ستمتـنع عن إتـّباع زوجتك - وأختي، هل ستمتـنعين عن إتـّباع زوجك - فيما هو باطل؟ وإذا أراد أحدكما هجر طريق يسوع المسيح ومجتمع الكنيسة، فهل سيضع الآخر دائما الإيمان بمعلمنا يسوع الناصري ووحدة الروح القدس التي هي وحدة الكنيسة فوق مستوى زواجه، وكذلك في حال تواجهك مع السلطات الحكومية؟ أسألكما هذا لعلمي بأنَّ الزواج يكون مبنيا على الرمل، ما لم يــُبـنَ على صخرة الإيمان، أي الإيمان بالرب يسوع المسيح.

وبالرغم من أن هذا السؤال قد يقع موقعا صعبا عند البعض إلا أن فيه حكمة عميقة. ويمكننا القول أنه مجرد يذكرنا بالخَيار الموجود أمام كل منا، نحن المدعين أننا تلاميذ يسوع: فهل نحن مستعدون أن نتبع يسوع مهما كان الثمن؟ ألم يحذرنا هو نفسه قائلا:

مَنْ جاءَ إليَّ وما أحبَّني أكثرَ مِنْ حُبِّهِ لأبـيهِ وأُمِّهِ وا‏مرأتِهِ وأولادِهِ وإخوتِهِ وأخواتِهِ، بل أكثَرَ مِنْ حُبِّهِ لِنَفسِهِ، لا يَقدِرُ أنْ يكونَ تِلميذًا لي. (لوقا 14: 26).

لو أخذ الزوجان هذا التحذير على محمل الجد، فقد يسبب بينهما انشقاقا، لكن قدسية رباط زواجهما سوف تصان حقا. فالموضوع هنا ليس الزواج فقط في حد ذاته، بل هو رباط الوحدة العميق بين اثنين متحدين في المسيح وفي روحه القدوس:

ولكن إنْ فارَقَ غَيرُ المؤمِنِ، فليُفارِقْ. لَيسَ الأخُ أو الأُختُ مُستَعبَدًا في مِثلِ هذِهِ الأحوالِ، ولكنَّ اللهَ قد دَعانا في السَّلامِ. لأنَّهُ كيفَ تعلَمينَ أيَّتُها المَرأةُ، هل تُخَلّصينَ الرَّجُلَ؟ أو كيفَ تعلَمُ أيُّها الرَّجُلُ، هل تُخَلّصُ المَرأةَ؟ (1 كورنثوس 7: 15-16).

فكلما يظل الرجل (أو المرأة) موالٍ ومحب لشريكة حياته أو لشريك حياتها - بصرف النظر عن عدم وفاء ذاك الشريك - قدم في هذا شهادة عن الوحدة في المسيح. فبوسع الوفاء الأبدي لله ولكنيسته أن يجدد الالتزام الزوجي ويزرع أملا جديدا. وقد شهدتُ أكثر من مرة كيف تمكن وفاء شريك مؤمن أن يعيد شريكه غير المؤمن الى الرب يسوع، والى مجتمع الكنيسة، والى الزواج والأسرة.

وقصة آن وزوجها هاورد (التي ذكرتها لكم في الفصل السادس عشر) تعتبر مثالا على ذلك. فنرى أنه حتى عندما عاد هاورد وسقط في الخطيئة ثانية، لم تهتز التزامات زوجته آن نحو المسيح والكنيسة مطلقا. ومع أنها أبت الانصياع الى مساومة زوجها هاورد، إلا أنها لم تُدِنْه. لكنها وبدلا من إدانته استدرجته بهدوء إلى الصراع من أجل التوبة ومن أجل القيام ببداية جديدة. لذلك نرى أن ثبات وصبر الزوجة آن كان لهما الفضل الكبير في استعادة كل من زواجهما وإيمان زوجها هاورد.

