Morning over the bay

اِفرَحوا دائِمًا في الرَّبِّ!

كيف نفرح في الرب؟

بقلم كريستوف فريدريش بلومهارت Christoph Friedrich Blumhardt

2 تعليقات
2 تعليقات
2 تعليقات
    أرسل
  • سعيد الشاطر

    ممتاز

  • عبدالرحمن

    في ظل هذا التشرذم و التفكك الرهيب الذي نعيشه اليوم و نحياه ، و نحن نتمتع بكامل قوانا العقلية و الجسدية ؛ من أوجب الواجبات علينا أن نسعى دائبين في إيصال هذا الكلام للبشرية جمعاء ، و لكن قبل ذلك أو في خضم هذا الأمر يجب على كل واحد منا أن يجسد ملكوت الله في نفسه ، نعم؛ أن يجسد ملكوت الله في نفسه أولا ، و ذلك أن لسان الحال أبلغ من لسان المقال ، افتح الكتاب المقدس تجد فيه قول المسيح - و أنا الآن أكتب من ذاكرتي - : " لاتزن ، لا تسرق ، لا تكذب ، لا تشهد بالزور ، أطع أباك و أمك . . . " ثم أغلق الكتاب ؛ فإذا حدثت الناس يجب عليك أن لا تكذب ، و هكذا مع سائر التعاليم و الأوامر المقدسة ، فإن أنت فعلت ذلك تكون مجسدا لملكوت الله على هذه الأرض ، نعم؛ على هذه الأرض ، هل تعتقد بأن الفلاح في تعليقك الصليب على عنقك؟ أو في ذهابك إلى الكنيسة يوم الأحد؟ بينما أنت تخالف الكتاب المقدس في كل شيئ ، و لعلك لم تقرأ الكتاب المقدس قط ، إن الحقيقة التي أعيشها أنا اليوم هي أنني أصبحت لا أريد كلاما نظريا بل أريد أعمالا في سبيل إرادة الله ، و في هذه النقطة وحدها يكمن الفلاح ، نعم أنا أشاطرك الرأي في أنك لو التزمت المسيحية علما و عملا ، قلبا و قالبا ؛ فإنك ستتهم بالغباء ، و السبب هو أنك تحيا مع مسوخ بشرية ، فأنت تعيش اليوم مع هجين ممسوخ ، و ليكن في علمك يقينا أنك بهذا العمل سوف تنتشل هذه المسوخ البشرية من أوحال الرذيلة إلى سماء الفضيلة ، و لن يكون هذا الأمر إلا بعملك أنت و بهذا نستطيع أن نجسد ملكوت الله و شكرا

اِفرَحوا دائِمًا في الرَّبِّ، وأقولُ لكُم أيضًا: اِفرَحوا! ليَشتَهِرْ صَبرُكُم عِندَ جميعِ النـاسِ. مَجيءُ الرَّبِّ قَريبٌ وسَلامُ اللهِ الّذي يَفوقُ كُلَّ إدراكٍ يَحفَظُ قُلوبَكُم وعُقولَكُم في المَسيحِ يَسوعَ. (فيلبي 4: 4- 7)

يجب أن نفرح في الرب. لكن لماذا؟ لابد من وجود سبب لهذا الفرح، ليس مجرد سبب نظري بل واقعي. فلابد أن يكون لدينا شيئا ملموسا لكي نفرح فيه، لا في أي شيء كان بل في المسيح. وهذا لا يعني بالضرورة بأن غيرها من الأفراح يجب أن تؤخذ منا، بل أن هذه الأفراح ليست مثل تلك التي تدوم. فكل ما يحدث على هذه الأرض من أمور تفرحنا لوهلة من الزمن يكون عمرها قصير جدا. فمهما كانت الأفراح الدنيوية الأرضية فهي مجرد أمور وقتية لأن المزاج والطباع المرحة تملأ قلوبنا وتزول سريعا. وإلى جانب تلك الطباع المرحة يوجد أيضا الكثير من الأحزان، الناجمة عن شتى أنواع البؤس.

هناك الكثير من الاضطرابات والمستقبل المجهول والكثير من عدم السلام والجزع والخشية في هذا العالم. ولا يمكننا أن نتوقع أن يكون لنا فرحا ثابتا على طول الخط، على الأقل ليس بالأسلوب نفسه الذي يتوقعه العالم. فيجب أن نكون مستعدين دائما لزوال الفرح. ومع ذلك ومن ناحية أخرى، لا يسعنا أن نحيا حياة حقة بدون فرح مستمر، وفرح يدوم. فيلزمنا أن نبحث عن هذا الفرح. ونتطلع إليه في المسيح لأن فيه انفتح أمامنا مستقبل جديد وهدف جديد.

فهذا ما كان يعنيه قول: «مَجيءُ الرَّبِّ قَريبٌ». كما أنه يعبر عن مكان الهدف ألا وهو: هنا على الأرض. فلنفرح في المسيح الذي هو رب السلام لأننا سنرى أيضا الخير معه على هذه الأرض. فها هو ملكوت المستقبل أمام أعيننا. وقد تأسست هذه الحقيقة تأسّسا راسخا جدا بحيث يمكننا أن نتمسك بها ونبقى فرحين في هذا الرجاء. فهذا ما يتوقف عليه إيماننا، وهذا الإيمان يخلق فينا حزم وصلابة كالمعادن. وهو الذي يجعلنا في تَحـَدٍ مع العالم كله، بحسب ما يبدو وضعه اليوم.

