orange and red paint

اللاعنف ورفض حمل السلاح بسبب اِعتراض الضمير

بقلم اِيبرهارد آرنولد Eberhard Arnold

1 تعليقات
1 تعليقات
1 تعليقات
    أرسل
  • عبدالرحمن

    أشكر لإيبرهارد أرنولد شجاعته الأدبية و كلامه الصريح ثم أقول : لم يمت المسيح على الصليب ليورّثنا الموت من بعده ، إنما كان سبب تحمّله لكل تلك الآلام هو إحياء قلوبنا بالمحبة و الإيمان و الاتباع ، و دليله قيامة المسيح في اليوم الثالث . " لا تقتل " ؛ هكذا و بدون استثناء ، إن السعي إلى حيازة سلاح عادي ؛ منه إلى أسلحة الدمار الشامل و تحت أي ذريعة كانت ؛ ما هو إلا سعي فاضح ؛ مغبّته قتل الإنسان الذي كرّمه الله و خلقه على صورته ، هذا إلى غيره من المخلوقات الجميلة التي وهبها الله الحياة و ازدانت بها الأرض ، فالقتل مشتمل على الفساد و الإفساد المطلق في الأرض ، و السلاح و إن كان أداة مباشرة للقتل ، فإن أصل هذا العمل الخطأ ؛ مرجعه إما إلى جهل أو استهتار بتعاليم المسيح ؛ هذه التعاليم التي فيها حياة الأبدان و الأرواح ، حياة البلاد و العباد ، ثم إن القتل أو امتلاك السلاح المفضي إلى القتل ؛ ما هو إلا ثمرة لحب التملك و الأنانية و الاستئثار ، و إذا رجعنا إلى حياة المؤمنين الأوائل في اتباعهم لتعاليم السيد المسيح ؛ فإننا لا نجد شيئا مما ذكر ، لا بل نجد الحب و العطف و الإيثار . إن الذي علمنا أن نحب و نعطف و نؤثر غيرنا على أنفسنا ، ثم عاش على ذلك ؛ هو الذي نهانا بقوله : " لا تقتل " ؛ و ذلك لعلمه بأن الأنانية و حب التملك هو أكبر سلاح في يد البشرية نتيجته القتل الذريع و الموت المريع ، فانظروا يا إخواني الأعزاء إلى هذا النظام الإلاهي البديع المتناسق ، و إذا قلت بعد هذا بأن تعاليم المسيح هي وحدها كفيلة بحل مشاكل العالم اليوم ، فأرجوا أن أكون قد بيّنت السبب في ذلك . إن القتل يفضي إلى القتل ؛ و هكذا في سلسلة متواصلة ينتظم في عقدها الهلاك ، بينما العفو و تقويم سلوك الرجال و النساء الخاطئين على حد سواء ؛ فثمرته الحب و الوفاء و المودة و الإخاء ، فالعنف لا يولّد إلا عنفا ، بينما المحبة تولّد المحبة ، و الأول سلوك شيطاني ، و الثاني سلوك مسيحي ، فاختر لنفسك بأيّ السلوكين تريد أن تتحلى ، أما أنا فقد كنت مرارا أسألي نفسي سؤالا يكاد يتفطر منه فؤادي : ما الذي أصابنا؟ ما الذي حدث لنا نحن البشر؟ أما الآن فأقول : اقرأ الإنجيل ؛ فإنك ستجد فيه الجواب الكافي و الدواء الشافي لكل الأدواء التي حلت بنا و نزلت بساحتنا.

ماذا يقول الإنجيل؟

لقد قال الله للناس في العهد القديم: "لاَ تقتُلْ". ويسترسل يسوع في هذا الموضوع ليقول (بما معناه) أنّ الكلام الذي يقال وفيه كراهية هو كطعنات خنجر سامّة. وكل من ينكر أنّ أخيه الإنسان لديه حقوق مساوية له فهو قاتل في نظر يسوع. وكل من يذهب إلى الحرب فإنه يعمل ضد وصية: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ". (متى 5: 43-48)


لقد قال يسوع قبل مماته أنّه سيُسَلّم لأيدي الذين بيدهم السلطات، كل من السلطات الدينية والحكومية. فكان عليه أن يستسلم لسلطتهم دون أية محاولة للدفاع عن نفسه. ولما سأله تلميذاه (بما معناه): "أتريد أن نأمر لتنزل من السماء القوى التي تحت تصرفنا؟ فباستطاعتنا أن نُنزل نارا من السماء، وباستطاعتنا أن نُنزل برقا من الغيوم." فأجاب يسوع (بما معناه): "ألا تعلمان أي روح تنتميان إليها؟" (لوقا 9: 54-55) فقد نسيتما الروح القدس! وقد نسيتما القضية، وقد نسيتما أسمى دعوة إلهية لكما. ففي اللحظة التي تتناولان فيها مسألة القوة بدلا من المحبة فإنكما بهذا تتركان الروح القدس، حتى لو تُنزِلان نارا سماوية أو برقا سماويا أو عجائب سماوية.


