green and blue

المجتمع الأخوي

0 تعليقات
0 تعليقات
0 تعليقات
    أرسل

مَا أَحْسَنَ وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَسْكُنَ الإِخْوَةُ مَعاً!... لأَنَّهُ هُنَاكَ أَمَرَ الرَّبُّ بِالْبَرَكَةِ حَيَاةٍ إِلَى الأَبَدِ. (مزمور 133)

تنمو المشاركة بالممتلكات بفضل المحبة

لقد أظهر لنا يسوع معنى المحبة - فالمحبة لا تعرف أي حدّ أو قيد ولا تتوقف عند أي حاجز أو مانع. فلا شيء يمكنه أن يوقف المحبة، حتى لو بدت الظروف كما لو أنها تحجب طريقها. فكان لدى المحبة، وما يزال، إيمان في كل شيء. (1 كورونثوس 13: 7-8) لذلك لم يدع يسوع، المدفوع دائما بالمحبة، أن توقفه أملاك الناس أو ممتلكاتهم وتصبح حائلاً في علاقته معهم. وعندما تعرّف يسوع على شاب غنيّ كان يملك الكثير من الممتلكات، نظر يسوع مباشرة إلى فؤاده وقال له بمحبة: "يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ. اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ وَتَعَالَ اتْبَعْنِي." (مرقس 10: 21)

لقد قامت أول كنيسة في أورشليم بتوزيع جميع ممتلكات أفرادها على الفور. ففي اللحظة التي حلّت عليهم روح المسيح، لم يقدر أحد منهم أن يتمسّك بأملاكه بعد. فقد أجبرتهم المحبة لوضع كل أموالهم أمام أقدام الرسل. وتمكن الرسل من توزيع كل شيء بمساعدة الشمامسة. (أعمال 6: 2-6) لأن محبة المسيح لنا تجعلنا نتوق توقاً شديداً إلى التخلي عن ممتلكاتنا والعيش في مجتمع أخوي متشارك في الممتلكات. (أعمال 4: 32-37) وهذا يضع الفأس على جذر أنانيتنا.


إذا أعطيتَ رداءك أيضاً عندما يسألوك أن تعطي ثوبك فقط فهذا عمل يتوافق حقاً مع المحبة. كما يعني الكثير عندما تشتغل ساعتين بدلاً من ساعة واحدة طلبوها منك (متى 5: 38-42) أنَّ الكفاح ضد الملكية الخاصة يجب أن يسبقه شيء أعمق، ألا وهو: إِمَاتَة كل من الأنانية وحب الذات والعناد والتجبُّر في داخلنا.


يكون الدين ومشاعر التديّن عديمي الفائدة إذا لم يتم التعبير عنهم بالأفعال وبالحق، أي بمجتمع حقيقي. (1 يوحنا 3: 17-18) يقول يسوع، أَحبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ! والوصية الثانية مثلها تماماً: أَحبِبْ قريبَكَ! (أي أخوك الإنسان) فلا توجد محبة حقيقية لله إذا لم يكن هناك محبة حقيقية لأخينا الإنسان، والعكس بالعكس. (متى 22: 36-39)

لقد رأينا ولمسنا ما يلي: أنّ المجتمع الأخوي ممكن تحقيقه بواسطة الروح القدس الذي يأتينا من عند الله. فعندما يملؤنا الروح القدس فسنحصل عندئذ على محبة حقيقية لقريبنا وسنحصل بالتالي على مجتمع أخوي كليّ المشاركة فيما بيننا.


