Roots on the floor of a dark forest

سرطان النقمة والاستياء

ما الحل للخروج من فخ الانتقام؟

بقلم

1 تعليقات
1 تعليقات
1 تعليقات
    أرسل
  • hapi garis

    ربنا يبارك خدمتكم ويستخدمكم لأجل مجد اسمه فى اسم يسوع.امين

من يختار الانتقام يجب عليه أن يحفُر قبرين. (مثل صيني)

إنَّ الغُفران هو الطريق للسلام والسعادة، وهو السرُّ الذي إن لم نسعَ لاكتشافه لظلّ خفيّاً عناّ. فالهدف من هذا الكتاب هو ليس أن يكون بمثابة مُرشد عمليّ للغُفران، لأنّه من المُستحيل أن تُخبر شخصا كيف يجب أن يغفر، لكني آمل أن يُساعد هذا الكتاب في توضيح السبب وراء الحاجة إلى الغُفران.

إنّ الغُفران أمرٌ ممُكن، وهذا هو ما تُظهره قصص هذا الكتاب، حيثُ تُعلّم الناس أن يغفروا حتىّ في أصعب الظروف. وأنا أتمنّى أن أُساعدك للوصول إلى الباب الذي يقودك إلى طريق الغُفران بسردي لتلك القصص، وبمُجرّد أن تصل إلى الباب، فستكون أنت الشخص الوحيد الذي يكون بمقدوره أن يفتحه.

ما معنى الغُفران؟ قال سي. أس. لويس C. S. Lewis أنّه يتعدّى حدود العدل الإنسانيّ، إذ أنّه يصفح عن تلك الأمور التي لا يمُكن الصفح عنها أبداً. فهو إذن أكبر من مجرد اِلتماس العفو، فعندما نلتمس نحنُ العفو من شخص ما، فإنّنا ننحي جانباً الأخطاء التي ارتكبها ولا نُعاقبهُ عليها، لكننا عندما نغفر، فنحن لا نتسامح في الخطأ أو الفعل المُتعَّمد للشر فحسب بل نعلم أيضا جيّداً أن ذلك الشخص هو المسئول عن الخطأ، ونسعى إلى إعادة تأهيله واستعادته مرة أخرى. وقد لا يكون غُفراننا مقبولا دائماً، لكن بمُجرّد أن نبادر بالغُفران فستصبح نفوسنا طاهرة من الشعور بالكراهية. رُبمّا نظل مجروحين، لكننّا على الأقلِّ لن نستخدم الألم الذي نشعر به لإحداث مزيد من الألم للآخرين.

فنحن عندما نستعيد مرّة أُخرى تلك الذكريات السلبيّة الخاصّة بإساءة آخرين في حقنِّا، فإن أمرا كهذا سيستفحل ليصير ظنوناً سيئة، ولا يهمّ ما إذا كان سبب هذا الظنّ صحيحاً أم وهماً، إذ أن تأثير كلاهُما واحد. فبمُجرّد أن نصل لتلك المرحلة، سنجد أنّ الظنّ قد استهلك قُوانا حتّى ننفجر ونُفسد كلّ شيء من حولنا.

جميعنا يعرف أناس يشعرون بالبغض، فمثل هؤلاء لديهم ذاكرة مُدهشة لأدقّ التفاصيل، وهُم يغرقون في فخ الشعور بالشفقة على الذات وفخ الكراهية. كما أنّهُم يسجلون كُلّ ظُلم وقع عليهم، ويكونون على استعداد دوما لأن يُظهروا للآخرين إلى أيّ مدى هُم متألّمُون، وهُم قد يبدون هادئين من الخارج، لكنهم يكونون في واقع الأمر مملوئين بالكراهية من الداخل.

وعادة ما يُدافع هؤلاء الناس عن شعورهم بالسخط والنقمة باستمرار قائلين إنّهُم قد تألمّوا وعانوا كثيراً، وأمرا كهذا - بحدّ ذاته - كفيل لأن يكون ذريعة تعفيهم عن مسامحة غيرهم. لكنّ الحقيقة هي أنّ هؤلاء الناس يحتاجون إلى الغُفران أكثر من غيرهم، فقلوبُهُم في بعض الأحيان تمتلئ بالضغينة للدرجة التي تجعلهُم يفقدون القُدرة على المحبّة!

منذ ما يقرب من عشرين سنة تحدثت وأبي لوقت طويل مع امرأة من هذا النوع مُحاولين مُساعدتها، فقد مات زوجها لكنها كانت قاسية وبلا مشاعر مثل الصخرة، وعاشت حياة بلا لوم في نظر العالم، إذ كانت شديدة الترتيب والتدقيق وتعمل بجد، وأمينة ومقتدرة ويُعتمد عليها، لكنها كانت لا تستطيع أن تُحب. وبعد شهور من الصراع، اتّضح السبب وراء شعورها بفتور القلب، إذ أنّها لم تكن قادرة على الغُفران، ولم يكُن بإمكانها الإشارة إلى ألم مُعيّن بعينه بحياتها، لكنها كانت مُنحنيّة تحت ثقل الآلاف من الظنون الصغيرة مُجتمعة معاً.