بِاسْمِ يسوع المسيح نستشهد ولا نقتل. فهذا ما يأخذنا إليه الإنجيل. وإذا أردنا أن نتبع المسيح حقّ الاِتِّباع، فيجب علينا أن نعيش مثلما هو عاش ونموت مثلما هو مات. ولن تتضح الأمور لنا بجلاء ما لم نستوعب مدى الحديّة والقطعية التي في كلمات يسوع التالية: "لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللَّهَ وَالْمَالَ."

لا يَقدِرُ أحدٌ أنْ ي��خدُمَ سيِّدينِ، لأنَّهُ إمَّا أنْ يُبغضَ أحدَهُما ويُحِبَّ الآخَرَ، وإمَّا أن يُوالي أحدَهُما ويَنبِذَ الآخَرَ. فأنتُم لا تَقدِرونَ أنْ تَخدُموا اللهَ والمالَ)). (لوقا 16: 13)


أنّ الهراء اللاهوتي الذي خرج من هناك (جامعة توبنغن Tübingen) يصعب احتماله. فكانت هناك شابة متدينة (طالبة في قسم اللاهوت)، وقفت ذات مرة وقالت: "قال يسوع: ’لا تَظُنُّوا أنِّي جِئتُ لأحمِلَ السَّلامَ إلى العالَمِ، ما جِئتُ لأحْمِلَ سَلامًا بَلْ سَيفًا‘." فأجبتها: أنا مستغرب من استعمالك لهذا الكلام في هذا السياق. فلا أفهم ما تقصدينه. لأن يسوع كان يتكلم عن العلاقة بين الكَنَّة (زوجة الابن) التي كانت تريد أن تتبع يسوع والحماة (أم زوجها) التي لم تخترْ طريق التتلّمُذ للمسيح. فهل تقصدين بأنّ يسوع كان يعني أنّ الكَنَّة عليها أن تقتل حماتها؟!


إنّ كل مّنْ سمع دعوة يسوع الواضحة جدا لا يلجأ إلى العنف طلبا للحماية. فقد نبذ يسوع كل حقّ وكل دفاع.

ولتكُنْ سيرَتُكُم بَينَ الأُمَمِ سِيرَةً حسَنَةً حتّى إذا اتَّهَموكُم بِأنَّكُم أشرارٌ، نَظروا إلى أعمالِكُمُ الصّالِحَةِ فمَجَّدوا اللهَ يومَ يتفقَّدُهُم. إِخضَعوا، إكرامًا لِلرَّبِّ، لِكُلِّ سُلطَةٍ بَشَرِيَّةٍ: لِلمَلِكِ فهوَ الحاكِمُ الأعلى، ولِلحُكَّامِ فَهُم مُفَوَّضونَ مِنهُ لِمُعاقبَةِ الأشرارِ ومُكافأةِ الصّالِحينَ، لأنَّ مَشيئَةَ اللهِ هِيَ أنْ تُسكِتوا بِأعمالِكُمُ الصّالِحَةِ جَهالَةَ الأغبياءِ. كونوا أحرارًا، ولكِنْ لا تكونوا كَمَنْ يَجعَلُ الحُرِّيَّةَ سِتارًا لِلشَّرِّ، بَلْ كَعَبيدٍ للهِ. أكرِموا جميعَ النّاسِ، أحِبُّوا الإخوَةَ، لإِتَّقوا اللهَ، أكرِموا المَلِكَ. أيُّها الخَدَمُ، إِخضَعوا لأسيادِكُم بِكُلِّ رَهبَةٍ، سَواءٌ كانوا صالِحينَ لُطَفاءَ أو قُساةً. فمِنَ النِّعمَةِ أنْ تُدرِكوا مَشيئَةَ اللهِ فتَصبِروا على العَذابِ مُتَحمِّلينَ الظُّلمَ. فأيُّ فَضلٍ لكُم إنْ أذنَبتُم وصبِرتُم على ما تَستَحِقُّونَهُ مِنْ عِقابٍ، ولكِنْ إنْ عَمِلتُمُ الخَيرَ وصَبرتُم على العَذابِ، نِلتُمُ النِّعمَةَ عِندَ اللهِ. ولمِثلِ هذا دَعاكُمُ اللهُ، فالمَسيحُ تألَّمَ مِنْ أجلِكُم وجعَلَ لكُم مِنْ نَفسِهِ قُدوَةً لِتَسيروا على خُطاهُ. ما ارتكَبَ خَطيئَةً ولا عَرَفَ فَمُهُ المَكرَ. ما ردَّ على الشَّتيمَةِ بمِثلِها. تألَّمَ وما هَدَّدَ أحدًا، بَلْ أسلَمَ أمرَهُ لِلدَّيّانِ العادِلِ، (1بطرس 2: 12-23)