لا يقدر الناس على بناء مجتمع أخوي كليّ المشاركة

من المؤكد أن الله يعمل في جميع نفوس الناس من رجال ونساء. ولكن بمجرد شروعنا بالمغالاة بشأن هذه الحقيقة إلى درجة بحيث أننا نبدأ بالإيمان بأنفسنا وحدها وبغيرنا من البشر، فنكون عندئذ سائرين في المسار الخاطئ. فيجب علينا أن نؤمن بالله بحيث يصير هو وحده مركز حياتنا وليس الفرد، وأن ينضم الأفراد بعضهم إلى بعض خاضعين إلى مشيئة الله. عندئذ يمكن لإرادة الله أن تعمل فينا وأيضاً من خلالنا، ونصير نحن أنفسنا شفافين جدا - مثل زجاج النافذة - بحيث لا تعود بعدئذ حياتنا البشرية الشخصية مهمة: وإنما يصبح عمل الله وحده منظوراً. ولا أؤمن بوجود أية طريقة أخرى لظهور المجتمع الأخوي إلى حيز الوجود. ومهما قد يكون الشخص متواضعاً ومتفانياً وعفيفاً فلا يمكنه تأسيس مجتمعاً أخوياً كليّ المشاركة بقواه الذاتية. (2 كورونثوس 12: 9)


أنّ إيماننا بالله هو ليس نتيجة تفكيرنا الذي يتمنى ذلك الشيء؛ وأساس حياتنا المشتركة هو الله وحده وليس غيره. ولكن لا يسعنا الإدعاء أن هذا الأساس هو حق اكتسبناه وأصبحنا الآن نملك الدين كواحد من ممتلكاتنا. كلا، أنّ ما لدينا الآن يجب أن يوهب إلينا كل يوم من جديد. إنها فكرة مفزعة، ولكن يجب علينا مواجهتها: فربما نخسر إيماننا في أي يوم كان. فكل ما يمكن قوله هو أن نعمة الله قد وضعتنا على أساس إلهي صحيح كهذا. لأن إيماننا لا ينشأ عن قابليّتنا الطبيعية؛ فنحن بحاجة إلى الروح القدس ليقودنا إلى هناك.


نحن لا نملك شيئاً. فإن كنا نظنّ سابقاً بأنّنا نملك مجتمعاً أخويّاً تملّكاً أبديّاً، فقد توضّح الآن لنا من أننا لا نملكه. (بمعنى إذا كنا نعرف كيف نعيش أو نخطط أو نسيطر على كل شيء في حياتنا المشتركة فنحن على خطأ لأن الصراعات الناتجة كثيرة) وهذا جيّد لنا عندما ندرك ذلك. فلا يحيا المجتمع الأخوي إلا بالمسيح وبروحه المعطاء للحياة. فإذا نسيناه وأصبحنا متروكين بدون تأثيره في نفوسنا، وإذا فرّطنا في عمله بيننا وأهملناه، فسينتهي مجتمعنا الأخوي وسينقضي بأسره. (يوحنا 15: 5)


هل بمقدور الكنيسة الغير منظورة أن تصبح منظورة؟

لا بدّ للكنيسة الغير منظورة أن تجعل نفسها منظورة. ولكي يحدث هذا ويراها الناس فعلاً، فمن الضروري أن يأتي إلى حيز الوجود مجتمع أخوي متشارك ف�� الممتلكات وفي العمل فضلاً عن الموائد المشتركة. هذا وأن كنيسة المسيح عاملة وفعّالة في كل مكان، ولكن بصورة غير منظورة، فهي تعمل أينما يتعلّق الناس بروح المسيح. ومع ذلك فأنّ الحياة الأخوية المشتركة تجسّد هذه الوحدة الغير منظورة وتجعلها منظورة، ليس في ممارسات دينية فحسب بل أيضاً في جميع مجالات الحياة.


