Morning over the bay

كيفية تأسيس مجتمع مسيحي كُلِّيّ المشاركة في بلدك

بقلم أسرة تحرير دار المحراث للنشر

2 تعليقات
2 تعليقات
2 تعليقات
    أرسل
  • atef

    هذا تطبيق حرفى لتعاليم المسيح ولكن اشعر ان هناك نوع من الانعزال عن العالم فكيف يتغير العالم؟ فى الوقت الذى يريدنا الرب ان نذهب اليه مع العلم ان الوصول الى مجتمع كهذا هو شئ عظيم ارجوا ان اعرف الكثير عن خدمتكم والرب يبارككم

  • nancy

    فعلا هذا هو المجتمع الحقيقى الاخوى وانى ابحث عن هذا المجتمع بعيدا عن العالم الملئ بالظلم وعدم المساواة

إنه سؤال مهم حقاً. والكثير من القراء والزوار من كافة أرجاء العالم يفكرون في الموضوع ويسألوننا عن الكيفية التي يتم فيها تأسيس مجتمع يعيش حياة مسيحية كاملة وكليّة المشاركة. أما نحن شخصيا – كمجتمع مسيحي من بين الكثير من المجتمعات المسيحية الأخرى المماثلة - فلا ندري كيف يتمّ تحقيقه. وليس لدينا أي جواب أو حل أو طريقة لذلك، فهو من عمل الله وحده سبحانه تعالى. ونحن أنفسنا كأفراد فيه لم نفعل شيئا سوى أننا تلقينا دعوة إلهية للانضمام إليه، بعد أن تعرّفنا عليه، بالرغم من أننا لم نكن نبحث عنه، لكن الله أرانا إياه، فتأجَّج في داخلنا الفرح برؤية تجسُّد ملكوت الله على الأرض، الذي جاء من أجله يسوع المسيح برسالة سماوية نقية خالية من المساومات مع الخطيئة. فوُضِعت النقاط على الحروف وتوضّحت الكثير من الالتباسات وتجسّد اشتياق السنين. وبهذا شعرنا بمسؤوليتنا تجاه هذا الطريق، ولبَّينا الدعوة وقدمنا عندئذ نذورنا المؤبدة للخدمة في مجتمعات برودرهوف المسيحية Bruderhof. فلذلك بدأ النور الساطع واللافح لهذه الحياة الجادّة يكشف لنا تدريجيا العوائق في داخلنا التي تقف حائلا بيننا وبين طريق المسيح، فصار الصراع الروحي جزءا من حياتنا اليومية. أما الطرق التي يدعو الله الناس بها فهي عجيبة ومتباينة ولا حصر لها، بالرغم من أن ليس جميع الناس على استعداد ليمضوا الآن في هذا الطريق الذي وصفه السيد المسيح بطريق الأقلية. ونعرف الكثير من الناس الذين لم يصيروا على استعداد له إلا بعد عدة سنوات من تعرّفهم على هذه الحياة المسيحية المشتركة. لكننا نعلم من ناحية أخرى بأنّ هناك اشتياق كامن في داخل كل إنسان إلى حياة كهذه، أيْ إلى حياة أخوية يملأها الوئام والخدمة المتبادلة والتسامح والمقاسمة الكاملة. وهي ممكنة حتى مع ضعفنا وقصورنا البشري، لأن الله تعالى يساعدنا فيها، تلك الحياة الواقعية الملموسة التي لا تقارعها أية حياة أخرى، بالرغم من أنها غير مثالية. وقد وعدنا السيد المسيح أمرا لا مثيل له، فقد قال:

"فأينَما اَجتمعَ اَثنانِ أو ثلاثَةٌ باَسمي، كُنتُ هُناكَ بَينَهُم". (متى 18: 20)

لكن ما سبيلنا نحن البشر إلى هذه الحياة إذن؟

اِنطلاقا من تجاربنا، فقد تعلمنا أن جديّة الإنسان في البحث الشخصي عن الحقيقة لها دور كبير في الموضوع. فالأمر يعتمد على بحثه عن راحة الضمير والنفس عندما يرى حياته الشخصية ملوثة بالخطايا والأنانية والنجاسة القلبية أو ربما كان قد تعذّب من شرّ وظلم الناس والتقاليد والأنظمة الخالية من المحبة القلبية الصافية. أما الشخص المقتنع بالوضع الراهن للعالم فلن يبحث بعمق عن حقائق الأمور، لأننا – نحن البشر – لا نتحرك ولا نبحث عن الحياة الصحيحة إلا عندما نكون في حاجة مادية أو نفسية أو اجتماعية.