الوفاء الحقيقي هو ليس مجرد
عدم التورط في الزنى

لما كان الله يكره الطلاق، فإنه سيدين أيضا كل زواج خالٍ من المحبة وكل زواج هامد تسري فيه برودة الموت، ويجب أن يكون هذا تحذيرا لكل منا. فكم منا كان فاتر القلب أو غير محب لشريك حياته بين حين وآخر؟ وكم آلافا من الأزواج، بدلا من أن يحب بعضهم بعضا، يقتصر الأمر على أنهم يتواجدون تحت سقف واحد؟ إن الوفاء الحقيقي هو ليس مجرد عدم التورط في الزنى، بل أنه يشترط أن يكون هناك التزاما قلبيا وروحيا أيضا بين الزوجين. وكلما افتقر الزوجان إلى الالتزام أحدهما نحو الآخر وكان كل منهما يعيش حياة متوازية (لا تؤدي الى التلاقي)، أو كانت القطيعة تسود بينهما، فإن الانفصال والطلاق يقفان لهما بالمرصاد.

ومهمة كل مجتمع من مجتمعات الكنيسة هي محاربة روح الزنى حيثما تطل برأسها وتبين وجهها القبيح. وأنا لا أقصد هنا الزنى كمجرد فعل جسدي؛ ففي الحقيقة والواقع، فإن كل شيء في داخل الزواج يؤدي الى ضعف الحب أو الوحدة والوئام أو العفاف أو يعيق روح الوقار المتبادل، يعتبر زنى، لأنه يغذي وينمي روح الزنى. ولهذا السبب سمّى الله عدم إخلاص شعب إسرائيل بالزنى (ملاخي 2: 10-16). وفي العهد القديم (أي قبل مجيء السيد المسيح) يستخدم الأنبياء الوفاء في الزواج كمثال على التزام الله بشعبه إسرائيل، الشعب المختار – عروسه، "...أحبِبْها كما يُحِبُّ الرّبُّ بَني إِسرائيلَ، فيما هُم يُحَوِّلونَ وُجوهَهُم عَنهُ إلى آلهةٍ أُخرَ..." (هوشع 3: 1). وبطريقة مماثلة يقارن الرسول بولس الزواج بعلاقة الوحدة بين المسيح العريس وكنيسته العروس. فلا يسعنا النظر بوضوح في مسألة الطلاق والزواج الثاني إلا في ظل روحية هذه الصور المجازية للكتاب المقدس.

وعندما لا يفعل مجتمع الكنيسة شيئا لرعاية وتعزيز العلاقات الزوجية لأفراده، فكيف إذن يمكنه أن يدّعي براءته عندما تنهار هذه العلاقات؟ وأيضا عندما يتحاشى مجتمع الكنيسة الشهادة بأن: "ما جمَعَهُ اللهُ لا يُفرَّقُهُ الإنسانُ" فكيف يتوقع من أعضائه المتزوجين أن يبقوا ملتزمين مدى الحياة؟

وفي تأملنا لهذه المسائل والنظر فيها فهناك مبدأين مهمين يجب عدم تناسيهما وإلا تحوَّلا إلى مزلقين من الواجب تجنبهما: المبدأ الأول، هو أننا لا يمكننا أبدا الموافقة على الطلاق؛ والثاني، يجب أن لا نعامل أبدا بحرفية الشريعة أو بالقسوة الناس الذين يعانون من عذاب الطلاق وآلامه. ففي رفضنا للطلاق لا يمكننا رفض الشخص المطلق، حتى لو تزوج ثانية. ويجب أن نتذكر دائما أنه بالرغم من أن الرب يسوع يتكلم بصرامة ضد الخطيئة، لكن لا تنعدم عنده الرأفة أبدا. ولما كان الرب يسوع يشتاق إلى أن يعتق كل خاطئ من عبودية الخطيئة ويهبه شفاء الروح والجسد والحياة فهو يطلب التوبة عن كل خطيئة. وهذا ما يريده أيضا لكل علاقة زوجية متصدّعة.