يتدفق تيار الوحدة والوئام من ينبوع الروح القدس إلى جميع مجالات الحياة: أولا إلى العلاقات بين الإخوة والأخوات في الجماعة ليجعلها علاقات أخوية - قلبية - منفتحة ومن ثم إلى الأشياء من حولنا. لذلك تنمو من الوحدة الروحية بين الأعضاء وحدة في مجالات أخرى ألا وهي: وحدة في التربية وتعليم الأولاد وكذلك وحدة في العمل، وبطبيعة الحال فإنّ هذا معناه أننا قد حصلنا على مجتمع متشارك في الممتلكات بدون أية أملاك خاصة للأفراد، لأن المحرك الرئيسي لحياتنا هو المحبة. والمحبة هي الفرح بالآخرين. ويمكّننا هذا الفرح، الذي يفيض من ينبوع الوحدة، من تسليم كل شيء واسترخاصه لمجتمع الكنيسة الأخوي. ولا يعني تخلينا عن مبلغ معين من المال أي شيء بالمقارنة مع تسليم كل قوانا وتكريسها لخدمة الجماعة. (لوقا 9: 23-24) ونحن نعلم أن الثروات تنشأ من موارد الأرض ومن جهود عمل الإنسان. فنحن نتشارك في كل من موارد الأرض وقوتنا العاملة. ولكننا لا نريد من كل ذلك أن نعيش في أنانية جماعية لمجرد دعم أنفسنا كمجتمع. وإنما بالأحرى، يجب علينا أن نجعل من هذه الإمكانية معروفة للآخرين، ألا وهي: أنَّ الناس يمكنهم بالحقيقة أن يعيشوا في مجتمع أخوي كليّ المشاركة! ونحن نشهد لهذا الواقع، والذي هو: هناك الآن ناس يعيشون فعلاً في مجتمع أخوي كليّ المشاركة! كما نشهد لمنبع هذا الواقع، وهو: ملكوت الله المستقبلي!


أنَّ سرعة الزعل والتعنّت بالرأي وحب الذات والتمركز حول الذات - كلها عقبات وعراقيل. وعندما ينتفخ المرء على الآخرين فهذا سمّ قاتل. (فيليبي 2: 3) والشخص الذي لا يزال لديه هذا الموقف فهو عموماً غير قادر على العيش في مجتمع يحيا حياة مشتركة. وسوف يكون عاجزاً عن الاشتراك في الوحدة التي نريد أن نعيش من أجلها. فهذه نقطة هامة جدا. لأننا عندما نفكر بالآخرين وبأحوالهم وعندما نحاول رؤية أطيب خصال فيهم فسيساعدنا هذا الأمر في عدم الاستعلاء عليهم وعدم رؤية أنفسنا وكأننا متنورين أكثر منهم. فمن السهل أن نرى جسامة نقائص الآخرين وننسى أنفسنا من أننا لسنا سوى ناس ضعفاء. هذا وينبغي لنا ألا نحاول دائما تصحيح أخطاء الآخرين. فيجب علينا أن نصالح أنفسنا مع النقص البشري.


هل أنّ المجتمع الأخوي الكليّ المشاركة هو مشيئة الله؟

سأَلَنا مرة أحد الضيوف: "أتريدون القول أنّ جماعتكم هي مشيئة الله؟
فأجابه ايبرهارد: ليست جماعتنا، وإنما المجتمع الأخوي الكليّ المشاركة. فالشيء المهم الذي أدركناه هو طبيعة الحياة التي عاشها يسوع المسيح مع تلاميذه وكذلك حياة الكنيسة الأوليّة في أورشليم. ونرى أيضاً وعلى الوتيرة نفسها أنّ العهد القديم النبوي يمثل كلمة الله من أنه ينبغي لنا أن نعيش معاً في مجتمع كنيسة أخوي كليّ المشاركة (مزمور 133)، وفي سلام وعدل وسرور، مثلما وصفها الرسول بولس. (رومة 14: 17) والمقصود من حياتنا الأخوية بأسرها هو أن توحي بهذا الطريق وتشير إليه بكل تواضع.


