Morning over the bay

تجارب وإغواء إبليس

ماذا بوسعك عمله بوجه مكايد إبليس المعاصرة؟

بقلم هاينريش آرنولد Heinrich Arnold

1 تعليقات
1 تعليقات
1 تعليقات
    أرسل
  • abdalla shehata

    هذا موضوع شيق، وارجو ان الرب يعطينا القوة ان نحتمل ونواجه محاربات ابليس. وارجو إرسال المزيد من هذه المقالات. والر ب يبارككم ويرعاكم.

أين تنتهي حدود التجربة وتبدأ الخطيئة؟ بطبيعة الحال، لو كنا نتعذّب من جراء الأفكار الشريرة التي تنتابنا أو كان الشيطان يحاول إغوائنا بها فلا تُحتسب هذه العملية اِقتراف خطيئة من جانبنا. ونضرب مثالا على ذلك، فلو أحسسنا باندفاع للرد بغضب على من أخطأ بحقنا لكن تشدَّدت عزيمتنا بعد ذلك على مسامحته، فما اقترفنا خطيئة هنا. لكن لو رفضنا مسامحته ولم نرغب في نسيان الأذى الذي لحق بنا بل تشبثنا به وأضمرنا له ضغينة في صدرنا، فهذه خطيئة. وعلى الغرار نفسه، فلو تهيّجنا بسبب فكرة شهوانية لكننا رفضناها، فلم نقترف خطيئة في هذه الحالة. لكن يختلف الحال كثيرا لو تابعنا تلك الفكرة بمحض إرادتنا، واشترينا مجلة إباحية خليعة على سبيل المثال.

فالسؤال دائما هو: ماذا نفعل عندما تأتينا تجارب إبليس وإغواءه؟ لقد كتب مرة المُصلِح الكنسي في القرن السادس عشر الراهب مارتن لوثر Martin Luther أن الأفكار الشريرة تأتينا مثل العصافير التي تطير وتحوم فوق رؤوسنا. فليس في يدنا أية حيلة حيال ذلك. لكن لو سمحنا لها بأن تبني أعشاشها على رؤوسنا، لتحملنا عندئذ مسؤولية إيوائها.

لن نخلو من التجارب ولن تتركنا أبدا؛ بل حتى يجب علينا أن لا نتوقع هذا الأمر بتاتا، لأن الشيطان لن يتركنا في سلام. وقد حاول الشيطان الإيقاع حتى بيسوع المسيح. فقد جاءه المُجَرِّبُ إبليس إلى البرية حيث كان السيد المسيح قد صام أربعين يوما منقطعا عن شتى أنواع الأكل والشرب، وأخذ إبليس - الذي كان بالتأكيد متنكرا بغير هيئته – يتكلم مع السيد المسيح مستعينا بآيات من الكتاب المقدس في محاولة لإغوائه والإيقاع به، لكن يسوع المسيح لم يعرفه إلا بعد التجربة الثالثة، فقال له:

ابتَعِدْ عنّي يا شَيطانُ! لأنَّ الكِتابَ يقولُ: للرّبِّ إلهِكَ تَسجُدُ، وإيّاهُ وحدَهُ تَعبُدُ.

فلما رأى إبليس أن السيد المسيح عرفه، تركه؛ فجاء بعض الملائكة يخدمون السيد المسيح ويقدمون له الطعام. (راجع متى 4: 1-11)

لقد بدت لي سابقا في إحدى المرات فكرة تعرض يسوع المسيح إلى التجربة مثل أي إنسان عادي وكأنها تجديف على الله. لكن بالحقيقة لا مجال للشك أبدا: فقد كان يسوع المسيح إنسانا، بالرغم من أنه لم يقترف الخطايا مطلقا، لأنه كان معصوما منها. واستيعاب هذا الموضوع له أهمية بالغة، لحياتنا الروحية من جهة، لكن أيضا له دور كبير في كيفية معاملتنا للناس الآخرين الذين يخوضون صراعات شرسة، مثلما نتعلمه من الإنجيل:

ولمَّا كانَ الأبناءُ شُركاءَ في اللَّحمِ والدَّمِ، شاركَهُم يَسوعُ كذلِكَ في طَبيعتِهِم هذِهِ لِيَقضيَ بِمَوتِهِ على الّذي في يدِهِ سُلطانُ المَوتِ، أي إبليسَ، ويُحَرِّرَ الّذينَ كانوا طَوالَ حَياتِهِم في العُبودِيَّةِ خَوفًا مِنَ المَوتِ. جاءَ لا ليُساعِدَ المَلائكَةَ، بَلْ ليُساعِدَ نَسلَ إبراهيمَ. فكانَ علَيهِ أنْ يُشابِهَ إخوتَهُ في كُلِّ شيءٍ، حتَّى يكونَ رئيسَ كهنةٍ، رَحيمًا أمينًا في خِدمَةِ اللهِ، فيُكَفِّرَ عَنْ خَطايا الشَّعبِ، لأنَّهُ هوَ نَفسُهُ تألَّمَ بِالتَّجرِبَةِ، فأمكنَهُ أنْ يُعينَ المُجَرَّبينَ. (عبرانيين 2: 14-18)

وكان يهدف كاتب الرسالة الإنجيلية إلى أن تكون هذه النقطة واضحة للقارئ، بحيث أنه ذكرها ثانية في الفصل الرابع عدد 15:

ورَئيسُ كَهنَتِنا غيرُ عاجِزٍ عَنْ أنْ يُشفِقَ على ضَعفِنا، وهوَ الّذي خَضَعَ مِثلَنا لِكُلِّ تَجرِبَةٍ ما عَدا الخَطيئَةَ.

إن يسوع المسيح لم يخطئ مطلقا، حتى عند أشرس معركة خاضها في حياته – عند بستان يدعى جَتْسِماني - حيث كان بالتأكيد يصارع قوى الظلام التي هي أكبر من قدرتنا لنتصورها، التي جاءته بجيوش كاملة من الأرواح الشريرة التي كانت تقاتل في سبيل الفوز بقلبه واستمالته – لكنه لم ينحرف مطلقا عن محبته لأبيه السماوي. فقد ظلّ مطيعا ووفيا.

وبالنسبة لنا نحن البشر، فسوف يظلّ الصراع الروحي ضد الظلمة موجودا في قلوبنا ما دمنا على قيد الحياة. وهذه هي الحقيقة المريرة التي تعني أننا لا يسعنا أبدا التغلب على الشر المحدق بنا بقوانا البشرية. والمسألة هي ليست مجرد مسألة أفكار ومشاعر وصور فحسب بل أرواح محارِبة – وقد دعاها القديس بولس الرسول في الإنجيل بأنها: "أصحابَ الرِّئاسَةِ والسُّلطانِ والسِّيادَةِ،" في هذه الآية:

فنَحنُ لا نُحارِبُ أعداءً مِنْ لَحمٍ ودَمٍ، بَلْ أصحابَ الرِّئاسَةِ والسُّلطانِ والسِّيادَةِ على هذا العالَمِ، عالَمِ الظَّلامِ والأرواحِ الشِّرِّيرَةِ في الأجواءِ السَّماوِيَّةِ. (أفسس 6: 12)

وسوف نحتاج إلى الصلاة من أجل أن يسترنا الله مرة بعد أخرى؛ وحينما تأتينا التجارب بالرغم من صلواتنا، فينبغي علينا أن نسأل الله ليرينا حلَّا ومخرجا من كل واحدة منها. ومع ذلك فلا داعي لهبوط المعنويات وفقدان الأمل والوقوع في اليأس، مثلما يشهد لنا الإنجيل:

لَمْ يُصِبْكُمْ مِنَ التَّجَارِبِ إِلاَّ مَا هُوَ بَشَرِيٌّ. وَلَكِنَّ اللهَ أَمِينٌ وَجَدِيرٌ بِالثِّقَةِ، فَلاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تُطِيقُونَ، بَلْ يُدَبِّرُ لَكُمْ مَعَ التَّجْرِبَةِ سَبِيلَ الْخُرُوجِ مِنْهَا لِتُطِيقُوا احْتِمَالَهَا. (1 كورنثوس 10: 13)

لن يتعين على أي منا أن يخوض مثل تلك المعركة الشرسة والعصيبة التي قاتل فيها يسوع المسيح في سبيلنا على الصليب. فقد أخذ على عاتقه في تلك العركة العبء الكامل لحالنا البشري، ومن ضمنه التجربة، في سبيل تحريرنا بالفداء المجاني الذي قدّمه لبني البشر. فالتجربة هي ليست خطيئة.

StMichaeltheArchangel
هل لديك تعليق؟ تفضل وشارك المحادثة. 1 تعليقات
1 تعليقات