وقد اختار أوضع طريق. فها هو قد وضعنا أمام الرهان: أن نتبعه بالأسلوب نفسه الذي سار فيه، لا نزيغ عنه لا يسار ولا يمين. فهل تعتقد أنت حقا بأنه يجوز لك أن تسير سيرة مغايرة ليسوع وتؤيد مواضيع حاسمة مثل المُلكية الخاصة والعنف ومع ذلك تدّعي بأنك تلميذه؟


الحرب باسم الله

من الممكن لأي عسكري أو شرطي أن يحمل سلاحه ويتوجه للحرب باسم الله، لكن ليس باسم المسيح. وقد أشرتَ أنتَ قبل قليل إلى الحرب التي قادها النبي هوشَعُ ضد أريحا في العهد القديم (أي قبل مجيء المسيح)، وهذا صحيح تماما. ويمكن ضرب أمثلة عديدة عن الحروب التي، ومن باب الدفاع عن هوية البلد، حملت فيها الحكومات السلاح باسم الله تماشيا مع العهد القديم. إلا أننا يجب علينا أن نميّز بوضوح بين العهد القديم والعهد الجديد، أيّ عهد يسوع المسيح، كما يبيّن الإنجيل:

 وخُلاصَةُ القَولِ هِيَ أنَّ لنا رئيسَ كَهنَةٍ هذِهِ عَظَمَتُهُ، جَلَسَ عَنْ يَمينِ عَرشِ الجَلالِ في السَّماواتِ، خادِمًا لِقُدسِ الأقداسِ والخيمَةِ الحَقيقِيَّةِ الّتي نَصَبَها الرَّبُّ لا الإنسانُ. ويُقامُ كُلُّ رَئيسِ كَهنَةٍ لِيُقَدِّمَ القرابينَ والذَّبائِحَ، فلا بُدَّ أنْ يكونَ لِرئيسِ كهنَتِنا شيءٌ يُقَدِّمُهُ. فلَو كانَ يَسوعُ في الأرضِ لَما أُقيمَ كاهِنًا، لأنَّ هُناكَ مَنْ يُقَدِّمُ القَرابينَ وِفقًا لِلشَّريعَةِ. هَؤُلاءِ يَخدُمونَ صُورَةً وظِلاًّ لِمَا في السَّماواتِ. فحينَ أرادَ موسى أنْ يَنصِبَ الخَيمةَ أوحى إلَيهِ اللهُ قالَ: ((أُنظُرْ واعمَلْ كُلَّ شيءٍ على المِثالِ الّذي أريتُكَ إيّاهُ على الجبَلِ)). ولكِنَّ المَسيحَ نالَ خِدمَةً أفضَلَ مِنَ الّتي قَبْلَها بِمِقدارِ ما هوَ وسيطٌ لعَهدٍ أفضَلَ مِنَ العَهدِ الأوَّلِ، لأنَّهُ قامَ على أساسِ وُعودٍ أفضَلَ مِنْ تِلكَ. فلَو كانَ العَهدُ الأوَّلُ لا عيبَ فيهِ، لما دَعَتِ الحاجَةُ إلى عَهدٍ آخَرَ. واللهُ يَلومُ شعبَهُ بِقَولِهِ: ((يَقولُ الربُّ: ها هِيَ أيّامٌ تَجيءُ أقطَعُ فيها لِبَني إِسرائيلَ ولِبَني يَهوذا عَهدًا جَديدًا، لا كالعَهدِ الّذي جَعَلتُهُ لآبائِهِم يومَ أخَذتُ بِيَدِهِم لأُخرِجَهُم مِنْ أرضِ مِصْرَ، فما ثَبَتوا على عَهدي. لذلِكَ أهمَلتُهُم أنا الرَّبُّ. وهذا هوَ العَهدُ الّذي أُعاهِدُ علَيهِ بَني إِسرائيلَ في الأيّامِ الآتيَةِ، يَقولُ الرَّبُّ: سأجعَلُ شرائعي في عُقولِهِم وأكتُبُها في قُلوبِهِم، فأكونُ لهُم إلَهًا ويكونونَ لي شَعبًا. فلا أحدَ يُعَلِّمُ ابنَ شعبِهِ ولا أخاهُ فيَقولُ لَه: إعرِفِ الرَّبَّ، لأنَّهُم سيَعرِفوني كُلُّهُم مِنْ صَغيرِهِم إلى كَبيرِهِم، فأصفَحُ عَنْ ذُنوبِهِم ولَنْ أذكُرَ خَطاياهُم مِنْ بَعدُ)). واللهُ بِكلامِهِ على ((عَهدٍ جديدٍ)) جعَلَ العَهدَ الأوَّلَ قديمًا، وكُلُّ شيءٍ عَتَقَ وشاخَ يَقتَرِبُ مِنَ الزَّوالِ. (عبرانيين 8: 1-13)