نحن نؤمن برحمة الله الواسعة على جميع البشر. ولهذا السبب لا نشعر بضرورة جعل جميع البشر أعضاء في جماعتنا التي تعيش حياة مشتركة، بالرغم من ابتهاجنا لكل واحد ينضمّ إلى المجتمع معنا. كما لا نؤمن أن كل من لا ينتمي إلينا سيكون من الخاسرين، ولكننا نريد أن نعيش على هذا النحو حتى نهاية حياتنا لأننا نؤمن أن هذه هي دعوتنا الإلهية والتي هي لمصلحة البشرية جمعاء. والوفاء لهذه الدعوة لا يعتمد على عدد الذين يريدون الانضمام إلينا في المجتمع الأخوي. فهو يعني ببساطة أن نعيش حياة مشتركة بذلك الأسلوب الذي تتمكن به حياتنا من أن تكشف للناس محبة الله والوحدة التي يريدها الله بطريقة إيجابية وملموسة. كما نؤكد مرة بعد أخرى على كلام الكتاب المقدس الذي يقول بحق: "الله محبة"؛ فلدينا قناعة وجدانية من أنه حقّ وصادق. كما يمكننا أيضاً أن نعكس ذلك ونقول: "أينما توجد محبة حقيقية، يوجد الله هناك." (1 يوحنا 4: 8, 11-12)

لذلك فمن الواضح لنا أن معنى هذه المحبة الحقيقية هو الوحدة والمجتمع الأخوي، والتعاون والخدمة المتبادلة، والتخلي عن كل ما نملكه كأفراد، والفرح بعضنا ببعض! عندئذ نكون متّحدين في المحبة ويسعنا القول: "الله هو وحدة ووئام، والذي يبقى في هذه الوحدة يبقى في الله والله فيه." (1 يوحنا 4: 16)


هل يُعتبر المجتمع الأخوي وسيلة للتهرّب من الواقع؟

لقد انبثقت حياة مجتمعنا الأخوي منذ البداية من جراء انتشار معاناة وآلام الناس التي كانت تحيط بنا. ولم يكن السبب في تركنا للمدن الكبيرة هو الانسحاب من العالم وهجره. كما لم يكن لدينا أية نيّة في التملّص من مسؤوليتنا نحو المجتمع والناس عندما انتقلنا إلى هذا المكان الواقع على جبل (والذي يبدو معزولاً جدا للوهلة الأولى). بالعكس، فقد شعرنا أننا سنتمكن على الأرجح من التأثير في المجتمع الواسع حولنا تأثيراً أكبر وذلك بتجميع قوانا. وما زال اهتمامنا الأول والأخير لحد هذا اليوم هو عسى أن يكون لحياتنا الأخوية المشتركة تأثير في العالم من حولنا. (يوحنا 17: 20-23)


نستغرب دائماً عندما يقول الناس بأننا تركنا العالم ولم نَعُدْ نعيش فيه لأننا نعيش في مجتمعنا الأخوي أو في أي مجتمع أخوي آخر. إلا أننا بالحقيقة ما زلنا نعيش في وسط العالم، حالنا حال أي شخص آخر. فنحن لسنا مجرد أرواحاً وإنما بشر من لحم ودم نعيش هنا على هذه الأرض، بالإضافة إلى أنه يتحتّم علينا أيضاً أن نسأل الله ليسترنا من الشر الذي في العالم وإلا سنضيع. (يوحنا 17: 15-16) ويرجع سبب هذا المفهوم المغلوط إلى أنه قد تمّ إضفاء طابع روحاني بحت على كلام يسوع والذي هو نقيض للروح الحقيقي ليسوع أي الروح القدس. فتعمل هذه الغلطة على تحويل الواقعية التي يتصف بها الكتاب المقدس إلى غموض معتم تَنقبِضُ النفس منه.


لقد قيل لنا أن نبقى سهارى على مصلحة أخواننا البشر وليس على مصلحتنا الشخصية. (1 كورونثوس 10: 24) فكيف لهذا أن يتحقق؟ إنّ ذلك لا يتحقق إلا بالحياة المشتركة المتفانية تفانياً كاملاً حيث تكون كل الممتلكات مشتركة. ومما لا شك فيه أن الملكية المشتركة يجب ألا تؤدي أبداً إلى أنانية جماعية. لأنه ليس المقصود منها أن تصبح مشروعاً مشتركاً لصالح أعضائها، ولا شراكة من أجل تحقيق أرباحاً لشركائها. لكن عوضاً عن ذلك يجب على الملكية المشتركة أن تكون كلها مكرسة للخدمة التي تفيد الجميع، ومكرسة لمجتمع البشرية جمعاء في ملكوت الله المقبل، ومكرسة للإيمان المسيحي الإيجابي الذي يتوجه بأنظاره وقلبه إلى البشرية جمعاء.