وليس هذا الإيمان مجرد «معتقد» بالله، لأن الإيمان الحقيقي هو الوعي الفطري والطبيعي بالله. ولا هو «معتقد» بالمسيح لأن هذا «المعتقد» يتبدل ليصير إدراكا وجدانيا متيقنا كالآتي: نعلم علم اليقين أن المسيح موجود. غير أن مغزى الإيمان هو أننا سنتغير ونستقيم بفضل الله وبفضل المسيح وبفضل الروح القدس. فهذا هو إيماننا. لأن إيماننا يطمح إلى خلق شيء ما، فهو يطمح لأن يخلق ما كان يجاهد في سبيله المجتمع البشري بأسره منذ آلاف السنين. ولن يكون لنا أساسا إن كان إيماننا في ملكوت الله لا يؤمن أيضا بسعادة الإنسان وسروره. وإلا سيقال عن إيماننا بأنه زائف وضيق الأفق ومُمِلّ وضعيف وجبان ومليء بالشك والخوف. وسنكون عندئذ ناس مزعزعين غير ثابتين ومترددين.

لو تجرّأَنا نحن البشر الفانيين على الإيمان بأننا ما زلنا قادرين على تمثيل ما هو صحيح وحق أمام الله والبشرية على هذه الأرض، ولو وضعنا ذلك نصب أعيننا، لأصبحنا راسخين في إيماننا وفي حياتنا. وهذه ليست إرادة الله فحسب بل أيضا رغبة وتعطش قلوبنا. لأن هذا الأيمان يجعلنا ثابتين غير مزعزعين ويحولنا إلى ناس أشداء، كما يوصينا الإنجيل:

لِهَذَا السَّبَبِ أُنَبِّهُكَ أَنْ تُلْهِبَ نَارَ مَوْهِبَةِ اللهِ الَّتِي فِيكَ بِوَضْعِ يَدَيَّ عَلَيْكَ. فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَانَا لاَ رُوحَ الْجُبْنِ بَلْ رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْبَصِيرَةِ. ( 2 تيموثاوس 1: 6- 7).

نعم هذا صحيح وحق؛ فليس الهدف من وجود البشر أن يكونوا مخلوقات بائسة. فلن يتبدد نسل الله في الحزن وفي البؤس إلى الأبد. ويكمن هذا الشوق في صميم قلوبنا وهو جزء من قلب كل إنسان ولا يمكن أن ينزعه أحد منه.

أما المتدينون فيحاولون استخدام أسلوب مختلف. فهم يسعون إلى مستقبل البشرية خارج نطاق الأرض ويريدون أن يجعلوا الناس سعداء بالأمور الخارقة للطبيعة. بالتأكيد إن هذا الأسلوب يعتبر مصدر قوة للبائسين المحتارين وليس في يدهم أية حيلة، فيقولون: «ستنتهي في يوم من الأيام كل هذه المعاناة، وسأموت وسأرتاح. وسأكون وقتذاك في يدي الله». لكن لم ينتج مطلقا عن هذا الأسلوب قوة تدوم. ولم يؤدِ مطلقا إلى حياة مفعمة بالنشاط والحيوية ومليئة بالحرارة. فلو لم تكن نهاية هذا البؤس أكيدة جدا، لصار من حقنا أن نشكّ فيما إذا كنا سنفرح في الرب حقا. لكن حينما أتذكر كل الذين جاءوا وتحدثوا معي عن الله وعن المسيح وعن ملكوت السماوات، فأنا بالحقيقة على يقين من أن السؤال التالي يشغل كل واحد منهم: ألا يمكنني أن أحصل على المعونة الآن، هنا، في حياتي؟ فكم مرة سمعتُ الناس يقولون:

ألا يوجد إله في السماء؟ لا بمعنى أنه سيباركني فيما بعد في المستقبل، لكن لكي يعينني في هذه الأرض، لأفرح وأتحرّر من خطاياي، ولأصبح فعلا رجلا حقيقيا أو امرأة حقيقية.

فنرى هذه الصرخة تصلنا من ملايين القلوب.

ليت شخصا واحدا يتلهف على الحق وعلى بهجة الحياة ليلعبا أقصى دور لهما في حياته - بدلا من الحزن والغمّ، وبدلا من البؤس وحياة الخطيئة والفساد - فسنرى عندئذ هذه الصرخة تعلو من ملايين القلوب الأخرى. وسيتسنى لنا آنذاك إعلان: «نعم، أنت على حق، وبإمكانك الإيمان بهذا، ولما كان الله موجودا، فأنت محقّ عندما لا تقرّ بأن شكل المجتمع الحالي هو أقصى ما يمكن الوصول إليه. كما يقول الله في الكتاب المقدس:

«وها أنا أخلُقُ سماواتٍ جديدةً وأرضًا جديدةً، فلا تُذكَرُ السَّالِفةُ ولا تَخطُرُ على بالٍ. فاَفرَحوا واَبتَهِجوا إلى الأبدِ بما أخلُقُ لأنِّي أخلُقُ أورُشليمَ بهيجةً وشعبَها فرِحًا. وتكونُ بهجةُ أورُشليمَ بَهجتي وفرَحُ شعبِها فرَحي. ولن يُسمَعَ فيها صوتُ بُكاءٍ ولا صوتُ صُراخ، ولن يكونَ هُناكَ طِفلٌ يموتُ بَعدَ أيّامِ ولا شيخ لا يَستَكمِلُ أيّامَهُ وهيَ مِئةُ سنَةٍ، فإنْ ماتَ قَبلَ ذلِكَ يكونُ خاطِئًا ومَلعونًا. ويبني الشَّعبُ بُيوتًا ويَسكُنونَ فيها، ويَغرِسونَ كُرومًا ويأكُلونَ ثمرَها. لا يبنونَ ويسكُنُ آخرُ، ولا يغرِسونَ ويأكُلُ آخرُ. فأيّامُ شعبي طويلةٌ كأيّامِ الشَّجرِ، ولأنِّي اَختَرتُهُم يتَمَتَّعونَ بأعمالِ أيديهِم. لا يَتعَبونَ باطِلاً ولا يلِدونَ لحياةِ الرُّعبِ، لأنَّهُم نَسلُ الذينَ بارَكْتُهُم معَ ذُرِّيَّتِهِم. قبلَ أنْ يدعوني أُجيبُ، وفيما هُم يتكَلَّمونَ أستَمِعُ. الذِّئبُ والحمَلُ يرعَيانِ معًا، والأسدُ كبقَرٍ يأكُلُ التِّبْنَ. أمَّا الحَيَّةُ فالتُّرابُ يكونُ طَعامَها. لا يَضُرُّونَ ولا يُفسِدونَ في جبَلي المُقدَّسِ كُلِّهِ». هكذا قالَ الرّبُّ. (إشعيا 65: 17-25).