إنّ مرارة الكراهية هي أكثر من مُجرّد نظرة سلبيّة للحياة. فهي هدّامة وتهدم الشخص بحد ذاته أيضاً. فعندما تحتفظ أنت عمداً بالضغينة تجاه شخص آخر، فسيكون لهذا تأثير مُدمّر على نفسك. إذ أنّ أمرا كهذا سيفتح الباب للشر، وسيترُكنا مُعرّضين لأفكار الكراهية والانتقام، بل ولأفكار القتل. وبهذا تتضرر النفس ويتضرر الجسد أيضاً. ونحن نعلم أن الشدّ النفسي يمُكن أن يتسبّب في حدوث قُرحة أو آلام الصداع، لكننا عادة ما نخفق في رؤية ا��علاقة بين مرارة الاستياء والأرق على سبيل المثال. فقد أظهرت الأبحاث الطبيّة علاقة وثيقة بين الغضب الذي تكون مشكلته غير محلولة، وبين النوبات القلبية: فيبدو أن الذين يحبسون استيائهم ومرارتهم يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض من أولئك الذين يتمكنون من تهدئتها عن طريق التنفيس عن مشاعرهم.


«برندا Brenda» امرأة شابّة طُلب مني مُساعدتها قبل مدة قصيرة، لقد كانت قد تعرضت للاعتداء الجنسيّ من عمِّها القسيس. وعلى الرُغم من أنّها ومن غير شك كانت ضحيّة بريئة لذلك الرجل الفاسق والرهيب، إلاّ أن شعورها بالبؤس والكآبة كان قد صار جُزءا من تكوينها النفسيّ، فلم ترغب بل لم تقدر على تجميع قواها النفسية لتغفر.

وصرخت «برندا» إليّ يائسة بعدما قضت سنوات طويلة في الخوف من الفضيحة وفي إدمان الكحوليّات التي كان يمدّها بها عمّها – معذِّبها - كلّ يوم كهدايا. اجتازت «برندا» مشوارا طويلا في الحصول على استشارات من الأطباء النفسييّن، وكان لديها كلّ رفاهية ماديّة يمكن أن ترغب فيها. وكانت تشغل وظيفة مرموقة ولديها شبكة من الأصدقاء الذين قدموا لها الدعم، وقد تمَّ القيام بكل ما هو مستطاع لمساعدتها لاستعادة وضعها الطبيعي، لكن بدون جدوى. لكن، وبالرُغم من هذا، كانت مشاعرها تتأرجح بصورة كبيرة ما بين الضحك المُفرط والبُكاء الذي لا يمُكن إيقافه. وكانت تنغمس في التهام الطعام في أحد الأيام، ثمّ تضرب عنه في اليوم التالي. وكانت تشرب زجاجة وراء الأخرى من المشروبات الكحوليّة، مُحاولة بذلك أن تنسى مُشكلتها.

رُبمّا كانت «برندا» واحدة من أصعب الناس الذين سعيتُ لمُساعدتهم. كُنتُ مُتردّداً في التحميل عليها بأيّ شعور بالذنب، لكن بدا واضحاً لي أنّها هي وحدها التي بِيدِها أن تبادر في عملية الشفاء. فما لم تتعلّم الغُفران للشخص الذي اعتدى عليها، فإنّها ستظلُّ تشعر بأنها ضحيّته. لكن للأسف كانت كل مُحاولاتنا معها فاشلة. فازداد شعورها أكثر وأكثر باليأس بسبب الاِحتقان النفسي والإحساس بالغضب والحيرة، وأخيراً حاولت أن تخنق نفسها فتم نقلها إلى المستشفى.

إنّ الجراح النفسية التي يُخلّفها الاعتداء الجنسيّ ربما تستغرق سنوات لتشفى. وعادة ما تترك مثل هذه الجراح آثارا تستمرُّ لمدة طويلة. لكن يجب ألا يؤدّي الأمر إلى الشعور بالعذاب مدى الحياة أو إلى الانتحار. وفي كُلّ الحالات التي تتشابه مع حالة «برندا» وجدتُ الضحايا يحصلون على تحرّر وحياة جديدة عندما يغفرون للمُغتصب، ويغفرون للذين سمحوا باستمرار الاغتصاب أو فشلوا في رؤية ما كان يحدث في ذلك الوقت، ولم يتمكّنوا من إيقافه.