سطوة المال

كان سبب سقوط الإنسان كالآتي:  لم يتخذ البشر الشيء الذي أعطاه الله إياه كممتلكات وكنوز له بل ما أعطاه إبليس. فهذا هو أصل الخطيئة وجذرها – أي عندما يتخذ المرء من الأشياء والأراضي كممتلكات له. والرغبة الشهوانية الجشِعة، والتي هي حبّ تملّك الأشياء، هي بحد ذاتها جوهر الشر ومادّته. وهذا هو كل ما تدور حوله قصة التفاحة (رغم أن الكتاب المقدس لم يذكر التفاحة). لكن البشر نبذ ما وهبه الله له، ألا وهو، الشركة والوحدة مع الله. فقد احتقر ما قدمه الله له. وانتحل لنفسه شيئاً لم يهبه الله له. ولهذا السبب يُعتبر حب المال هو إبليس بنفسه. (متى 6: 24)


أنّ الشر هو ليس مجرد مفهوم نظري؛ بل هو حقيقة واقعة. فالموت هو شرٌ. وكل شيء يؤدي إلى الموت والدمار والانفصال وانعدام الثقة والانقسام هو شرٌ. والدعارة هي شرٌ، ولهذا السبب لديها آثار مدمرة.

ولا يُعتبر الشر مجرد غياب الخير، أو اختلاف شكل الحياة عن شكل الحياة التي يريدها الله. ومن الخطأ أن نعتقد أن الشر هو مجرد رفض الخير، ومجرد عجز الإنسان. فالموت له سطوة، وحب المال له سطوة. والمال هو تجسيد لشخصية الشيطان؛ بل هو إبليس بعينه. وينطبق الشيء نفسه على القتل والنجاسة الجنسية. فهناك سطوة عظيمة وقوة هائلة وراء كل هذه الأمور. (يوحنا 8: 44) فإذا كان المال مجرد وسيلة لتبادل السلع واستعماله في العمل، فما كان شرّا. ولكنه ليس صحيحاً أن نقول بأنّ المال ما هو إلا وسيلة للتبادل؛ أنَّ المال هو أداة للسيطرة والهيمنة. وهذا ما هو شيطاني فيه؛ فهو وسيلة للتسلّط على حياة الناس. أما داخل أي مجتمع أخوي فليست هناك حاجة للمال. ويُعتبر المال في الحياة المشتركة الحقيقية لا لزوم له على الإطلاق؛ وهو في الحقيقة والواقع مناقض للمجتمع الأخوي.


في بداية حياتنا المشتركة وفي مجتمعنا الأخوي زانرز في ألمانيا، كانت هناك لحظات غير ناضجة عندما ارتأى مجتمعنا الأخوي أن يحصل كل فرد فيه على مصروف جيب [للإنفاق الخاص]. أما اليوم فنعلم جيداً أن الاحتفاظ بأي نوع من الأموال احتفاظاً منفصلاً عن الصندوق المشترك للجماعة يدقّ ناقوس الموت لأي مجتمع أخوي.


لقد بدأ يسوع المسيح الصراع ضد الممتلكات. وقد ترك هو بنفسه كل ما له؛ فقد هجر كافة الامتيازات في الحياة وتخلى أيضاً عن كل ما كان لديه وذلك من أجل المضي في طريق المحبة والتضحية. (متى 8: 20)
وكان يسوع المسيح قدوة لنا لأنه لم يُرِدْ حيازة أية ممتلكات. فقد كان أفقر الناس من المذود إلى الصليب. فلا تجمعوا كنوزاً لأنفسكم، ولا تجمعوا أية ممتلكات؛ ولكن بدلا من ذلك، خزِّنُوا شيئاً مختلفاً لأنفسكم، ألا وهو محبة القريب (أي محبة الآخرين). اُتركوا الأموال، تلك الثروة الفانية، وتمسكوا بدلا من ذلك بالثروة الغير فانية؛ فتصيروا عندئذ أغنياء. (متى 6: 19-20)