وأنت محقّ أيضا عندما تؤمن بأنه سوف يوجد في يوم من الأيام مجتمع كنيسة متقاسم مقاسمة كلية على الأرض، بمعنى مجتمع من رجال ونساء يسوده السلام والبهجة. فأنت على حقّ. آمِنْ بذلك! فكما أن الله موجود حقا في السماوات، وكما أن المسيح قد وُلِد بالتأكيد، وكما أن بشارة الإنجيل قد تم التبشير بها فعلا، فبهذا اليقين أيضا سوف يوجد ملكوت الله على الأرض! لذلك آمنوا وأعقدوا الآمال على هذا الملكوت، حتى لو كان اكتمال تحقيقه ما زال في انتظارنا».

أما للذين يثبتون أنظارهم على هذا الملكوت، فهو بالنسبة لهم لا يُعتبر للمستقبل فقط؛ فهو آخذٌ سلفا بالتجسّد في وقتنا الحالي. إنه موجود، لأن هذا الإيمان يشكل اليوم مجتمعا أخويا من رجال ونساء، مجتمعا فيه الناس بعضهم يقوي بعضا في سبيل تحقيق هذا الهدف. فكيف يكون الإيمان ممكنا بدون مجتمع كهذا؟ لأن ملكوت الله تلزمه سفارة تمثله مكونة من مجتمع بشري. ويدعو القديس بولس الرسول هذا المجتمع بأنه جسد المسيح، الذي فيه المسيح هو الرأس:

وكما أنَّ الجَسَدَ واحدٌ ولَه أعضاءٌ كثيرَةٌ هِيَ على كَثْرَتِها جَسَدٌ واحدٌ، فكذلِكَ المَسيحُ. فنَحنُ كُلُّنا، أيَهودًا كُنَّا أم غَيرَ يَهودٍ، عبيدًا أم أحرارًا، تَعَمَّدنا بِرُوحِ واحدٍ لِنكونَ جَسَدًا واحدًا، وارتَوَيْنا مِنْ رُوحٍ واحدٍ. وما الجَسَدُ عُضوًا واحدًا، بَلْ أعضاءٌ كثيرةٌ. فَلَو قالَتِ الرِّجْلُ: «ما أنا يَدًا، فَما أنا مِنَ الجَسَدِ؟» ولَو قالَتِ الأُذُنُ: «ما أنا عينًا، فما أنا مِنَ الجَسَدِ»، أتَبطُلُ أنْ تكونَ عُضوًا في الجَسَدِ؟ فلَو كانَ الجَسَدُ كُلُّهُ عينًا، فأينَ السَّمعُ؟ ولَو كانَ الجَسَدُ كُلُّهُ أذُنًا، فأينَ الشَّمُّ؟ ولكِنَّ اللهَ جعَلَ كُلَّ عُضوٍ في الجَسَدِ كما شاءَ. فَلَو كانَت كُلُّها عُضوًا واحدًا فأينَ الجَسَدُ؟ ولكِنَّ الأعضاءَ كثيرةٌ والجَسَد واحدٌ. فلا تَقدِرُ العينُ أن تَقولُ لِليَدِ: «لا أحتاجُ إلَيكِ». ولا الرَّأْسُ لِلرِّجلَينِ: «لا أحتاجُ إلَيكُما!» فما نَحسبهُ أضعفَ أعضاءِ الجَسَدِ هوَ ما كانَ أشَدَّها ضرورَةً، وما نَحسبهُ أقَلَّها كَرامَةً هوَ الّذي نَخُصُّهُ بِمَزيدٍ مِنَ التَّكريمِ، وما نَستَحي بِه هوَ الّذي نَخُصُّهُ بِمَزيدٍ مِنَ الوَقارِ. أمَّا الأعضاءُ الكريمَةُ، فلا حاجَةَ بِها إلى ذلِكَ. ولكِنَّ اللهَ صنَعَ الجَسَدَ بِطريقةٍ تَزيدُ في كرامةِ الأعضاءِ الّتي بِلا كرامةٍ،  لِئَلاَّ يَقعَ في الجَسَدِ شِقاقٌ، بَلْ لِتَهتَمَّ الأعضاءُ كُلُّها بَعضُها بِبَعضٍ. فإذا تألَّمَ عُضوٌ تألَّمَت معَهُ جميعُ الأعضاءِ، وإذا أُكرِمَ عُضوٌ فَرِحَتْ معَهُ سائِرُ الأعضاءِ. فأنتُم جَسَدُ المَسيحِ، وكُلُّ واحدٍ مِنكُم عُضوٌ مِنهُ. (1كورنثوس 12: 12- 27).