طبعا يجب علينا أن لا ندين الآخرين أبدا. لكن في الوقت نفسه علينا أن نكون أوفياء مع السيد المسيح فوق كل اعتبار. وعلينا احتضان كامل الحق الإلهي الذي يطرحه - وليس فقط تلك الأجزاء من هذا الحق التي تبدو مناسبة لاحتياجاتنا:

الوَيلُ لكُم يا مُعَلِّمي الشَّريعةِ والفَرِّيسيُّونَ المُراؤونَ! تُعطُونَ العُشْرَ مِنَ النَعْنعِ والصَعتَرِ والكَمُّونِ، ولكنَّـكُم تُهمِلونَ أهمَّ ما في الشَّريعةِ: العَدلَ والرَّحمةَ والصَّدقَ، وهذا ما كانَ يَجبُ علَيكُم أنْ تَعمَلوا بِه مِنْ دونِ أن تُهمِلوا ذاكَ. أيٌّها القادَةُ العُميانُ! تُصَفّونَ الماءَ مِنَ البَعوضَةِ، ولكنَّـكُم تَبتَلِعونَ الجمَلَ. (متى 23: 23-24).

ولهذا السبب لا تزوِّج كنيستنا أفرادا مطلقين لديها (طالما الشريك السابق على قيد الحياة)؛ وللسبب نفسه لا تقبل كنيستنا ناس قد تزوجوا مرة ثانية (بعد حالة طلاق) ويعيشون في علاقة زوجية مع شريك جديد طالما شريكهم السابق على قيد الحياة. إن الزواج الثاني يزيد من تعقيد خطيئة الطلاق، ويَحُول دون إمكانية المصالحة مع الشريك الأول. فموقفنا في الزواج هو موقف الولاء والوفاء مدى الحياة. ولا يوجد موقف آخر يتوافق مع الحب الحقيقي ومصداقية الزواج سوى هذا الموقف.

يحتاج الأمر الى إعادة اكتشاف المغزى من تقديم الالتزامات في الزواج. فها نحن الآن قد بدأنا نتواجه ونرى الأضرار التي يسببها الطلاق لأولادنا. فالطلاق في نظر الأولاد، دع عنك الراشدين منهم، يُعتبر شيئا لا يمكن "الشفاء منه" بسهولة. فقد أظهرت الدراسات الحديثة أن معظم الأولاد الذين يلجأ والديهم الى الطلاق يعانون من القلق والفشل الدراسي وعدم الثقة بالنفس. وتستمر معاناتهم من المشاكل النفسية كالخوف والكآبة والسلوك المعادي للمجتمع حتى بعد عشر سنوات من انفصال والديهم.

إن العائلات البديلة (التي تتضمن زوجة أب أو زوج أم) لا تقدم حلّا شافيا. فالبنية الأصلية للعائلة لا يمكن استردادها، على الرغم مما يبذله المرء من محاولات شاقة لتقليدها. وفي الحقيقة فإن الأولاد الذين يعيشون في عائلات بديلة تظهر عليهم بوادر عدم الأمان النفسي بالمقارنة مع الأولاد الذين يعيشون في بيوت ليس فيها سوى أحد أبويهم الحقيقيين.

لذلك نرى أن جيلا من الأولاد ينشؤون بدون والدين يكونون مثالا صالحا لهم - بل إن كثيرين من الأطفال حتى ليس لهم والدين حقيقيين أساسا. وعندما يصير الأولاد شبابا ويعقدون النية الحسنة على الزواج مثل غيرهم من الشباب اليوم، فأين يمكنهم الحصول على الدعم والمساندة عندما يحين وقتهم للزواج وتأسيس أسرة؟

كل شيء مستطاع عند الله

بطبيعة الحال، لو أردنا تجنب الطلاق، لوجب على مجتمع الكنيسة أن يقدم لأفراده التوجيه والإرشاد بالإضافة إلى الدعم العملي قبل فترة طويلة من انهيار زواجهم:

وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أَنْ يَنْتَبِهَ لِلآخَرِينَ، لِنَحُثَّ بَعْضُنَا بَعْضاً عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ... انْتَبِهُوا أَلاَّ يَسْقُطَ أَحَدُكُمْ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ، حَتَّى لاَ يَتَأَصَّلَ بَيْنَكُمْ جَذْرُ مَرَارَةٍ، فَيُسَبِّبَ بَلْبَلَةً، وَيُنَجِّسَ كَثِيرِينَ مِنْكُمْ. (عبرانيين 10: 24 وَ 12: 15).