لقد صار مطلوب منك الآن شيئاً جديدا. فمن المنتظر منك أن تدير بأمانة ذلك النسل الخبيث الذي نبذه الله ألا وهو المال، ليتسنى لك بواسطته أداء شيئاً لملكوت الله حتى من خلال هذا الشيء المناقض لقيمك. وهذا يعني بالطبع أنه ينبغي استخدام ذلك المال فورا. فإذا وهبته فسيكون عنصراً مهماً لتقديمه أينما وُجدتْ حاجة إليه، لا لزيادة الحساب المصرفي لرجل غني، وإنما يجب استخدامه لإنتاج موجودات جديدة غير ملوثة ببصمات عبادة المال، ولا تبقى مناقضة للروح القدس - أي بمعنى موجودات تنجح في امتحان الحياة الأبدية...

في اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أنه قد أرتكب إثماً، يُصْعَقُ كيانه كله بسبب إصابته بالذهول أمام هول جسامة إثمه وحقيقة أنه خاطئ. وهو لا يمكنه أن يتخيل كيف صار له بالمسيح أن يتّحد مع قلب أبينا السماوي ومع الكنيسة المقدسة. ولمجرد كونها صدمة كبيرة جداً بحد ذاتها، وشيء لا يصدق، فلذلك تعتبر هذه النقطة هي بداية الإيمان.

وينطبق ذات الشيء تماماً على المسائل المادية. فعندما ترعبنا هذه الأشياء رعباً شديداً ونحن عاجزون تماماً، وغير قادرين على تخيّل قدرة إمكانية الروح القدس في التحكم بمثل هذه الأمور الدنيوية بالرغم من أنه خارج الأرض، فعندئذ سيبدأ الإيمان عند هذه المرحلة بالذات. وليس لدينا طريقاً آخراً غير الطريق الوحيد الذي بيّنه الله لنا ألا وهو الإيمان. (متى 6: 24-34) وهذا الإيمان هو الإخلاص والثقة. ويكمن سر الإيمان في هذا المجال في أسلوب تعاملنا مع مسائل الإيرادات والنفقات، ومع المسائل المتعلقة بالمزرعة، وورشة العمل، والبناء، والأعمال المكتبية: فيجب علينا أن نسمح للروح القدس أن يبيّن لنا الأسلوب. فنحن بحاجة إلى أن يكون لنا انتباه سليم ومُتَّزِن بوضعنا المالي ولا ندعه يستهلكنا لكيما نسمح لله أن يؤثر فينا تأثيراً عميقاً بما يفعله.


المجتمع الأخوي معناه العمل

نحن نؤمن بذلك الإيمان المسيحي الذي يقوم بفعل شيئاً ما. ويُعتبر العمل اليومي مع الآخرين هو أفضل وأسرع وسيلة لاكتشاف حقيقة استعدادنا للعيش في مجتمع قائم على أساس المحبة الحقيقية والإيمان. لأن العمل هو اختبار حاسم يوضح مدى أصالة إيماننا.


أنَّ الإيمان الذي يجري تطبيقه عمليّاً في الحياة المشتركة هو السر الذي يجمع مسألتي الإيمان والعمل في علاقة وثيقة. (كولوسي 3: 23-24) ويخفق معظم الناس في إيجاد علاقة بين هذين المجالين. إذ نرى أنّ هذين المجالين للحياة منفصلان حتى عند أولئك الذين يشهدون على اختباراتهم المسيحية الحقيقية؛ فنراهما يذهبان في اتجاهين متعاكسين.