ويدعوه يسوع أيضا بِناء، حيث أن كل حجارة فيه تتماشى مع الحجارة التالية حتى يصبح البناء كاملا:

فاقتَرِبوا مِنَ الرَّبِّ، فهوَ الحَجَرُ الحَيُّ المَرفوضُ عِندَ النّاسِ، المُختارُ الكريمُ عِندَ اللهِ. وأنتُم أيضًا حِجارَةٌ حَيَّةٌ في بِناءِ مَسكِنٍ رُوحِيٍّ، فكونوا كَهَنوتًا وقَدِّموا ذَبائِحَ روحِيَّةً يَقبَلُها اللهُ بِيَسوعَ المَسيحِ. فالكِتابُ يَقولُ: «ها أنا أضَعُ في صِهيونَ حجَرَ زاويَةٍ كريمًا مُختارًا، فمَنْ آمَنَ بِه لا يَخيبُ». فهوَ كريمٌ لكُم أنتُمُ المُؤْمِنينَ. أمَّا لِغَيرِ المُؤْمِنينَ، فَهوَ «الحَجَرُ الّذي رفَضَهُ البَنّاؤونَ وصارَ رَأْسَ الزّاويَةِ»، وهوَ «حَجَرُ عَثرةٍ وصَخرَةُ سُقوطٍ». وهُم يَعثِرونَ لأنَّهُم لا يُؤمِنونَ بِكلِمَةِ اللهِ: هذا هوَ مَصيرُهُم! أمَّا أنتُم فَنَسلٌ مُختارٌ وكَهَنوتٌ مُلوكِيٌّ وأُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ وشَعبٌ اقتَناهُ اللهُ لإعلانِ فَضائِلِهِ، وهوَ الّذي دَعاكُم مِنَ الظُّلمَةِ إلى نورِهِ العَجيبِ. وما كُنتُم شَعبًا مِنْ قَبلُ، وأمَّا اليومَ فأنتُم شَعبُ اللهِ. كُنتُم لا تَنالونَ رَحمَةَ اللهِ، وأمَّا الآنَ فنِلتُموها. وأطلُبُ إلَيكُم، أيُّها الأحِبّاءُ، وأنتُم ضُيوفٌ غُرَباءُ في هذا العالَمِ، أنْ تَمتَنِعوا عَنْ شَهَواتِ الجَسَدِ، فهِيَ تُحارِبُ النَّفسَ. ولتكُنْ سيرَتُكُم بَينَ الأُمَمِ سِيرَةً حسَنَةً حتّى إذا اتَّهَموكُم بِأنَّكُم أشرارٌ، نَظروا إلى أعمالِكُمُ الصّالِحَةِ فمَجَّدوا اللهَ يومَ يتفقَّدُهُم. (1بطرس 2: 4- 12).

كما يدعوه السيد المسيح قطيعه الصغير، حيث يحب الكل بعضهم بعضا، وحيث يرعى كل فرد فيهم الآخرين وحيث يرعى الجميع كل فرد فيهم. وعندما ندرك أننا مجاهدون في سبيل المستقبل، فلابد للأرض أن تشرق عن طريقنا. ونعلم بما نؤمن به. لذلك نشهد لما نؤمن به؛ وبالتالي، نعيش بحسب ما نؤمن به. وهكذا يجيء ملكوت الله إلى الزمان الحاضر. ويجيء الآن مثلما سوف يجيء في المستقبل.

وبغية تشكيل مجتمع كهذا أساسه المسيح، فلابد من وجود ناس مصممين على ذلك الآن، ناس أحرار الآن، ناس مسرورين ومتحررين من القلق والاكتئاب الآن. فمنذ البداية وعندما بدأ الرسل يبشرون، كان هناك سعي للحصول على ذلك التحرر من الهمّ والحزن والقلق. لكن لا تسيئوا فهم هذا الموضوع. ودعوني أخبركم أنه من الحماقة أن تقول لأخيك الإنسان: لا تهتمّ! وهو يعيش بمفرده تماما، معزولا في العالم، ولا يبالي أحد به، وعندما تجري إساءة معاملته واجتنابه، وعندما يجري إقصائه من كل ما يضفي الكرامة الإنسانية على الحياة، وعندما لا يكون له أي دور أو أية مهمة يقوم بها في المجتمع سوى كسب رمق عيشه بكثير من القلق والكدح وتحمّل الأعباء، لذلك، فإن الأمر يعتبر خطيئة لو قلتَ له: لا تهتمّ!»

يقال اليوم عن الملايين ببرود وبقلب فاتر: «يجب أن لا يقلقوا. فلو أنهم عملوا سيكسبون أجرهم». فالذين يتكلمون بهذا الأسلوب، تراهم يمرون من جانب هؤلاء المحتاجين دون أن يعيروا ذرة اهتمام بهم. وما زالت أغلبية الطبقة العاملة بدون وظائف تليق بالكيان الإنساني. ويعيشون حياتهم بصورة مشتتة وممزقة ومعزولة. فما أتعس الحياة حينما يتحتم على المرء أن يشحذ أو أن يعمل بوظيفتين لمجرد سد حاجته. لكن وبالرغم من ذلك، نرى العدد الهائل من الناس المجبورين على ذلك! فما أحقر حياة كهذه حينما يريد المرء من جهة الوفاء بالتزاماته الإنسانية وأن يكون إنسانا محترما بينما ليس بوسعه من الجهة الثانية أن يدفع ضرائبه أو فواتيره أو يعجز عن خدمة المجتمع بأي أسلوب هادف. فكيف لي أن أقول لمثل هذا الشخص: «لا تهتمّ». يا له من فتور قلب!

على العكس، فإن العالم اليوم قد غرق كله في الكثير من القلق والهموم بما في ذلك الدول الثرية. أما في إطار المجتمع والنظام الاجتماعي المنبثق من السيد المسيح، فيمكن للقلق وللهموم وللمخاوف أن تتوقف بل يجب عليها ذلك. فهناك يجب أن يهتم بعضنا ببعض. وعندما قال الرسول بولس: «لا تهتمّوا»، فهو يسلّم بأن هؤلاء الناس متحدون معا برباط التضامن والتعاضد بحيث لا أحد منهم يقول بَعْدُ: «هذا لي»، بل يقول الجميع: «يجب أن يزيل تضامننا، ورباطنا، كل قلق وكل همّ. ويجب على كل ممتلكاتنا التي نتشارك بها أن تكون مصدر عون لكل فرد فينا، وبالتالي تخلّصنا من الهموم».