فالسؤال هو:
هل أنت جائع إلى حياة البرّ وحياة التوبة اليومية؟
هل أنت جائع إلى حياة مسيحية كاملة، أم أنت مكتفٍ بحضور القداديس أيام الآحاد؟ وبمجرد قراءة الكتب المقدسة؟
هل أنت متعطش إلى شفاء روحك قبل جسدك؟ وإلى راحة ضميرك؟

فالبحث يعتمد على مدى قناعتك بالوضع الذي أنت فيه.
ألم تَسْأَمْ بعد من الحياة الماديّة، والديانة التقليدية التي لا تشفي؟
ألم تَسْأَمْ بعد من النميمة والضغائن؟
وماذا عن الذبح وتقطيع الأطراف والنَّحر وعدم المغفرة؟
ألم تَسْأَمْ بعد من الانتقام والردّ الصاع بالصاع، والمعاملة بالمثل؟
ألا يتلهف قلبك على علاقات غير قائمة على أساس العشيرة أو الأقارب أو العِرق أو الطبقية أو الماديات؟
ألا يتلهف قلبك على علاقات قائمة على أساس واحد فقط وهو المحبة الأخوية مهما كان لون أو جنس رفاقك؟
ألا يتلهف قلبك على كسر طوق التقاليد الخانقة حتى لو كانت تقاليدا دينية متزمتة؟
ألا يتلهف قلبك على جماعة ليس فيها لا غني ولا فقير، بل الكل فيها سواسية؟

فكل شيء يعتمد على بحثك واشتياق قلبك. فالمسيح حاضر ليدخل قلبك ويغير حياتك رأساً على عقب. فهو واقف عند الباب يقرع وينتظر، فهل سيفتح قلبك الباب له؟

نعم، كل شيء يعتمد على بحثك الشخصي. فعندما لا تقتنع بحال هذه الدنيا، ستبدأ بالبحث عن الحياة الحقيقية. لكن، لن يأتيك الإيمان إلا عندما تنكسر أمام الله وتقرّ بعجزك وبمحدوديتك كإنسان.

ولن ينعم الله عليك بمجتمع مسيحي حقيقي إلا بعدما ترى ظلم العالم ونظامه المعوج وإلا بعدما تتوق لقداسة وعدالة ملكوته... وبعدما تريد قول الحقّ ولا تحابي حتى أخيك... وبعدما تغفر للمجرمين الذين لم يحصلوا على حياة كريمة مليئة بالمحبة... وبعدما تدرك الظلم واللاعدالة والإجحاف بحقّ الناس... وكذلك هيمنة القوى الكبرى في العالم وانحيازاها على الصعيد السياسي... وبعدما تكره الخطيئة وتشتاق لمحبة الناس مهما كان دينهم أو عرقهم أو بشاعة أعمالهم، وهذا يشمل حتى أعدائك... وبعدما يلهف قلبك لمسامحة من يجرحك وتنعم بالفرحة بمسامحتك إياه... وبعدما تكفّ عن إكراه الآخرين على اعتناق إيمانك وتسلّم أمر تغيير قلوبهم لله وحده. إذ تهبّ روح الله كالريح حيث تشاء... ولن يوافيك إلا بعدما يكون لديك نظرة ثاقبة نحو الأمور ولا تعير أهمية لشكل مجتمع البلد بل لزيف وحدته؛ فاسأل نفسك، هل هناك وحدة حقيقية أم إنها مجرد مظهر؟ هل يختلف حاله عن حال أي مجتمع من المجتمعات في العالم، حيث الكل لا يسعى إلا لنفسه، وحيث يأتي الأقارب والعشيرة في المقام الأول بدلا من مشيئة الله النقية ووصاياه العفيفة التي تأمر بالمحبة الأخوية بين بني البشر بغض النظر عن قرابة الدم؟... ولن يأتيك إلا بعدما لا يغُرّنّك بعد الآن حجم دين معين أو جماعة معينة بل ترى حقيقة أعمالها حتى لو كانت جماعة صغيرة. لأن ما يهم هو أن جماعتك تسير على حقّ، وأنت عازم على أن تمضي في طريق الرب الضيق والوعر، طريق القليلين وليس طريق الملايين. فالربّ سيَدين العالمين كل بحسب أعماله في اليوم الأخير. (متى 25: 31-46)... ولن يأتيك إلا بعدما لا تنجرف مع كل من يقول سبحان الله والمجد لله بروح السخط والإغاظة وبدوافع بشرية بحتة، بل تنظر قبل كل شيء إلى الثمار وإلى الأعمال التي لديهم. فالله سبحانه تعالى أذكى من مكايد إبليس، ويريدنا أن نكون نحن أيضاً حكماء في حياتنا... ولن يأتيك إلا بعدما تتريث قليلاً وتهدأ وتُسكِت الصوت البشري في داخلك وتستمع إلى صوت الله.