قد يعيش الناس حياتهم الروحية في أقدس الأمور ويحاولون التمسك بها لكننا نرى من ناحية أخرى أنَّ الجوانب العملية لحياتهم على هذه الأرض تبتعد أكثر وأكثر عن الروح القدس. ونحن أيضاً معرضون لنفس الخطر؛ ولا نختلف قيد شعرة عن بقية الناس. ولكن الله قد أنعم علينا في حياتنا الكنسية المشتركة أن نرى لمحة عن السرّ العجيب الذي يربط بين هذين المجالين للحياة بأسلوب لم نعرفه سابقاً على الإطلاق. إنَّ الارتباط بينهما وثيق، وقائم على الإيمان ألرسولي: فنحن نؤمن بصانع الخليقة الأولية بنفس قدر إيماننا بذاك الذي يخلصنا من أجل خليقته الجديدة، كما نؤمن بالروح القدس الذي ينير لنا الدرب لهذه الغاية.


يجب على الصلاة ألا تحلّ أبدا محلّ العمل في ملكوت الله وكنيسته. فصلاتنا هي من أجل أن تتمّ إرادة الله على الأرض، ومن أجل أن تنكشف طبيعة الله بالأفعال، ومن أجل أن تحقق سيادته الوحدة والعدالة والمحبة. فإذا كنا جادّين في طلبنا، فهذا معناه أن حياتنا ستتصف بالعمل الشاق. فالإيمان بدون عمل يكون ميتاً. (يعقوب 2: 17) والصلاة بدون عمل هي نفاق ورياء. وما لم نعِشْ وفقا لملكوت الله، فسنجعل من الصلاة الربانية أكذوبة. ولا بد أن تضعنا الصلاة الربانية ضمن إطار عمليّ يتجسّد واقعيّاً كل ما نتضرع من أجله، ليصير جزءاً من التاريخ. ويعني لنا مجتمع برودرهوف الأخوي Bruderhof بحياته المشتركة (برودرهوف تسمية ألمانية تعني مكان الإخوة) أنه المكان الذي عينه الله لنا لنقدم كل طاقاتنا العملية لكي يتمجد أسمه، ولكي تتمّ مشيئته، ولكي يأتي ملكوته. فما لم تُؤدِّ المحبة بين الإخوة والأخوات إلى عمل وحركة، فستذبل شجرة حياتنا وستصبح تحت دينونة الله.


يفرح الناس أكبر فرحة عندما يكون في مقدورهم أن يستخدموا قواهم في إنتاجية سليمة لها معنى وعندما يرون نتائج عملهم أمامهم. وإذا كانوا فرحين بعملهم، فسيجدون بالتأكيد الوظيفة التي تتلاءم مع كفاءاتهم، أو الوظيفة التي يتمتعون بها لكونها تتآلف معهم بشكل طبيعي.

وتجري عادة مجادلة على أن هذا هو يوطوبيا (أي مجتمع مثالي) وأنه لا يمكن لأحد أن يؤدي مهاماً وضيعة ما لم يكن مكرهاً عليها؛ ولكن هذا المنطق يستند على افتراض خاطئ لبشرية وقتنا الحاضر الآخذة بالانحطاط الخلقي. فنرى معظم الناس في هذه الأيام يفتقرون إلى روحية المحبة التي تضفي الفرح والبهجة على أوضع الوظائف البدنية. ونحن نعلم أنّ الفرق بين عمل محترم وعمل حقير يتبخر عندما يلزمنا خدمة أو رعاية شخص نحبه. أنّ المحبة تزيل هذا الفرق وتجعل من أي عمل نقوم به للشخص الذي نحبه عمل مشرّف.

ومن الأعراض الغير صحية لحضارتنا هي أن كثيرين ينظرون إلى العمل البدني على أنه شغل ذو منزلة أدنى، ولا يستمتع به أحد. وفي الحقيقة والواقع لم نُخْلَقْ نحن البشر لنشغل أنفسنا بالمسائل الروحية أو الفكرية فقط. فنرى هناك دافع للقيام بعمل بدني بسيط على الأرض عند الأشخاص الأصحاء؛ فتراهم يتمتعون بالشمس والنور، والجبال والغابات، والنباتات والحيوانات بأنواعها، بالإضافة إلى حيوانات المزرعة والمزارع. علماً أنّ الاستمتاع بالعمل البدني أمرٌ طبيعي وسليم للغاية ويخلق أيضاً فرحاً بالحياة، وبالله وبخليقته.


