Morning over the bay

باركوا الذين يضطهدونكم

بقلم يوهان كريستوف آرنولد Johann Christoph Arnold

2 تعليقات
2 تعليقات
2 تعليقات
    أرسل
  • nancy

    فعلا الغفران والمحبه شئ مهم جدا وذلك لان فى بعض الاحيان عندما لا يستطيع الانسان ان يغفر او يحب يمرض بامراض نفسية لا علاج لها الا لجوئه الى المسيح

  • نهلة العوض

    لقد قرأت كتاب لماذا نغفر ليوهان كريستوف آرنولد، وهو من الكتب المفيدة جدا. وأنا شخصيا اعرف جيدا ما هو أن تغفر. لقد جربت ذلك كثيرا في حياتي حتى أني قد غفرت لمن خانني، وكذب علي قرابة الثلاث سنين. ولم ترتاح نفسي إلا بعد مسامحته والغفران له! إنه من أعظم الأفعال التي تريح النفس والروح والجسد.

يقف الإنسان في حيرة من أمره أمام بعض المسائل – بالأخص أمام ما نشهده من خطايا البشر - ويتساءل: هل يجب أن أستخدم القُوّة أم المحبّة المُتواضعة؟ ... قرِّر دائماً استخدام المحبة المُتواضعة! ... وإن صمّمت أن تفعل ذلك مرّة واحدة وللأبد، فرُبّما ستُخضع العالم كله لك. فالمحبّة المُتواضعة قويّة للغاية، ومن أقوى الأشياء، ولا يوجد شيء مثلها. قول من فيودور دوستويفسكي Fyodor Dostoevsky وهو من أكبر الكتاب الروس ومن أفضل الكتاب العالميين

قَالَ يسوع المسيح في الموعظة على الجبل إنّه يجب أن نحُبّ أعداءنا – وبالحقيقة أنه قال إنّه حتى يجب علينا أن ((نُبارك)) الذين يضطهدوننا. ولم تكُن هذه مُجرّد نظريّة، ولكنّه مبدأ أظهره يسوع بوضوح في كلماته على الصليب حين قال: "يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ." وصلّى اسطيفانوس، أوّل شهيد في المسيحيّة، صلاة مُشابهة لهذه عندما تعرّضت حياته لنهاية مأساويّة حين رُجِم بالحجارة حتى الموت إذ دعا لله من أجل قاتليه قائلاً: "يا رَبُّ، لا تَحسُبْ علَيهِم هذِهِ الخطيئَةَ!"

يسخر كثيرون من هذه الأفعال ويعتبروها حماقة مُدمّرة للنفس. فكيف لنا أن نُبارك هؤلاء الذين يسعون لإيذائنا أو وضع نهاية لحياتنا؟ عندما أعطيتُ نسخة من هذا الكتاب قبل طباعته لصديقي "موميـا أبو جمال وهو كاتب الانتقادات اللاذعة من الأميركيين الأفارقة الذي ينتظر تنفيذ حكم الإعدام بحقه في ولاية بنسلفانيا الأمريكية، كان ردُّ فعله كما يلي:

من السهل على الناس الذين يعيشون في مكان يشبه الجنّة أن يعظوا عن الغُفران عندما يكون لديهم ما يكفيهم من الطعام والمزارع والأراضي والبيوت الجميلة والمشروعات التجاريّة وما إلى ذلك. ولكن هل من العدل أن نقول إنّ من يعيشون في جُحور من الجحيم - بلا وظيفة ومُهدّدين بموت وشيك بسبب الجوع - أولئك الذين وصفهم الكاتب "فرانز فانون Frantz Fanon" في كتابه "تعساء الأرض The wretched of the earth"، أن يغفروا لملايين الناس الذين يتمتّعون بصحّة جيّدة ويدلون بأصواتهم لصالح هذه المجاعة؟ أو التصويت لصالح الحروب؟ أو التصويت لإقامة السجون؟ أو التصويت من أجل استمرار القمع ضدهم؟ هؤلاء الذين يتمنون من صميم قلوبهم لو لم يكن قد وُلِدوا في هذا العالم أصلاً؟ فهل سيغفرون لهم جزاء القمع الذي في انتظارهم؟ وعلى الإبادة الجماعية الآتية؟

من الأشخاص الذين رأوا أنّهُم يجب أن يغفروا كان "مارتن لوثر كنج Martin Luther King, Jr." الذي قال:"رُبّما لا تُوجد وصيّة من وصايا يسوع يصعُبُ تنفيذها مثل تلك الوصيّة التي تأمُرُنا أن نُحبّ أعداءنا." وقد كتب هذا في كتابه الذي كان من أفضل الكتب بيعاً في عام 1963 بعنوان "القُوّة لنُحِب". فيقول فيه:

لقد شعر بعض الناس أنّ المُمارسة الفعليّة لمحبّة الأعداء غير ممكنة. فيقولون إنّه من السهل أن تُحبّ هؤلاء الذين يُحبُّونك، ولكن كيف يُمكن للمرء أن يُحبّ هؤلاء الذين علناً وبكامل المكر يسعون لأن يهزمونه...؟
وحاشا لوصية محبة الأعداء أن تكون وصية حالم متديّن مثالي، بل هي ضرورة حتمية لبقائنا. فالمحّبة حتى لأعدائنا تُعتبر مُفتاحا لحلّ مُشكلات عالمنا. أنَّ يسوع هو ليس شخص مثالي غير عملي؛ إنه واقعي وعملي...
إنّ الرد على الكراهية بالكراهية يُضاعف من الكراهية، ويُزيد من سواد الليل الذي هو سلفاً خالٍ من النجوم. فالظلام لا يقدر على طرد الظلام؛ فالنور وحده القادر على ذلك. والكراهية لا تقدر على طرد الكراهية؛ فالمحبّة وحدها القادرة على ذلك. فالكراهية تضاعف الكراهية، والعنف يضاعف العنف، والقسوة تضاعف القسوة في دوامة جارفة على طريق الدمار...
أن المحبّة هي القُوّة الوحيدة القادرة على تحويل العدوّ إلى صديق. فلا يُمكن أن نتخلّص من أعدائنا عندما نقُابل كراهيتهم بكراهية؛ ولكنّنا نتخلّص من العدو بالتخلُّص من العداوة. فالكراهية بطبيعتها مُدمّرة ومُمزِقة؛ أمّا المحبّة بطبيعتها فتخلق وتبني. فالمحبة تغيّر الآخرين بقوة شافية.

Martin Luther King Jr.لقد كان التزام "كنج" بالمحبّة واتخاذها كسلاح سياسيّ نابع من إيمانه المسيحيّ، ولكن كان لديه أيضاً نزعة عملية في تفكيره. فقد عَلِم أنّه وكل زملائه الأمريكيين الأفارقة كان عليهم انتظار النتائج والعيش لعقود تالية في نفس المنطقة التي كانوا يُقيمون فيها حملاتهم للاعتراف بحقوقهم المدنية، والتي حرُموا منها لمائتي عام بسبب لون بشرتهم، لا غير. فلو سمحوا لأنفسهم بالشعور بالبغض عن المعاملة التي تلقونها، فسيتحوّل الأمر إلى عُنف وهذا من شأنه أن يؤدي ببساطة إلى مزيد من البغض والاستياء في المستقبل. وبدلاً من تهديم جدران الحقد العنصري، فسيصير بناءه أعلى. إن المغفرة لظالميهم هي الكفيل الوحيد لتحرير الأمريكيين الأفارقة – وأيضاً الأمريكيين البيض - من "الدوامة الجارفة نحو الدمار". فالغُفران وحده القادر على أن يشير إلى الطريق التي تقودنا إلى مُستقبل أكثر إشراقاً. فقد قال:

يجب أن نُنمّي قُدرتنا على الغُفران ونُحافظ عليها. فمن يخلو من قُوّة الغُفران، يخلو من قُوّة المحبة. ومن المستحيل أن يبدأ الشخص حتى في محبّة أعدائه دون قبول مسبّق بضرورة الغُفران ومسامحة الذين يمارسون، الشر والضرر علينا في كل مرة. ومن الضروري أيضاً أن ندرك أنّ الغُفران هو فعل يجب أن يبدأه الشخص المظلوم، أو الضحيّة التي تُعاني من جرح كبير، أو الشخص الذي تلقى ظُلماً فظيعاً، أو الشخص الذي تحمّل اضطهاداً شنيعاً. وربما يسألكم المعتدي لتغفرون له. ورُبّما يأتون بنفسهم، مثل الابن المُبَذّر (الابن الضال)، من الطريق المليء بالضياع، وقلوبهم تخفق عطشاً للحصول على الغُفران. ولكنّ الشخص المجروح والأب المنتظر في البيت هو وحده الذي يستطيع أن يسكب مياه الغُفران الدافئة.
والغُفران لا يعني تجاهُل ما تمَّ اقترافه أو إعطاء تسمية كاذبة لعمل شرير. ولكنّه يعني بالأحرى بأن الشرّ لا يعود يبقى كعائق في العلاقة. فالغُفران هو المحفّز الذي يخلق المناخ اللازم لبداية جديدة وصفحة جديدة...
نقول لأكثر خصومنا المريرين: "سنُقابل قُدرتكم على تعذيبنا بقُدرتنا على تحمُّل المُعاناة. وسنعمل على مقابلة قوتكم البدنية بقوة الروح. فافعلوا فينا ما تشاءون، ولكنّنا سنظلُّ نحبَّكُم. ولا يُمكننا أن نُطيع قوانينكم الظالمة بضمير صالح، لأنّ عدم التعاوُن مع الشرّ ضرورة أخلاقيّة تماماً مثلها مثل التعاون مع الخير. ألقوا بنا في السجون، ولكنّنا سنظلُّ نُحبّكم. أرسلوا الجناة الملثّمين إلى مُجتمعنا في مُنتصف الليل، اضربونا واتركونا نصف ميّتين، ولكنّنا سنظلُّ نُحبُّكم. ولكن كُونوا مُتأكّدين من أنكم ستنهكون من جراء قُدرتنا على تحمُّل الألم. ففي يوم من الأيام سنكسب حُريّتنا، ولكن ليس لأجلنا فقط. فسنناشد كثيراً قلوبكم وضمائركم بحيث أننا سنكسبكم في هذه العملية، وانتصارنا سيكون نصرا مزدوجا."

في ربيع عام 1965خرجتُ في مسيرة مع "مارتن لوثر كنج" في مدينة ماريون بولاية ألابالما، لأشهد بصورة مباشرة محبّته القلبية وتواضعه في مواجهة الظُلم الفظيع.
كنتُ أزور أصدقاء قدماء في معهد تُسكِجي Tuskegee في ولاية ألاباما عندما سمعنا بموت "جيمي لي جاكسون" وهو شابُّ أُطلق عليه الرصاص مُنذُ ثمانية أيّام مضت عندما اخترق رجال الشرطة مُظاهرة في إحدى الكنائس في مدينة ماريون. واندفعت قوات الشرطة المحلية من كل أنحاء مركز ولاية ألابالما لتجتمع في المدينة وضربت المُتظاهرين بالعصيّ أثناء تدفقهم بالشوارع.

وقد وصف المُتفرّجون المشهد بأنّه كان فوضى تامة حيث قام الناس البيضُ الذين كانوا يتفرجون بتحطيم كاميرات الصحافة وكسر مصابيح الشوارع، في الوقت الذي كانت قُوّات الشُرطة تهاجم الرجال والنساء بوحشّية، واستمرّ بعضهم في الركوع والصلاة على درج كنيستهم. وكانت جريمة "جيمي" أنّه اعترض ضابط الشرطة الذي كان يضرب والدته بلا رحمة. وكان عقابُه أن يتمّ إطلاق الرصاص عليه في معدته ويلقى ضربة بالعصا على رأسه ليوشك على الموت. ورفضت المُستشفى المحليّة دخوله، لذلك نُقل إلى مدينة "سيلمة Selma" في ولاية كاليفورنيا حيث استطاع أن يُخبر الصحفيين بقصّته. وقد مات بعد عدّة أيّام.

وفور سماعنا بموت "جيمي" ذهبنا إلى مدينة "سيلمة". وكانت معاينة الفقيد في المُصلّى الصغير لكنيسة منطقة براون حيث كان التابوت مفتوحاً ولكن على الرغم من أنّ الطبيب القانوني بذل قصارى جهده لكي يُخفي جروح جيمي إلاّ أنّه لم يستطع إخفاء الجروح التي في رأسه: فقد كانت هناك ثلاث ضربات قاتلة، كلّ منها بعرض بوصة وبطول ثلاث بوصات أحدها يمرُّ فوق أُذنه والأخرى في قاع الجُمجمة والأخيرة في أعلى رأسه.

وحضرنا الجنازة هناك بعدما تأثّرنا بالموقف بشدّة، حيث كانت الأولى من جنازتين. وكانت القاعة تعجُّ بحوالي ثلاثة آلاف شخص (كثيرون غيرهم كانوا يقفون بالخارج)، أما نحن فجلسنا على عتبة شُبّاك في الخلف. لم نسمع أي تعليق عن الغضب أو الانتقام في تلك الجنازة، بل انتشرت روح التشجيع بين الحاضرين وبصفة خاصة عندما رنّموا ترنيمة العبيد القديمة: "لن أسمح لشخص أن يُبعدني عما أريد Aint gonna let nobody turn me round."