فما دمنا نحن مدعوين من قِبَل المسيح فنحن من أبناء العهد الجديد، ومادام لنا فكر حربي فنحن مازلنا في العهد القديم. فيجب علينا أن نقرر: هل نحن مدعوون إلى العهد الجديد أو العهد القديم؟

إنّ دعوتنا الإلهية التي تدعونا إلى الحياة المسيحية المشتركة هي دعوة يسوع المسيح، والتي تعني أننا لا نحيا إلّا في سبيل المحبة والسلام. (هذه الفقرة هي حديث بين ايبرهارد آرنولد وأحد الضيوف).


أحِبُّوا أَعداءَكُم

فيما يتعلق بحادثة سلب مسلّح لاثنين من إخواننا اللذين كانا في طريقهما من البنك إلى أحد مجتمعاتنا المسيحية لدفع رواتب أجور العمال الذين كانوا يشتغلون عندنا، كنّا نستطيع أن نتصرف بواحدة من طريقتين إلّا أنّ كلتيهما تُعتبران خيانة للقضية التي نعيش من أجلها. فإحدى الطرق المتطرفة هي استعمال القوة، والتي كان لها أن تحصل لو دافع الإخوان عن نفسيهما بعصا أو سلاح، أو إذا اتصلنا بقوات الشرطة أو السلطات المدنية وسلمنا السلطة لأيديهم. أما التطرف الآخر فهو الاعتقاد بأننا علينا أن نحمي المجرم من مخالب السلطات، والتي كان معناها أننا ندعم الجريمة. لكن الذي قمنا به هو أننا دعونا لاجتماع شعبي مع جميع النجارين وغيرهم من العمال (الذين سُرقت رواتبهم) لطرح الموضوع أمامهم، لكي لا نصبح مذنبين في التغاضي عن الجريمة.

فيجب علينا أن نحتج بشدة ضد هذا السلب المسلح. فكنيسة الله مُلزَمَة للاحتجاج علنا ضد هذا الظلم. وعلى هذه الحادثة أن تكون مثالا في خدمة إعلان بشارة الملكوت وأيضا شاهدا لِعدالة الكنيسة المقدسة وشاهدا للمؤاخاة ولِمحبة الأعداء.


مما لاشك فيه أنّ المرء الذي يضرب غيره فإنّ ذلك دليل على عدم رؤيته لأي شيء صالح فيه عند تلك اللحظة، أو مجرد رؤية شيئا قليلا من الصلاح عنده. ونعلم بأنّ ذلك يصحّ كثيرا في زمان الحرب. فيجب أن يتمّ تأجيج نار روح الحرب، وذلك بالمبالغة والكذب، بحيث لا يصير في مقدور الأمة رؤية سوى أقل ما يمكن من الخير في غيرها. أما يسوع فلن يسقط فريسة خدعة كهذه أبدا. فقد كان يرى دائما صورة الله في كل شخص، صورة غير كاملة، وغالبا مشوشة، لكنها موجودة في كل إنسان، كما يشهد الكتاب المقدس:

 فخلَقَ اللهُ الإنسانَ على صورَتِه، على صورةِ اللهِ خلَقَ البشَرَ، ذَكَرًا وأُنثى خلَقَهُم. (تكوين 1: 27)


كيف سنخوض هذه المعركة؟ سنخوضها وفقا لروح الملكوت الآتي، وليس بأيّ أسلوب آخر سواه. فيجب علينا القتال في هذه المعركة بمحبة. وسلاح المحبة هو السلاح الوحيد الذي نملكه. ولا فرق هناك سواء تجابهنا مع شرطي يمتطي فرسا أو مع شخص ينتمي لنقابة معينة، وسواء التقينا مع محافظ أو أمير أو رئيس حزب أو حتى مع رئيس دولة الرايخ (أيْ الإمبراطورية الألمانية)، فيتحتم علينا محبتهم، ولا يسعنا تقديم شهادة عن الحقّ لهم إلّا عندما نحبهم حقّ المحبة. وهذا هو ما نعيش من أجله نحن هنا في المجتمع المسيحي.