ولو لاحظنا أن الزواج عليل وفي خطر حتى وإن لم يكن هناك سوى إشارات طفيفة تدلّ على ذلك فمن الأفضل أن يكون المرء صادقا وصريحا بشأنه. أما إذا كبرت الهُوَّة بين الزوجين كثيرا، فقد يتطلب الأمر الى توفير مكان لهما ووقت كافٍ لاسترجاع العلاقة القلبية بينهما. وفي وضع كهذا، أو الوضع الذي يصبح فيه أحد الشريكين متعديا ومؤذيا جسديا، فإن الانفصال المؤقت قد يكون ضروريا. وينبغي على مجتمع الكنيسة لاسيما في هذه الأوضاع أن يجد وسائلا عملية لمساعدة كلا الطرفين - في السعي إلى التوبة أولا، ثم الحصول على الثقة المتبادلة والغفران المتبادل الضروريين لاستعادة الزواج.

من المحزن أن نجد أن الوفاء (أو الأمانة) في مجتمع اليوم قد صار عملة نادرة جدا حتى أصبح يُنظر إليه على أنه فضيلة "بطولية". ألا ينبغي له أن يكون أمر مُسَلَّم به باعتباره حجر الأساس لإيماننا؟

أمَّا ثمَرُ الرُّوحِ فهوَ المَحبَّةُ والفَرَحُ والسَّلامُ والصَّبرُ واللُّطفُ والصَّلاحُ والأمانَةُ. (غلاطية 5: 22).

وباعتبارنا تابعين للمسيح، ألا ينبغي لكل منا أن يكون راغبا في البقاء وفيا وأمينا – في السراء والضراء – وحتى الموت، للمسيح ولمجتمع كنيسته، ولزوجته أو لزوجها؟ بمثل هذا العزم والتصميم فقط يمكننا أن نرجو أن نبقى أوفياء لوعود زواجنا.

إن طريق المسيح طريق ضيق، لكن بفضل الصليب يتمكن كل من يسمع كلام يسوع أن يضعه في حيز التطبيق:

فاَترُكْ قُربانَكَ عِندَ المَذبَحِ هُناكَ، واَذهَبْ أولاً وصالِـحْ أخاكَ، ثُمَّ تَعالَ وقَدِّم قُربانَكَ. (متى 5: 24).

لو كان تعليم الرب يسوع بشأن الطلاق والزواج الثاني يبدو صعبا، فالسبب الوحيد وراء ذلك هو أن الكثيرين في أيامنا هذه لم يعودوا يؤمنوا بجبروت قدرة التوبة والمغفرة ودورهما في تغيير الحياة. وكذلك لأننا نحن المسيحيين لم نعُد نؤمن بأن ما جمعه الله يمكن بنعمته أن يظل متماسكا؛ ولم نعُد نؤمن أيضا بقول يسوع، "كُلَّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللَّه".

وينبغي أن لا يكون هناك أي شيء شاقا علينا، لو كان من متطلبات الإنجيل:

تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ. (متى 11: 28-30).

فلو نظرنا الى تعاليم الرب يسوع بشأن الطلاق والزواج الثاني بهذا الإيمان لرأينا أنه تعليم ينطوي على وعد عظيم، وأمل كبير، وقوة مقتدرة. ثم إن بِرّ هذا التعليم أعظم بكثير من بِرّ تعليم علماء الأخلاق والفلسفة البشرية. إنه بِرّ ملكوت الله، وهو مؤسس على حقيقة القيامة والحياة الجديدة.

هذا المقال من كتاب "الجنس والله والزواج"

a couple strolls toward an orange sunset
هل لديك تعليق؟ تفضل وشارك المحادثة. 1 تعليقات
مساهمة من Johann Christoph Arnold يوهان كريستوف آرنولد

هناك الكثير من المقالات والكتب الإلكترونية المجانية بقلم يوهان كريستوف آرنولد عن الزواج المسيحي واِتِّباع المسيح والصلاة والبحث عن السلام.

تعرّف على المزيد
1 تعليقات