وبهذه الطريقة يأتي ملكوت السماوات. فهو يأتي أولا في قطيع صغير من الناس المتحررين من الهموم. وهكذا يعلمنا يسوع:

لذلِكَ لا تَهتمّوا فتقولوا: ماذا نأكُلُ؟ وماذا نشرَبُ؟ وماذا نَلبَسُ؟ ... فاَطلبوا أوَّلاً مَلكوتَ اللهِ ومشيئَتَهُ، فيزيدَكُمُ اللهُ هذا كُلَّه. (متى 6: 31 و 33).

فمنذ البداية، ومنذ ولادة المسيح، كان الناس يسعون إلى تحقيق مجتمع كهذا، أي بمعنى جماعة تتسم علاقات أفرادها بسمات الملكوت، ومتحررة من القلق والهموم. فهناك قوة جسيمة يستمدها الناس حينما بعضهم يؤازر ويعاون بعضا، وحينما يتحدون معا في أسلوب معيشي مشترك. وهكذا تتلاشى فكرة الملكية الخاصة، ويرتبط الناس بشدة معا في الروح القدس بحيث يقول كل منهم: «إن ما أملكه هو مُلكٌ للآخرين، ولو وقعت في حاجة أو ضيق، فسوف يساعدني الآخرون». ومثلما ما يوصينا الإنجيل:

لا أَعني أنْ تكونوا في ضِيقٍ ويكونَ غَيرُكُم في راحَةٍ، بَلْ أَعني أنْ تكونَ بَينَكُم مُساواةٌ، فيَسُدُّ رَخاؤُكُم ما يُعوِزُهُمُ اليومَ، حتّى يسُدَّ رخاؤُهم ما يُعوِزُكم غدًا، فتَتِمَّ المُساواةُ. فالكِتابُ يَقولُ: «الّذي جَمَعَ كثيرًا ما فَضَلَ عَنهُ شيءٌ، والّذي جمَعَ قليلاً ما نَقصَهُ شيءٌ». (2 كورنثوس 8: 13- 15).

فمثل هذا التلاحم الأخوي القوي والوقوف الثابت جنبا إلى جنب والمطلق - بلا حدود - فيما بين الإخوة والأخوات ضمن الجماعة المسيحية في حياة متقاسمة مشتركة حيث كل فرد يتحمّل مسؤولية رعاية غيره من الأفراد الآخرين في مجتمع الكنيسة، ففي مثل هذه الحياة يمكنك حقا أن تقول: «لا تهتمّ».

لقد كانت هناك محاولات عديدة باستمرار ليعيش الناس حياة مسيحية مشتركة على هذا النحو. إلا أن ظهورها إلى حيز الوجود لم يكتمل تماما قط. وهذا هو السبب الذي أودى بالمسيحية إلى هذا الضعف الشديد على عكس ما قصده المسيح لها. وللتأكد من ذلك، نرى الناس وعلى مر العصور قد عرفوا أن هذا البناء الاجتماعي الذي لا يقلق ولا يهتمّ فيه المرء هو بالحقيقة إرادة المسيح الأصلية. لقد أوصانا المسيح بأن لا نسعى وراء غنى وأمجاد العالم. وقال هذا بالتحديد لأنه سلّم بأن شعبه المتّحد سيكون له دائما سبل الحياة الضرورية. وأخبر أتباعه بأن وحدتهم في المحبة وأسلوب حياتهم الذي يعتمد على المشاركة سيوفر لهم ما يكفيهم من ملبس ومأكل.

وكان الناس دائما يعتبرون المجتمع بأنه يجب أن يكون على هذه الشاكلة الأخوية المتشاركة. لكن بسبب عدم اكتمال حدوثه، فقد تخلوا عنه في آخر أمرهم واستبدلوه بما يسمى بالجمعيات الخيرية، حيث يقدم أولئك الميسورين وبدافع الصدقة شيئا يسيرا للفقراء. وهكذا كان الحال دائما. فيجد العديد من الناس طرقا ووسائلا للتصدُّق على الفقراء بما يفيض عن حاجتهم - هنا وهناك. لكن هذا ليس ما يريده يسوع المسيح. فالعكس صحيح تماما! فلو ألقينا نظرة فاحصة على الواقع، لرأينا مدى الهمّ والقلق الناتجين عن العديد من المؤسسات الخيرية اليوم. فنرى أن الملايين من الناس يستمر همّهم على كيفية إمكانية حصولهم على القليل من هنا والقليل من هناك. وغالبا ما تصرفهم هذه المؤسسات الخيرية نفسها. هل فاجأك هذا الأمر؟ لا تتعجب حينما يفشل محسني هذا العالم المتمكنين من تقديم المساعدة. فالجمعيات الخيرية ليست الطريق. لأن المتبرعين فيها يستبقون لأنفسهم الأموال ولا يجري بذلك سدّ الحاجات الرئيسية وحلّ المشاكل من جذورها. لذلك يجب أن ينضم بعضنا إلى بعض. فلابد أن تنشأ جماعة متشاركة متحدة ليسوع المسيح.

كيف سيحصل هذا؟ لقد فقدنا الشعور به والتحسُّس بهذا الموضوع. ومن بين الأسباب التي جعلت من أتباع المسيح غير مرتبطين معا كالجسد الواحد، مثلما كان المسيحيون الأوائل «قَلبًا واحدًا ورُوحًا واحِدَةً» في يوم الخمسين، أي عيد العنصرة (يوم حلول الروح القدس عليهم)، هو أن المسيحيين أرادوا إدخال العديد من العناصر الغريبة. فأراد أعضاء الكنائس تغيير العالم كله وجعله يهتدي إلى الإيمان قبلما أن يتغيروا هم أنفسهم بالكامل ويهتدوا إليه. فمن البديهي أنه يستحيل على الناس تجميع مئات الألوف غيرهم إلى حياة مسيحية مشتركة قبل أن يكون الأعضاء أنفسهم مستعدين لهذا. ويصح هذا الأمر بصفة خاصة إذا أَدخَلتَ إلى الجماعة المسيحية أشخاصا ماديين، وحسودين، و غير متحررين من عبودية الخطيئة، ولا يرغبون في إكمال الطريق. فسوف يكون من الأفضل لو أنهم بقوا خارجا منشغلين في هموم وقلق الدنيا. فهم لا يصلحون أن يكونوا شركاء المعركة.