لقد علّمتنا الحياة وجود نوعين من العلاقات بين البشر، وكلاهما لديه تأثير كبير فينا. فالنوع الأول هو علاقة الصداقة؛ فنشعر في علاقة الصداقة بحرارة مع الذين لديهم مشاعر شبيهة بالدوافع العميقة والمقدسة في داخلنا وبدعوتنا الإلهية. والنوع الآخر هو العداء؛ فهو يهيّجنا داخليا بالقدر نفسه ويجعلنا نصحو. فالذين يعارضون أسلوب حياتنا المسيحية المتشاركة، بالإضافة إلى أعدائنا الشخصيين، يهزوننا روحيا ويضعون أقدس الأمور في حياتنا موضع الرهان.


لا يهمّ مَنْ هم أعدائنا؛ فالله يحب كل واحد فيهم، ولا يحقّ لنا أن نصدر أحكاما ختامية عليهم وندينهم. صحيح أننا يجب أن ننبذ الشرّ الذي نعرف أنهم قد اقترفوه، ولكنهم يبقون أعداء نحبهم بصدق.


ينبغي لنا أن نكون شاكرين لأعدائنا! لأننا وجدنا أنّ وصية يسوع المسيح، "أحِبُّوا أَعداءَكُم،" ليست فيها مغالاة أو مبالغة أبدا. ونفهم أنّ وصية الروح القدس، "أحِبُّوا!" تحمل الخير لكلٍ من الأصدقاء والأعداء على حدٍّ سواء. وإذا قابلنا صديقا أو عدوا، فإنّ ذلك سيؤثر في قلوبنا بالصميم. فعندما نمتلئ من روح المسيح، فإنّ كل ما يؤثر في قلوبنا لن يولِّد سوى رنين واحد ليس غيرُ، وصدى واحد ليس غيرُ، ألا وهو ردّ فعل مليء محبة!


نعلم أننا محاطون بأعداءٍ للإيمان المسيحي. وفي هذه الأوقات فأنّ سرّ الغفران مطلوب أكثر من ذي قبل، لأن الحقد الملتهب للعدو يتحدانا لنواجهه بموقف معاكس. فأعدائنا بالتحديد هم الذين يجب علينا محبتهم وذلك بأن يكون لنا رجاء وتفهّما لهم، عالمين أنهم – وبرغم عماهم – لديهم شرارة إلهية في داخلهم تحتاج إلى تأجيج.

ويتعين على محبتنا لأعدائنا أن تكون حقيقية جدا بحيث أنها تصل إلى قلوبهم وتمسّها. لأن هذا ما تفعله المحبة. وعندما يحصل ذلك سيمكننا إيجاد الشرارة المخفية التي من عند الله في قلب حتى أكبر الخطأة. ولهذا يجب علينا أن نغفر لأعدائنا، تماما كما سأل يسوع الله الآب ليغفر للجنود الذين صلبوه على الصليب، حين قال:

 يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ. (لوقا 23: 34)


سيف الروح القدس هو ليس سيف ال��ضب

إنّ سيف الروح القدس الموهوب للكنيسة المقدسة يختلف اختلافا كليا ومن جميع النواحي عن سيف السلطات الحكومية.

 والبَسوا خُوذةَ الخَلاصِ وتَقَلَّدوا سَيفَ الرُّوحِ الّذي هُوَ كلامُ اللهِ. (أفسس 6: 17)

فقد سلّم الله السيف الدنيوي، والذي هو سيف غضبه، إلى أيادي غير المؤمنين.

 فهِيَ في خِدمَةِ اللهِ لخَيرِكَ. ولكِنْ خَفْ إذا عَمِلْتَ الشَّرَّ، لأنَّ السُّلطَةَ لا تَحمِلُ السَّيفَ باطِلاً. فإذا عاقَبَتْ، فلأنَّها في خِدمَةِ اللهِ لتُنزِلَ غَضبَهُ على الّذينَ يَعمَلونَ الشَّرَّ. (رومة 13: 4)

ويجب على الكنيسة المقدسة أَلَّا تستعمله، لأنه من المفروض أن يسيّرها روح واحد فقط هو روح المسيح، أي الروح القدس. فقد سحب الله روحه القدوس من غير المؤمنين لأنهم لم يطيعوه. وعوضا عن ذلك، فقد أعطاهم سيف الغضب، أيْ بمعنى الحكومة الدنيوية بقوتها العسكرية. إلّا أنّ المسيح نفسه، الذي هو مَلِك الروح، لا يَشهَرُون خدامه أيّ سيف في وجه الآخرين غير سيف الروح القدس.