وفيما بعد كان الجوُّ السائدُ في كنيسة صهيون النظاميّة (لطائفة النظاميين Methodists) في ماريون أكثر هدوءاً وبكل ما في الكلمة من معنى. فقد كان هناك صفُّ طويل من قُوات الشرطة المحلية يقفون في ساحة محكمة المدينة في الجهة المقابلة من الشارع، وأيديهم تمسك بعصي ومركزين نظرهم علينا. كانوا هُم نفس الرجال الذين هاجموا السود في مدينة ماريون منذ عدة أيام قليلة. وتجمع جمهور البيض في منطقة قريبة من المبنى العام للمدينة ولم يكونوا أقلّ رُعباً. وقد قاموا بمسح كامل للمنطقة بالنواظير والكاميرات وصورونا بالكامل بحيث شعر كل واحد منا بأنه تمَّ وضع علامة عليه.

وعند المقبرة، تحدث "كنج" عن الغُفران والمحبّة. وناشد شعبه أن يُصلوا من أجل رجال الشرطة، وأن يغفروا للقتلة، وأن يغفروا لهؤلاء الذين يضطهدونهم. ثم أمسكنا بعضنا بأيدي بعض ورنمنا "سنغلب We shall overcome". كانت لحظاتٌ لا يُمكن نسيانها. فإن كان هناك مكان في العالم له جميع الدواعي ليحقد وينتقم فسيكون هذا المكان. غير أننا لم نحسّ مطلقاً بشيء من هذا القبيل ولا حتى من طرف أهل "جيمي".

كان الذهاب إلى "سيلمة" محفوفاً بالمخاطر فبعد أربعة أيام فقط من الجنازة تواجهت الشرطة الخيّالة مع متظاهرين كانوا في طريقهم الى مدينة مونتجمري واستعملوا الغازات المُسيلة للدموع حيث اندفعوا بخيلهم نحو المتظاهرين وأسقطوهم أرضاً وضربوهم بلا رحمة. وبعد مُضيّ يومين من هذا الحادث تعرّض قسيس أبيض "جيمس ريب" من مدينة بوسطن للضرب في مركز مدينة "سيلمة"، ومات مُتأثّراً بجراحه بعد يومين. وخلال الثلاثة أسابيع التالية لقت "فيولا ليوزو" وهي سيّدة بيضاء من مدينة ديترويت مصرعها بطلق ناريّ عندما كانت تُقلُّ رجلاً أسود من مظاهرة. (لقد فعلنا نحن أيضاً الأمر نفسه قبل أسبوع واحد فقط من تلك الحادثة، عندما أوصلنا ثلاثة سيدات كُنّ بحاجة إلى وسيلة مواصلات تُقلهُّم إلى ماريون.)

بعد عدّة سنوات تأثّرت بشدّة عندما قرأت عن غُفران أولاد مدارس "سيلمة" في نفس تلك الأيام من فبراير ومارس 1965. فقد نظم التلاميذ مسيرة سلميّة بعد انتهاء دوام المدرسة وإذا بمأمور البلدة السيئ السمعة "كلارك" يصل. وبدأ هو وتابعيه في دفع التلاميذ ونخسهم، وحالاً أُجبِر التلاميذ على الركض باتجاه معين. فاعتقد الفتيان والفتيات في البداية أنّ رجال الشُرطة يدفعونهم إلى توقيف البلدية لحجزهم، ولكنّهم سرعان ما اكتشفوا أنّهُم مُتّجهين إلى مُعسكر السجن على بُعد خمسة أميال من المدينة. ولم يهدأ رجال الشرطة إلاّ عندما أخذ الأولاد بالتقيؤ. وفيما بعد ادّعت الشرطة أنّها أرادت أن تنهك "حُمى المظاهرات" في "سيلمة" للتخلص منها للأبد.

بعد عدّة أيّام من تلك الحادثة نُقل المأمور "كلارك" إلى المستشفى بسبب إصابته بآلام في الصدر. والأمر الذي لا يمُكن تصديقه هو أن أولاد المدارس في "سيلمة" نظّموا مُظاهرة ثانية خارج المحكمة وهذه المرّة مرتلين الصلوات ورافعين لافتات تدعو للشفاء العاجل.

هذا المقال مقتطف من كتاب"لماذا نغفر؟"

  Martin Luther King portrait
2 تعليقات