فيجب أن يكون هناك تحرر قلبي أولا، تحرر من كل ما يعبث ويتسلى به العالم ومن كل ما يغرينا وما يجذبنا إليه. فسوف نتمكن عندئذ من طرح كل المخاوف والهموم عنا. فكم ستتمكن الناس من العمل والعطاء ساعة تحررها من كل الهموم وساعة انتهاء قلقها على خبزها اليومي! فالمسألة لا تتطلب الكثير من الصعوبات، فحين يقدم الناس التزاماتهم بعضهم ببعض، سيقولون آنذاك: «عندما أقع في ضيق، فالآخرون موجودون للمساعدة». لكن لو قلتُ: «سأدخر ما يكفي لنفسي حتى لا يكون عليّ الاعتماد على الآخرين أبدا»، أو، لو أصررتُ على أن أصبح غنيا وغيري فقير، لجلب هذا وقتذاك الخراب لأي مجتمع مسيحي كان. بل إنه استهزاء وسخرية بجسد المسيح (أي كنيسة المسيح المقدسة).

لهذا السبب لا أفكر كثيرا في المجتمعات المسيحية «الروحية». فهي لا تدوم. فيتصادق الناس لفترة معينة، لكن تنتهي علاقتهم في النهاية. ولو أردنا لأي شيء أن يدوم لوجب أن يكون له أساس أعمق من مجرد تجربة روحية معينة. فما لم يكن لدينا مجتمع جسماني منظور، ومشاركة في الأمور المادية، فلن يكون لنا مجتمع ووحدة في الأمور الروحية. وها هي الكنيسة الرسولية تشهد لنا بذلك في الإنجيل:

وكانوا يُداوِمونَ على الاستِماعِ إلى تَعليمِ الرُّسُلِ وعلى الحياةِ المُشتَركَةِ وكَسْرِ الخُبزِ والصَّلاةِ. وتَمَّت عجائِبُ وآياتٌ كثيرةٌ على أيدي الرُّسُلِ، فاَستَولى الخَوفُ على جميعِ النُّفوسِ. وكانَ المُؤمِنون كُلُّهُم مُتَّحِدينَ، يَجعَلونَ كُلَّ ما عِندَهُم مُشتَركًا بَينَهُم، يَبيعونَ أملاكَهُم وخَيراتِهِم ويَتقاسَمونَ ثَمَنها على قَدرِ حاجَةِ كُلِّ واحدٍ مِنهُم. وكانوا يَلتَقونَ كُلَّ يومٍ في الهَيكَلِ بِقَلبٍ واحدٍ، ويكسِرونَ الخُبزَ في البُيوتِ، ويَتَناولونَ الطَّعامَ بِفرَحِ وبَساطةِ قَلبٍ، ويُسبِّحونَ اللهِ، وينالونَ رِضى النّاسِ كُلِّهِم. وكانَ الرَّبُّ كُلَ يومِ يَزيدُ عَددَ الّذينَ أنعمَ علَيهِم بالخلاصِ. (أعمال 2: 42 - 47)

فنحن البشر لسنا بمجرد أرواح. لكننا بشر من دم ولحم. ونحتاج إلى طعام كل يوم. كما نحتاج إلى ملابس تتناسب مع فصول السنة. ويجب أن نتشارك بمعداتنا وأدواتنا؛ ويجب أن نعمل معا؛ ويجب أن نعمل عملا مشتركا لا أن يعمل كل فرد منا لنفسه. وإلا لن نتحد أبدا في محبة المسيح، ولن نصبح أبدا قطيع المسيح، أي مجتمع يسوع المسيح، الذي يقف في العالم قائلا: «آن الأوان لوجوب تغيّر الأمور كليا. وآن الأوان ليتوقف الفرد عن العيش مجرد لنفسه. وآن الأوان لوجوب انبثاق مجتمع من الأخوة والأخوات».

فهذه هي الطريقة التي يريدنا بها يسوع أن نطرح عنا همومنا وقلقنا. لكن مع ذلك، فنحن المسيحيين نتوقع من الناس أن يكون لديهم إيمان حتى في أكثر المواقف المستحيلة، وفي الظروف التي يفنون فيها تقريبا من جراء الحاجة والحالة المزرية، وعندما يسكنون في أكواخ متهرئة، ولا يعلمون كيف يبعدون الذئب عن باب بيتهم. أما نحن فنمرّ عليهم وننادي: «آمنوا فقط!» لكن الصراخ في خضم ضيق كهذا قائلين: «آمنوا! وكل شيء سيكون على ما يرام، فالسماء في انتظاركم!» إنما هو مطلب غير منطقي لا يمكن أن يُنَفّذ، مثلما يشدّد الإنجيل على ذلك:

ماذا يَنفَعُ الإنسانَ، يا إخوَتي، أنْ يَدَّعيَ الإيمانَ مِنْ غَيرِ أعمالٍ؟ أيَقدِرُ هذا الإيمانُ أنْ يُخلِّصَه؟ فلَو كانَ فيكُم أخٌ عُريانٌ أو أُختٌ عُريانةٌ لا قوتَ لهُما، فماذا يَنفَعُ قَولُكُم لهُما: «إِذهَبا بِسَلامٍ! استَدفِئا واشبَعا»، إذا كُنتُم لا تُعطونَهُما شيئًا مِمّا يَحتاجُ إلَيهِ الجَسَدُ؟ وكذلِكَ الإيمانُ، فهوَ بِغيرِ الأعمالِ يكونُ في حَدِّ ذاتِهِ مَيتًا. ورُبَّما قالَ أحَدُكُم: «أنتَ لكَ إيمانٌ وأنا لي أعمالٌ»، فأقولُ لَه: «أرِني كيفَ يكونُ إيمانُكَ مِنْ غَيرِ أعمالٍ، وأنا أُريكَ كيفَ يكونُ إيماني بأَعمالي». (يعقوب 2: 14- 18).