ومع ذلك، فلا نريد الذهاب إلى أي شرطي أو جندي لنقول له: "ألقِ سلاحك الآن، وأمضِ في طريق المحبة والتتلمذ للمسيح". فلا يحقّ لنا فعل ذلك. ولا يجوز لنا فعل ذلك إلّا عندما يضع الروح القدس كلمة حيّة في قلوبنا، قائلا: "حان الوقت الحاسم لإخبار هذا الرجل". عندئذ سنتكلم معه، وفي اللحظة نفسها سيخبره الله. فما نخبره يجب أن يتفق مع ما يزرعه الله في قلبه في ذات الوقت. وإذا فهمنا هذا، سندرك أننا لا يمكننا الدخول دائما في حديث متعمّق مع أيٍّ مَنْ كان. فالإيمان ليس موهوبا لكل فرد، كما أنه ليس من اهتمامات كل إنسان في كل الأوقات. فيجب علينا أن ننتظر الساعة التي يحددها الله.


في زمن الإصلاح في القرن السادس عشر، قامت حركة إصلاحية مسيحية خالصة (الإخوة الهوتَريين Hutterians) الذين احتجوا بالآلاف ومن أعماق قلوبهم ضد سفك الدماء بجميع أنواعه. وكان زمن بالغ الأهمية لأن الهمجية وسفك الدماء كانتا قد وصلتا إلى درجات شنيعة لم يكن لها مثيل إلّا في زماننا المعاصر. وكانت هذه الحركة القوية للإخوة واقعية بالتأكيد. لأنهم لم يؤمنوا مطلقا بأنّ السلام العالمي أو ربيع الدنيا كان على وشك الحدوث. بل على العكس من ذلك، كان يوم الحساب يبدو قريبا جدا. فكانوا يتوقعون أن تتعظ الحكومات من تمرد الفلاحين ضد الظلم آنذاك وتتخذه كتحذير إلهي شديد اللهجة.

وسيكون تفكيرنا واقعي جدا إذا كنا نَعِي بأنّ العالم سيظلّ يستعمل السيف دائما. لكن هناك أمر آخر واقعي جدا ولا ريب فيه ألا وهو:
أنّ يسوع المسيح معصوم من أي سفك دم؛ فلا يمكنه أن يكون جلّادا أبدا.
فذاك الذي قد تمّ إعدامه على الصليب، لا يمكنه أبدا أن يعدم أحد.
وذاك الذي قد طُعِن جسده، لا يمكنه أبدا أن يطعن جسد أحد أو يؤذيه.
فهو لا يقتل أحد؛ وهو بنفسه قد قُتِل.
ولا يصلب أحد أبدا؛ وهو بنفسه قد صُلِب.

ويقول الإخوة (الهوتَريين Hutterians) أنّ محبة يسوع هي محبة المعدوم لقاتليه؛ يسوع الذي لا يمكنه أبدا أن يكون قاتلا أو جلّادا.


هل تكفي وحدها معارضة الحرب والعنف (Pacifism

أعتقد حقا أنه قد تمّ قول الكثير من الأشياء الصحيحة بشأن قضية السلام وتوحّد الأمم. ولكنني لا أعتقد بأنّ هذا يكفي. فإذا شعرتَ أنت بضرورة إجراء محاولة لتجنب أو لتأجيل حرب أوروبية واسعة النطاق، فلا يسعنا إلّا أن نبتهج كلنا لذلك. لكن ما يجعلنا نضطرب هو: هل ستنجح كثيرا في معارضتكَ لروحية الحرب الموجودة الآن، وفي هذه اللحظة بالذات:

فعندما يُقتل أكثر من ألف شخص ظلما وبدون أية محاكمة في ألمانيا الهتلرية، كما حدث في 30 يونيو 1934، أليست هذه حربا؟
وعندما تُسلب الحرية من مئات الآلاف في معسكرات الاعتقال وتُنتزع منهم كرامتهم الإنسانية، أليست هذهحربا؟
وعندما يُفنى الآلاف إلى سيبيريا ليجمدوا حتى الموت أثناء قيامهم بتقطيع الأشجار، أليست هذه حربا؟
وعندما يموت جوعا الملايين في الصين وروسيا بينما يبلغ المخزون الاحتياطي للقمح في الأرجنتين وغيرها من الدول ملايين الأطنان، أليست هذه حربا؟
وعندما يَرْذُلْنَ آلاف النساء أجسادهنّ في البغاء وتَفسَدُ حياتَهن من أجل المال، أليست هذه حربا؟
وعندما يُقتل ملايين الأطفال بالإجهاض سنويا، أليست هذه حربا؟
وعندما يُجبر الناس أن يشتغلوا كالعبيد لأنهم بالكاد يتمكنون من تزويد أولادهم بالخبز والحليب، أليست هذه حربا؟
وعندما يسكن الأثرياء في بيوت واسعة وفارهة ومحاطة بالحدائق بينما توجد عائلات في مناطق أخرى ليس لها ولو غرفة واحدة يسكنون فيها كلهم، أليست هذه حربا؟
وعندما يَفترِضُ أحد الأشخاص أنّ تأسيس حساب مصرفي ضخم جدا، له لوحده، هو من الأمور البديهية بينما يعاني غيره من المشقات ليكسب ما يكفيه من أساسيات الحياة، أليست هذه حربا؟
وعندما تَقتلُ السيارات ستين ألف نفس سنويا في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي تسير بالسرعة التي يستسيغها أصحابها، أليست هذه حربا؟