لا تعني المغفرة بالضرورة النسيان أو التغاضي عن الأمر. ولا يتوقّف الأمر هُنا بالتأكيد على شرط الالتقاء وجهاً لوجه مع المعتدي – حتى أنه لا يُنصح به في حالة الاغتصاب. لكنه يعني بالتأكيد أن تتّخذ قراراً طوعياً بالتوقُّف عن الكراهية، لأنّ الكراهية لا تساعد بشيء ولن تقودُك إلى شيء مفيد، فهي تنتشر في الشخص مثل السرطان حتى تُدمّره بالكامل.


Roots on the dark forest floor
هل لديك تعليق؟ تفضل وشارك المحادثة. 1 تعليقات

«آن كولمان Anne Coleman» وهي أمُّ من ولاية ديلاوير Delaware الأمريكية، تقابلت معها قبل عدة شهور وقد أخبرتني بما حدث لابنها «دانيال» لأنّه لم يستطع أن يغفر:

عندما قُتِلتْ ابنتي «فرانسِز» في عام 1985م أصبحت يائسة جداً. ففي صباح أحد الأيام تلقّيتُ مُكالمة تليفونية من ابنة أختي في لوس أنجلوس تقول: «فرانسِز ماتت، فقد أُطلق عليها الرصاص»

ولا يمُكنني أن أتذكّر بالضبط ماذا فعلتُ، لكني فعلاً صرخت. وخطّطت للذهاب إلى كاليفورنيا في الحال، وفي الطائرة فكرّت فعلاً أنّه بإمكاني أن أقتل شخصا ما، فلو كان معي سلاح ورأيتُ الشخص الذي أصابها، لكنتُ فعلتُ ذلك حقّا.

وبمرور الوقت هبطت الطائرة وكُنت قلقة على الطريقة التي سأُقابل بها ابني «دانيال» الذي ركب الطائرة من ولاية هاواي، وكان «دانيال» ضابطاً في الجيش ومُدرّباً على القتل.

وعندما وصلنا إلى قسم الشرطة في صباح اليوم التالي، كان الشيء الوحيد الذي أخبرونا به هو مجرد أن ابنتنا ماتت، وأن أيّ شيء آخر ليس من اختصاصنا. وللأسف بقى الحال هكذا طوال الأيام التي قضيناها في لوس أنجلوس. وأخبرني ضابط شرطة المباحث أنهّ إن لم يتم القبض على الجاني في خلال أربعة أيّام، فلا يجب أن أتوقّع أنهُم سيقبضون عليه لاحقا! ثمّ استطرد: «فنحنُ لدينا الكثير من جرائم القتل في هذه الضاحية من المدينة، ولا نُعير جريمة القتل سوى أربعة أيّام فقط!»

Frances Coleman Frances Coleman

أغضب ذلك الكلام ابني «دانيال» للغاية. وعندما اكتشف أن قسم الشرطة غير مُهتمّ فعلاً بالعثور على قاتل أخته، أراد أن يشترى رشاشة من نوع «عوزي Uzi» ويحصد الناس حصداً.

ولم ينبهنا أحد بِما سنراه عندما ذهبنا لنأخُذ سيّارتها. فقد نزفت «فرانسِز» حتّى الموت في سيارتها، إذ اخترقت الرُصاصات الشُريان الأورطي وقلبها ورئتيها، وق د اختنقت بدمها. وماتت في وقت مُبكّر من صباح يوم الأحد. وأخذنا سيّارتها في وقت مُتأخّر من مساء يوم الثلاثاء. وكانت السيارة تبعث رائحة نتِنة. ولم تبرح تلك الرائحة ذهن «دانيال» الذي أراد الانتقام بأبشع صُورة ممُكنة. فقد أراد فعلاً أن يجد مَن يساعده بأية طريقة كانت – كنوع من العدالة على مقتل أخته.

وطوال السنتين والنصف التاليتين، رأيتُ «دانيال» تسوء حالته بسرعة، إلى أن وقفتُ يوماً إلى جوار مقبرة أخته أراقبهم وهم يُنزّلونه إلى الأرض ليُدفن هو أيضاً، فقد أخذ بالثأر أخيراً – أخذه من نفسه. ورأيتُ ما تفعله الكراهية، إذ أنّها تُدمّر ذهن الإنسان وجسدُهُ!


هذه المقالة مقتطفة من كتاب «لماذا نغفر؟»

 

 

 

 

 

Daniel Coleman Daniel Coleman
مساهمة من Johann Christoph Arnold يوهان كريستوف آرنولد

هناك الكثير من المقالات والكتب الإلكترونية المجانية بقلم يوهان كريستوف آرنولد عن الزواج المسيحي واِتِّباع المسيح والصلاة والبحث عن السلام.

تعرّف على المزيد
1 تعليقات