فلو تذوقت طعم المغفرة اللذيذ التي يهبها الرب يسوع المسيح لما اقتنعت بهذه الدنيا الفانية الزائفة التي لا يطرب لها الروح ولا يتلذّذ بها الفؤاد. فتقول كلمة الله في الكتاب المقدس:

"ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ!...". (مزمور34: 8)

ولو عِشتَ الحياة الجديدة التي ينعم بها الرب يسوع المسيح لامتلأتَ غيرة عليها وتمنيتها للآخرين، لإخوانك البشر.

ولن ينعم الله عليك بمجتمع مسيحي حقيقي إلا بعدما تدرك أن مكانه ليس في شبكات الانترنيت وعلى شاشات الحواسيب البراقة بل على أرض الواقع، ويجب أن يكون منظوراً، ويحتاج بناءه إلى تعب وعرق وتضحية وتواضع وصبر وصلاة. وقد نبهنا الرب من أن طريقه محفوف بالمخاطر والاضطهاد... ولن يحصل إلا بعدما لا تستكبر به على أحد ولا تستضعف به الآخرين ولا تجرح به أحداً بل يجب أن يشع وداعة وحنان ويشعر بذلك حتى الأعداء... وإلا بعدما تستبشع تضييع وقتك في المتع الشخصية، وبعدما يشتاق قلبك لقضاء وقتك في تقديم خدمات المحبة إلى المتألمين من حولك... وبعدما تحسّ بأن رسالة يسوع لا تقتصر على الإيمان الفردي بل الجماعي أي بمعنى جماعة متحابّة مَلِكُها يسوع المسيح المخلّص وقانونها الأول هو المحبة على غرار ملكوت الله. فهو يمثل سفارة ملكوت الله... وبعدما تحسّ بأن رغبة يسوع المسيح القلبية هي الوحدة الأخوية لمجتمع أية كنيسة كانت. فقد صلّى يسوع المسيح من أجلها:

"أيُّها الآبُ القُدُّوسُ، اِحفَظْهُم باَسمِكَ الّذي أعطَيتَني، حتّى يكونوا واحدًا مِثلَما أنتَ وأنا واحدٌ... اِجعَلْهُم كُلَّهُم واحدًا ليَكونوا واحدًا فينا، أيُّها الآبُ مِثلَما أنتَ فيَّ وأنا فيكَ، فيُؤمِنَ العالَمُ أنَّكَ أرسَلْتَني. وأنا أعطَيتُهُمُ المَجدَ الّذي أعطَيتَني ليكونوا واحدًا مِثلَما أنتَ وأنا واحدٌ". (يوحنا 17: 11، 21-22)

ولن تنال نعمة المجتمع المسيحي الحقيقي إذا تفصل نفسك وجماعتك عن العالم وعن معاناته وتستغرق في الممارسات الدينية التي من شأنها أن تَستهلِكك استهلاكاً كاملاً... وهذا لا يعني بالضرورة الانفصال عن كنيستك أو دينك الذي أنت تنتمي إليه الآن بل التضامن مع إخوانك المخلصين للمسيح ضمن جماعتك وتقديم الشهادة عن الحياة المسيحية بدون مساومات لتكون نوراً وأملاً لبقية أفراد الجماعة أو الطائفة أو الدين... ولن تأتيك هذه النعمة ما لم تؤمن بأنّ الطريق السليم الوحيد للكرة الأرضية بأسرها هو التضامن والمصالحة والمشاركة، ليس 10% أو 20% أو 99% بل مشاركة كاملة 100% بين بني البشر، أي بمعنى محبة قلبية كاملة لأخيك الإنسان، ولا تعزّ عليه شيئا ولا تبخل عليه شيئا.

وسيخسر نعمة هذه الحياة المسيحية الكاملة في الكنيسة المقدسة حتى الذين يعيشون فيه الآن لو فَتَرَ حماسهم وانصرفوا عن قضية يسوع المسيح.

ولابد لنا أن نقول في نهاية المطاف أن الأمر متوقف كليا على عمل الله له المجد وتدخله في حياتنا لو سمحنا له بذلك، فهو صاحب الفضل والقرار في كل هذا، لكننا نعلم ونحسّ في أعماق كياننا بأنّه يريد أن يفيض فينا شيئا من حياته المقدسة. وسواء قليلا فاض فينا أو كثيرا، فما هو إلا جزء صغير من ملكوت الله الآتي العظيم. وما علينا إلا أن نشتاق لهذه النعمة ونصلي من أجلها، وسيتكفل الله بالباقي. فقد قال السيد المسيح:

"...غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ". (لوقا 18: 27)


ولتأمُّل المزيد عن هذا الموضوع يمكنك الاطلاع على الكتابات التالية:

مقال:

لماذا نعيش حياة مسيحية مشتركة؟

كتاب: لماذا نعيش في مجتمع مسيحي كُلّيّ المشاركة

كتاب: ثورة الله

من نحن

A Brick Layer's Hands
هل لديك تعليق؟ تفضل وشارك المحادثة. 2 تعليقات
2 تعليقات