كلا، فيجب ألا يكون ملكوت الله مجرد ملكوت المستقبل. لكن في نظر الأغلبية العظمى فإنه بالتأكيد ما زال في المستقبل، أما في مجتمع كنيسة المسيح فيجب أن نسعى إلى الوحدة، ونبدأ في التحرّر بأسلوب بحيث تنتهي الهموم على الأقل ضمن الأخويات المسيحية التي يحب فيها بعضنا بعضا.

وينبغي أن يكون مجتمعنا المسيحي أقوى من أبواب الجحيم والموت. وينبغي أن يكون ذا نوعية خالصة ممتازة في كل المجالات، ليس على صعيد الحياة المشتركة فحسب بل أيضا على صعيد المصداقية والشفافية. فلو صادف أن حصل أحد الأفراد على فائدة معينة، فينبغي أن لا ينتفخ ويشعر بأنه يستحق تكريما خاصا به لمجرد حصوله على ذلك. فالفضل هو فضل الله لا البشر. فلا التقاليد والعادات، ولا وجهات نظر الناس، ولا آخر التقليعات، ولا ما تعتقده دولة معينة بأنه صائب، وإنما ما هو حق لدى الله فقط. فعندما يحدث هذا سيكره الناس شعب الله. لأنه يحكي بصراحة في وجه العالم كله:

إن تقاليدكم زائفة! هل تفترضون بأننا سنقرّ بأساليبكم الحربية؟ هل تظنون بأننا سوف يعجبنا انتفاخكم وحسدكم، ومحبتكم للذات، وشتى أنواع الدجل الذي تختلقونه وتمارسونه لكي تصبحوا أغنياء؟ كلا! أننا نفضّل الانتماء إلى المعدمين والفقراء بدلا من أن نستمر في إجلالنا لهذا الدجل والاحتيال!

إن مجتمع يسوع المسيح الأخوي يثير حقد وكراهية الآخرين ضده لأنه يصرّ على مواقفه وطريقه هذا رغم المعارضة. فهو لم يعد يريد طرق العالم، أو آخر الأفكار وأحدثها - فما نريده هو الله وسيادته!

لكن سوف يسبب هذا صراعا عنيفا، فلهذا يقول المُخَلِّص:

لكِنْ ما أضيقَ البابَ وأصعبَ الطَّريقَ المؤدِّيةَ إلى الحياةِ، وما أقلَّ الّذينَ يَهتدونَ إلَيها. (متى7: 14).

إن معظم الناس بما في ذلك المسيحيين قد أعجبهم هذا العالم. فهم يقدمون المهابة له. وعندما يأتي رئيس هذا العالم [إبليس] ويقدم غناه لهم، لا يفعلون مثلما فعله المُخَلِّص. فقد قال له بما معناه: «أغرب عني! فلن أحكم بأساليبك». فعندما يأتي الشيطان ينحني معظم الناس أمامه ويقولون: «نعم، طبعا، أنا متأكد بإمكانية مصالحتي مع الله مع قبولي استلام الفخر الدنيوي، والمديح، والثراء منك. وسوف تسير الأمور بالحقيقة أفضل بكثير بعدئذ!» هذا ما يفعله معظمنا، ولهذا فأننا نرى الآن الكثير من المسيحيين قد صاروا دنيويين وعولميين بشكل كبير جدا.

لا تخدعوا أنفسكم! فهذا لا ينطبق على غير المؤمنين فقط. وفي الواقع، أعرف غير مؤمنين يُظهِرون إيمانا عمليا أكبر من المؤمنين. علما أن المؤمنين بالحقيق�� معرضون أكثر من غيرهم إلى خطر الانزلاق في السعي لنيل كل تقدير وتكريم لأنفسهم ولتلميع شخصياتهم أمام الناس، وذلك عن طريق تقواهم الزائفة من جهة، في حين تراهم ويقولون: «نعم! نعم!» لكل شيء ويوافقون على المساومة والغش من جهة أخرى. ومما يزيد الطين بلّة، أنهم يستعينون بالكتاب المقدس لإيجاد ما يدعم مزاعمهم. فليس من الصواب أن توزَع النصوص الكتابية هنا وهناك. فهناك الذين قد توقفوا عن استعمال أي نصٍ كتابي، ومع هذا تراهم يجاهدون في سبيل الله والحق والمحبة والعِشْرة والعلاقات الأخوية. ويجاهدون من أجل واقع أفضل للفقراء لإخراجهم من بؤسهم في النهاية. وقد لا يستعملون اسم الله، لكني على يقين من أنهم سوف يسمعون هذه الكلمات التالية:

- «اَدخُلْ نَعيمَ سيِّدِكَ». (متى 25: 23)

- «لكني لا أدري ما فعلته في خدمتكَ».

- «نعم، نعم! لقد خدمتني. فكل ما فعلتَه لتخفيف المآسي الإنسانية، وكل ما حاولته لتحسين الأمور على الأرض، إنما فعلته لي».

لكن من يدري بأن هؤلاء غير المؤمنين بحد ذاتهم سوف لا يشكلون غالبية الداخلين إلى ملكوت السماوات، لأن ما يهم هنا هو النوعية الخالصة.

أما أهل الإيمان فينبغي أن يحققوا شيئا ملموسا. فلا تظنوا أبدا ولا تتوهموا بأنه لا يلزمكم تحقيق أي شيء أو القيام بأي عمل أو تقديم أي خدمة للآخرين، ...إلخ. لقد تم تبشيرنا بأننا لن نخلص إلا بالنعمة الإلهية. وأنا مؤمن بذلك. لكن لو كنتُ قد نلتُ الخلاص بالنعمة لكان لابد وأن أحقق شيئا ما أو أعمل شيء ما أو أنجز عملا ما. فربما قد يقبلون بك - ومن باب الإحسان والمعروف - كشريك في أحد المشاريع التجارية؛ لكن سيُطلب منك، فور دخولك، أن تبدأ بالعمل. فليس من الممكن، لا في السماء ولا في الأرض، أن لا تفعل سوى الاسترخاء بشكل مستريح في ما يسمى نعمة. فلو كنتُ مخَلَّصا بالنعمة، لأصبحت عاملا بفضل النعمة.