العيش المشترك

أنّ أية جماعة تعيش بشكل متشارك لأجل ذاتها فقط لا يمكنها البقاء على قيد الحياة. (يوحنا 15: 4) فستكون عندئذ بدعة، وشيئاً منفصلاً. وسوف تفقد الطريق الصحيح من خلال انعزالها، مهما كان مدى ممارستها للعيش المشترك.


لقد فتشنا بشكل شامل ومنهجي في العصور والأمم والقارات عن الأشخاص الذين عاشوا معا كجماعات متشاركة مشاركة تامة، وفي محبة كاملة وسلام مطلق وفي حرية كاملة في الروح القدس وفي وحدة كاملة. كما فتشنا عن جماعات رَحَّالَةٌ ترحل سوية، وعن جماعات جوالة مجرَّبة وأثبتت جدارتها في الطريق نفسه. ولم يكن لدينا أدنى اهتمام مطلقاً لتأسيس حركة خاصة بنا أو إدامة مشروع خاص بنا. ولم نحرص بتاتاً على تأكيد حقنا في الاستقلال حسبما يسمونه أو على كسب سمعة جيدة لمصلحة عملنا التي نسترزق منها. فليغربْ عنّا كل ما هو خاص بنا! فكل ما كان يَهمُّنا هو أن تكون دعوتنا الإلهية واضحة، وحريتنا طاهرة، ووحدتنا حقيقية. فلم يكن اهتمامنا سوى أن نجعل من هذه الأمور بالذات حيّة فينا ومتعمقة أكثر وأكثر. ولهذا أخذنا نفتش عن رجال ونساء، سواء أكانوا أفراداً أو مجاميعاً، من الذين يتبعون هذه الدعوة الإلهية، في سبيل الحرية والعفاف والوحدة والوئام، وبشكل أفضل مما كان في مقدورنا أن نعيشه نحن، لكي نجعلهم قدوة لنا.

ونحن بالحقيقة قد التقينا فعلاً مع العديد من محاولات إنشاء مجتمعات أخوية تعيش حياة مشتركة، قسم منها كبير والآخر صغير، وقسم منها ذو تأريخ طويل والآخر ذو نشأة حديثة. فكم كانت بهجتنا كبيرة بكل قطرة حياة تجري نحو نهر الحياة العظيم، وبكل جماعة صغيرة حيّة أظهرت دلائل تلمّح وتشير إلى وحدة أعظم! وكان هناك الكثير من الجماعات المتشاركة الصغيرة في بلدنا والبلدان المجاورة والتي كانت يافعة وواهنة عند نشأتها؛ ولكننا وجدنا أيضاً عدة حركات كانت تعيش في همّة ونشاط كاملين في مجتمع أخوي كليّ المشاركة وبروحية تحرّيرية وتوحيدية لمدة قرنين أو ثلاثة أو حتى أربعة قرون - ولا تزال تعيش إلى اليوم!


هذا المقال مقتطف من كتاب "ثورة الله"

community playing games
هل لديك تعليق؟ تفضل وشارك المحادثة. 0 تعليقات
مساهمة من Eberhard Arnold اِيبرهارد آرنولد

يقول اِيبرهارد آرنولد، أننا نلمس فعلا في داخلنا جبروت الصليب وقدرته على خلق مجتمع مسيحي أخوي، مثلما نلمس في الوقت نفسه جبروت يسوع المسيح. لكن مع ذلك فإننا نجد أيضا في داخلنا كل ما يعارض المجتمع المسيحي، ويجب أن نكون على دراية تامة بهذه الحقيقة. فنحن ناس اجتماعيون تارة وغير اجتماعيين تارة أخرى. ثم إننا ضعفاء وأنانيون أيضا، ويوجد فينا ذاك الصراع ما بين الثقة وعدم الثقة، حيث جميعنا يؤمن ولا يؤمن...ولا يمكنك أن تعيش حياة دينية بصورة واقعية ما لم تدرك أن هذا الصراع موجود باستمرار.

تعرّف على المزيد
0 تعليقات