لا يمكننا تمثيل ذاك المبدأ السلمي (معارضة الحرب والعنف Pacifism) الذي يدّعي بأنه لن تُشنّ حرب بعد الآن. فهذا الادعاء ليس صحيحا؛ فالحرب قائمة لغاية يومنا الحاضر.

 ولا نؤيد ذاك النوع من المبدأ السلمي الذي يقول بأنه يجب على الدول العظمى أن يكون لها تأثيرا كبيرا جدا على غيرها لكي نتخلص من الحروب.
ولا ندعم القوات المسلحة للأمم المتحدة التي يريدون بها إخضاع الشعوب الصعبة المراس تحت المراقبة.
ولا نوافق على مبدأ سلمي يتشبث قادته بالجذور المسببة للحروب – مثل الممتلكات والرأسمالية - ويتوهمون بأنه يمكن تحقيق السلام في خضم الظلم الاجتماعي والتعددية الطبقية.
ثم إننا لا نوافق على مبدأ سلمي يحاول إبرام معاهدة سلام بينما تتحارب الدول على أرض الواقع بعضها مع بعض.
ولا نؤمن بمبدأ سلمي يُدار من قِبل رجال أعمال يسحقون الذين يتنافسون مع مصالحهم العملية.
ولا نؤمن بمبدأ سلمي إذا كانوا ممثليها لا يعيشون بسلام ومحبة حتى مع زوجاتهم.
ولا نؤمن بمبدأ سلمي من أجل المنافع التي ستعود علينا أو الفوائد التي سيستفاد منها بلدنا أو مصلحة عملنا.

فلما كان للمبدأ السلمي أنواعا متعددة جدا لا نؤمن بها، فمن الأفضل بنا أَلَّا نستعمل هذه التسمية بتاتا. ولكننا أصدقاء للسلام، ونود أن نساهم في إحلال السلام. قال يسوع: "هنيئًا لِصانِعي السَّلامِ!" (متى 5: 9) وإذا كنا نريد السلام حقا فيلزمنا أن نمثّله في كل مجال من مجالات الحياة. وعليه، فيجب أَلَّا نفعل شيئا يتناقض مع المحبة. وهذا يعني أنه لا يحقّ لنا قتل أيّ إنسان؛ ولا يحقّ لنا إيذاء أحد في مجال العمل ومصلحة العمل؛ ولا يحقّ لنا الموافقة على أسلوب الحياة الذي يعطي الطبقة العاملة مستوى معيشي أدنى من خريجي الجامعات.


لا نجد أي مكان قال فيه يسوع ولو كلمة واحدة تدعم المبدأ السلمي من أجل فائدته أو منافعه. لكننا وجدنا في يسوع أكبر سبب وجداني يستحق أن نحيا من أجله حياة كاملة من اللاعنف، وعدم إيقاع أي جرح أو أذى بأخينا الإنسان أبدا، لا جسميّا ولا روحيا. من أين جاء هذا التوجيه الروحي العميق الذي يعطينا إياه يسوع؟ أنّ جذوره كامنة في أعمق مكان في كيان الإنسان والتي بعضنا يتحسس بها لدى البعض؛ فيوجد أخ أو أخت في داخل كل إنسان، وأيضا شيء من نور الحقيقة، بالإضافة إلى نور الله وروحه القدوس.