فبِنِعمَةِ اللهِ نِلتُمُ الخَلاصَ بالإيمانِ. فما هذا مِنكُم، بَلْ هوَ هِبَةٌ مِنَ الله، ولا فَضْلَ فيهِ لِلأعمالِ حتّى يَحقّ لأحدٍ أنْ يُفاخِرَ. نَحنُ خَليقَةُ اللهِ، خُلِقنا في المَسيحِ يَسوعَ لِلأعمالِ الصَّالِحَةِ الّتي أعَدَّها الله لنا مِنْ قَبلُ لِنَسلُكَ فيها. (أفسس 2: 8- 10).

ولو تبررتُ بالنعمة لأصبحت عاملا بفضل النعمة في سبيل العدالة. ولو أنعم الله عليّ ووضعني في وسط الحقّ بفضل النعمة، لأصبحتُ بفضل النعمة خادما للحقّ. ولو أنعم الله عليّ ووضعني في وسط السلام بفضل النعمة، لأصبحتُ بفضل النعمة خادما للسلام. فعندما أجعل كل ما وُهِبَ لي بالنعمة مقتصرا على ذاتي فقط ولا أهتم بشأن الآخرين - فهذا ليس الطريق السليم. ولما كان العمل والحركة والهمّة هي ما تهمّ، فسأقول بدوري وأشدّد على كل ما يجعلني بفضل النعمة عاملا: «لا للكسل أبدا».

وفي نظر الله، ليس هناك أهمّ من أن يكون الإنسان عاملا. لذلك ينبغي أن نأخذ دائما بنظر الاعتبار، وفي صميم قلوبنا، السؤال التالي: ما هي إرادة الله؟ لكن آه، فهذا الأمر بالذات لا يمكننا أن نفعله! فكيف للمرء أن يفعل ذلك؟ فها هنا يبدأ إنكار الذات. فهذه هي إرادة الله. لذلك، فهي إرادتي أيضا، وملك وكنز قلبي أيضا. وأريدها لأن الله يريدها، ولابد وأن تتحقق لأنها إرادة الله. وسأكرّس حياتي في سبيلها، وسأبذل جسدي وحياتي في سبيلها. فهذا هو الأسلوب الذي يمكننا فعلا أن نقدم به حياتنا كذبيحة حية لله، ونعمل حق العمل من خلال تلك الذبيحة، فهذه ذبيحة حياتنا كلها.

أيها الأصدقاء الأعزاء، هناك قوة عظيمة كامنة في هذا. ضحُّوا بأنفسكم، ولو مرة واحدة، في سبيل إرادة الله! فلن يذهب عملكم سدىً. وضحُّوا بأنفسكم في سبيل الحق، وفي سبيل عدل الله. ضحُّوا بأنفسكم، على خلاف المنطق البشري، في سبيل أمر صالح حقا. ضحُّوا بأنفسكم في سبيل المسيح في كل الأشياء، وفي سبيل مجتمع الكنيسة المتقاسم الذي يطلب ملكوت الله أولا. فهناك قوة هائلة كامنة في هذا. ولقد سيق في العصور الماضية آلاف الناس للموت بسبب هذه القضية. وقدموا حياتهم بفرح، على الرغم من أنهم تعرضوا لأشد وأقسى تعذيب، إلا أنهم بقوا أقوياء وأشداء لأنهم ثبتوا على إرادة الله بكامل الحزم. أما في هذه الأيام فنرى الناس يتجنبون ويتهربون من حمل أعباء أي صليب كان. فلا يتجرّأ أحد على القيام بأي شيء بعد الآن. ولا يخاطر أحد بأي شيء. وترانا نصاب بالجبن بمجرد أن يحدث شيء على عكس الأسلوب الدارج. ونخشى من آراء الآخرين. لكن لو أردنا أن نفرح في المسيح فرحا أبديا لا ينتهي، لوجب علينا أن نتعلم التضحية بأنفسنا. فلا يوجد سبيل آخر. فلن تتحسن الأمور في العالم ما لم يسترخص الناس ذواتهم ويصيروا عَمَلَة لله. فلن تغيّر المسيحية المسترخية العالم أبدا.

نعم، اِفرحوا في الرب، عاقدين الآمال على ملكوته! واِفرحوا في الرب كمجاهدين ثابتي العزيمة في مجتمع كنيسته الكلي المشاركة، ذلك المجتمع الذي يستطيع فيه الأخوة والأخوات أن يعيشوا معا في إنكار حقيقي للذات وفي تحرّر حقيقي للنفس، في مجتمع كنيسة كلي المشاركة لا يحكم أو يدين أحدا، لكنه في الوقت نفسه لديه نظرة واضحة عن الحقّ، ولا يساوم مع وصايا الله. فليرتبط بعضكم ببعض في هذا! واصمدوا وناضلوا في سبيل مستقبل الله، فسوف يدوم فرحكم. فكل من يتملك على قلبه هذا المسيح [وليس غيره من المسحاء الكاذبين] فسوف يفوز بالمعركة. وسوف يضع هذا الإنسان نصب عينيه دائما ذلك اليوم الذي سوف يكون بوسع جميع الناس الابتهاج والتهلُّل بعد الفوز بالمعركة في سبيل مجد الله.

هذا المقال مقتطف من كتاب، «التفاني في خدمة الملكوت الآتي!»

Dance on the Alm
هل لديك تعليق؟ تفضل وشارك المحادثة. 2 تعليقات
2 تعليقات