 ومَنْ أحَبَّ أخاهُ ثَبَتَ في النُّورِ، فَلا يَعثِرُ في النُّورِ. (1 يوحنا 2: 10)

هناك من يسيء فهم يسوع كليا ويعتقد بوجود نوع من الرخاوة التي تنقصها الرجولة فيه. إلّا أنّ كلامه يثبت عدم صحة هذا الاعتقاد؛ فيقول يسوع أنّ طريقه سيؤدي بنا إلى أشرس المعارك، وليس إلى نزاعات روحية شديدة فحسب بل حتى إلى الموت الجسدي. والذي يبرهن على ذلك هو موته ومواقفه الاستشهادية كلها – فكان يواجه قوى القتل والكذب بجرأة لا تعرف الخوف وبكامل الثقة واليقين، كما يشهد لنا الإنجيل:

فقالَ: ((يا أبي، إنْ شِئْتَ، فأَبْعِدْ عنِّي هذِهِ الكأسَ! ولكِنْ لِتكُنْ إرادتُكَ لا إرادتي)). وظهَرَ لَه مَلاكٌ مِنَ السَّماءِ يقوِّيهِ. ووقَعَ في ضِيقٍ، فأجهَدَ نَفسَهُ في الصَّلاةِ، وكانَ عَرَقُهُ مِثلَ قَطَراتِ دَمِ تتَساقَطُ على الأرض. (لوقا 22: 42-44)


اُصبُرْ على الخطأ، لكن لا تقترفه

يقول القديس بولس الرسول (بما معناه): "كلوا ما يُقدم لكم ولا تسألوا من أين جاء هذا، حتى لو كان هناك احتمال وجود علاقة له بتقاليد وثنية بغيضة". فأهم ما في الموضوع هو أنك لم تشترك بالوثنية. (راجع 1كورنثوس 10: 25-31) وهذا أسلوب رائع في النظر في المشكلة...

فلو كان يسوع في السجن فسيكون استمراره في الإضراب عن الطعام أمر غير وارد بالمرة. لأن ذلك لا يتطابق مع طريقه. وإذا أُودعنا نحن في السجن وقدّمت لنا السُلطات وجبات طعام يومية، فينبغي لنا أن نقبلها كالأطفال. أما إذا طُلِب منا في السجن القيام بعمل يخدم الجيش خدمة مباشرة أو غير مباشرة، على سبيل المثال، وَجَبَ علينا رفضه عندئذ.

فالأمر واضح إذن أين يتعين علينا وضع حدّ فاصل. ويمكنني وضع الأمر بهذه الصيغة أيضا: اُصبُرْ على الخطأ، ولكن لا تقترفه. وإذا ترتب عليك أن تعاني من الظلم والإجحاف، فواجبك هو أن تبذل قصارى جهدك لمعارضته بالطريقة التي عارض بها يسوع عندما صلّى: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ".


الموت كما نعرف هو من أقوى أعداء الحياة. ولهذا نحن ضد قتل الناس. ثم إننا نعلم أنه إذا كان الشخص مستعدا داخليا للحياة الأبدية فلا يهم كثيرا سواءٌ توفي اليوم أو بعد ثلاثين سنة. لكن الموت بحد ذاته مهول جدا ولا رجعة فيه بحيث ليس لنا إلّا أن نولي سلطان الحياة والموت لله وحده.

لا تَنتَقِموا لأنفُسِكُم أيُّها الأحِبّاءُ، بَلْ دَعُوا هذا لِغَضَبِ اللهِ. فالكِتابُ يَقولُ: ((ليَ الانتِقامُ، يَقولُ الرَّبُّ، وأنا الّذي يُجازي)). (رومة 12: 19)

أما نحن فحاشا لنا أن نجسر على تقصير عمر أي إنسان. لأننا نرفض ارتكاب جريمة كهذه ضد حياة خلقها الله. وإذا آمنّا بأنّ الموت هو العدو الأخير الذي تغلّب المسيح عليه، فلا يمكننا الموافقة على خدمة الموت بواسطة قتل الناس.


 هذا المقال مقتطف من كتاب "ثورة الله"

sun shining on a city
هل لديك تعليق؟ تفضل وشارك المحادثة. 1 تعليقات
مساهمة من Eberhard Arnold اِيبرهارد آرنولد

يقول اِيبرهارد آرنولد، أننا نلمس فعلا في داخلنا جبروت الصليب وقدرته على خلق مجتمع مسيحي أخوي، مثلما نلمس في الوقت نفسه جبروت يسوع المسيح. لكن مع ذلك فإننا نجد أيضا في داخلنا كل ما يعارض المجتمع المسيحي، ويجب أن نكون على دراية تامة بهذه الحقيقة. فنحن ناس اجتماعيون تارة وغير اجتماعيين تارة أخرى. ثم إننا ضعفاء وأنانيون أيضا، ويوجد فينا ذاك الصراع ما بين الثقة وعدم الثقة، حيث جميعنا يؤمن ولا يؤمن...ولا يمكنك أن تعيش حياة دينية بصورة واقعية ما لم تدرك أن هذا الصراع موجود باستمرار.

تعرّف على المزيد
1 تعليقات